|
موسيقي |
فيروز كراوية: أبحث عن فكرة في الكلمات تخص مشاعري ورؤيتي
|
|
|
|
|
القاهرة 30 يونيو 2026 الساعة 11:11 ص

حوار: حسين عبد الرحيم
مع طرح الألبوم الجديد، "شفتوشي" للمطربة فيروز كراوية أثارت الجدل من جديد عن علاقة الغناء بفن التطريب، والتلون الميلودي، وبمزج آلات موسيقى الراب مع الفرانكو أراب بآلة "السمسمية" التي تميز إيقاع وأغاني المدن الساحلية، وتحديدا في مدينة ميلاد الفنانة التي درست الطب وانتهت منذ شهور من مناقشة رسالة الدكتوراة عن تلك العلاقة الشائكة بين الآلات الشرقية، بل ومزجها بآلات النفخ والآلات الوترية مع البوق والبزق، وكثيراً من التقرب بتجليات الحداثة الموسيقية وما بعدها في تناولات وأشكال بل وإيقاعات مكنتها من تجنب الصيغ المنتشرة والمكرورة، ومع تعدد أشكال الغناء ما بين التلون الميلودي الدافع بماهية التطريب، والشكل العصري للأغنية التي ترتكن على "التون" وإيقاع الطبلة الصداح، مع ترقيص تتعالى به حالات النشوة والبهجة بتراكات مغايرة، وضعت كراوية في مكانة وطور المطربة، الناقدة، المنظرة التي تجمع ما بين الكلاسيكية وحداثة الشكل والأداء الطربي التي عادت بالكثير من الرضا من قبل الكثير من عشاق الغناء ومستمعيه.
-
بداية سألت فيروز كراوية عن الآليات التي تحدد وتختار من خلالها شعراءها وملحّنيها فقالت:
نعم ستجد الكثير من التدخُّل في تفاصيل كل أغنياتي، من اختيار الكلمات مرورًا باللحن والتوزيع الموسيقي، ومنذ بدايتي اخترت أن تعتمد الأغنية التي أقدمها على البحث عن تناولات بها نوع من الابتكار، تتجنب الصيغ المنتشرة والمتكررة. أبحث عن فكرة في الكلمات تخص مشاعري ورؤيتي، أو تساعدني على تقمص شخصيات مختلفة وكاركترات بشرية متنوعة. على مستوى الموسيقى أبحث عن تجريب أدائي داخل عوالم موسيقية مختلفة، الأكوستيك والشرقي والجاز والموسيقى الإلكترونية والبوب، والتهجين بين كل ذلك، في كل تجربة يغيّر العالم الموسيقي من طريقة أدائي والمطلوب منّي توصيله، مستمتعة بالمفاجآت التي تنتج عن ذلك.
أتعامل مع صناعة الأغنية كمشروع أُنتجه بصفتي منتج فني، بمعنى أن الاختيار والتفاصيل تمثّل عالم أنتمي إليه. لست مُغنية أقوم بالأداء الصوتي بعد الانتهاء من التفاصيل، بالعكس، أستمتع بكل مراحل صناعة الأغنية، وأقوم بكتابة وتلحين بعض أغنياتي، كما أحاول أن أتعرف على نواحي مختلفة من تلك الصناعة، كالتوزيع الموسيقي وهندسة الصوت والميكساج، وما يخص الصورة كالمونتاج. أحضر جميع جلسات تسجيل الآلات، وجلسات الميكساج وهندسة الصوت، وأعتبر النقاش مع شعراء الأغاني يجعلنا نصل لناتج يعبّر عن أفكارنا ويتماس مع إحساسي بالأغنية.
"تنظر"، تبلور الفنانة فيروز كراوية الحاصلة على درجة الدكتوراة من جامعة السوربون منذ شهور، عن علاقة موسيقى الغرب بالمدارس الكلاسيكية الشرقية والعربية في الغناء مع الأخذ في الاعتبار دلالات ونكهة التراث الكلاسيكي، بحيث يرتكن المستمع لأحدث الأشكال الغنائية المنتشرة لدينا، مؤكدة أن موجة أغاني المهرجانات والراب وأنواع مختلفة من التهجينات التي نشأت من اندماج أنواع غنائية محلية مع ثقافة الهيب هوب، كالتراب أو الراب الميلودي أو الإلكتروشعبي. لذلك فما نطلق عليه "تيارًا جديدًا" في الأغنية حاليًا يمكن إرجاعه للعقد الأول من الألفية الثالثة مع بدايات هذه الأنواع، بحيث صار الفنانون المؤسسون كالسادات أو أوكّا أو أبيوسف في الراب بمنزلة جيل أول يعاصر جيلًا ثانيا وثالثا أصغر سنًّا في الوقت الحالي.
هذه الأنواع اندمجت مع أغنيات البوب، وبدأت التعاونات بين فنانيها وفناني البوب تؤثر في بعضها البعض، وهذا اتجاه جيد لأنه يثري قاموس البوب بانفتاح أكبر من ناحية الكلمة الشعرية، ويساعد في ظهور مواهب جديدة بأساليب أداء مختلفة وكلمات لا تعتمد على قاموس الماضي الذي ملّ منه الجمهور. كذلك يبدو فنانو الراب في حاجة لمن يثري عالمهم بأنواع مختلفة من الموسيقى والألحان، لأن الراب بشكل عام يفتقر إلى الألحان والميلودي الثري، ويعتمد بشكل أساسي على تداعي الكلمات في نسق إيقاعي.
*تولي كراوية اهتماما خاصا بالنقد الغنائي والموسيقي، فكيف ربطت بين هذا الاهتمام وعملها بالغناء؟
تقول: بدأتُ الاهتمام بعالم النقد الموسيقي بعد دخولي عالم صناعة الأغنية بالتوازي مع دراستي الماجستير بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. في ذلك الوقت بين عامي 2008-2010 بدأت أولي اهتمامًا خاصًّا بالأغنية والموسيقى ضمن سياقهما الاجتماعي والتاريخي، وكيف تتشكّل الظواهر الموسيقية نتيجة لعوامل متداخلة تؤثر على الناتج الصوتي وأساليب الأداء وتقنية التسجيل والمعاني الشائعة في مرحلة تاريخية بعينها. مع الوقت، بدأت أمزج بين البرامج الدراسية في الأنثروبولوجيا وأخرى في مجالات الميوزيكولوجي والدراسات الثقافية، وبدأت الكتابة لمجلة "معازف" الرقمية في مجال النقد الموسيقي.
*عن أحدث أغنياتها "شفتوشي" التي أثارت الكثير من الدهشة والإعجاب، مع اعتراض ورفض نسبي من قبل العشاق القدامى من المستمعين للموسيقى الشرقية، تقول: أغنيتي الأخيرة "شُفتوشي" هي رابع الاستعادات التي أقدمها من تراث السمسمية في بورسعيد، مدينتي التي نشأت بها. خلال مساري عملت على نقل ذاكرتي مع هذا الفن الشعبي الموروث إلى أعمال موسيقية معاصرة تجمع بين العمل التراثي والتجريب الموسيقي. بدأ هذا الاهتمام عام 2016 من خلال أغنية «خلّي عنك اليوم» ضمن ألبومي «قلبك زحام»، حيث امتزجت السمسمية مع تأثيرات من الجاز وآلات النفخ والإيقاعات الحية، إلى جانب كورال من الرجال والنساء.
في عامي 2024 و2025 تعاونت كراوية مع المنتج الموسيقي مولوتوف في أغنيتين من تراث السمسمية هما «نوح الحمام» و«الليلة جميلة»، حيث أضاف مولوتوف عناصر إلكترونية ومعالجات صوتية حديثة للأغنيتين.
وفي «شُفتوشي»، يتواصل هذا التوجه من خلال المزج بين الآلات الحية كالسمسمية والناي والطبلة، والتوزيع الموسيقي المعاصر للفنان الكبير أسامة الهندي. وينتمي جميع الموسيقيين المشاركين في العمل لمدينة بورسعيد، ما يجعله تحية خاصة للمدينة وتراثها.
*تعاونت فيروز السيد كراوية في أغنيتها الأخيرة "حب ساعة" مع الفنان اللبناني زياد سحّاب، فكيف تنظر للعلاقة مع الفن والغناء اللبناني، وهل يمكن أن يتلو ذلك تعاونا مع آخرين؟
تضيف كراوية باستفاضة: أعتقد أن اسمي دليل كافٍ على علاقة أكثر من عميقة بالغناء اللبناني.
كان صوت السيدة فيروز أول صوت مغنيّة عربية أرتبط به في عمر الطفولة، لأن أبي من عشاقها. في ذلك الوقت كنت أغني فقط بالفرنسية، لذا كان بعض التقارب بين أسلوب أدائها والأداء الغربي، الذي يميل لتقليص استخدام العُرب المتتالية والزائدة، سببًا في ميلي لصوتها الذي صار صديقًا حميمًا حتى اليوم. وكلما كبرت بدأت أقتني أعمالها وتعرفت عن طريق الإنتاج الرحباني إلى أصوات عشقتها كوديع الصافي ونصري شمس الدين، ثم في مرحلتها مع زياد الرحباني تعرفت عن طريقهما إلى أصوات جوزيف صقر وسامي حواط ومروان محفوظ.
وتستطرد قائلة: مع بداية اهتمامي بالأغنية المصرية والشرقية مع الأستاذ محمد عبد الوهاب بدأ تعرفي على صوت صباح التي قدّرت عظمتها الغنائية متأخرًا، ثم نور الهدى ونجاح سلّام وغيرهم. ساعدني هذا على فهم اللهجة اللبنانية بشكل جيّد، كما خلق لدي علاقة موسيقية بالأغنية المشرقية.
وعن تلك الأسماء التي تعاونت معها فيروز كراوية تقول بإسهاب: قبل التعاون مع الأستاذ زياد سحاب تعاونت مع الفنان زياد الأحمدية في أغنيتين وقت بداياتي الغنائية، والآن مع "حب ساعة" أتمنى أن يزداد التعاون مع زياد سحّاب والفنانين اللبنانيين رائعي الموهبة.
تعاونت فيروز من خلال إصدارها، كتابها "كل دا كان ليه" مع الناقد الموسيقي اللبناني فادي العبد الله، بصفته مُراجعًا للكتاب، وكأنها تشرح بوعي ومنهجية موسيقية مدروسة وأكاديمية فتقول عن هذه التجربة: الأستاذ فادي العبد الله من أهم نقاد الموسيقى في العالم العربي وأتشرف بصداقة طويلة معه، وتعلمت منه الكثير عبر القراءة المنتظمة لأعماله.
وقد كان كريمًا معي حين تولى مهمة مراجعة الكتاب وكتابة مقدمة له. وقد فضّلت أن يكون هناك مراجعة لما أكتب من ناقد قدير لأنه يُنبهني أحيانًا لبعض الملحوظات، أو يطلب الاستفاضة في شرح نقطة بعينها قد تكون غير واضحة للقارئ، ويساعدني في ترتيب المحاور والاختيارات. وهي عملية مفيدة جدًّا خصوصًا أن موضوع الكتاب يتناول فترات تاريخية متعددة وتحولات كثيرة في عالم الإنتاج الموسيقي، ومرحلة طويلة من نهايات القرن التاسع عشر وحتى بدايات القرن الواحد والعشرين، ومن الطبيعي أن يكون هناك من يُدقّق ويراجع.
*قدمت فيروز كراوية في رحلتها التي بدأت مع الفن الغنائي منذ أكثر من خمسة وعشرين عاما، مشاركات فريدة في مساري السينما والمسرح، بالغناء في فيلم "أسرار البنات" للمخرج مجدي أحمد علي، كما شاركت بأكثر من عمل مسرحي مما يؤكد الوعي بماهية هضم الفنون كلها في كأس واحدة، لتصعد بها لدرجة الفنانة الشاملة، فهل تسعي فيروز لذلك؟
تقول فيروز: كانت السينما بدايتي الفنية عندما عرض عليّ المخرج مجدي أحمد علي غناء أغنية التتر لفيلمه "أسرار البنات" (2001) خلال فترة دراستي الجامعية. وكانت المرة الأولى التي أدخل فيها أستوديو التسجيل، وسعدت بالتعاون مع المُلحن والموزع عمرو أبو ذكري. بعدها تقدمت لاختبار اختيار المخرجين المسرحيين في ورشة مركز الإبداع الفني التابع لوزارة الثقافة المصرية.
واختارتني اللجنة لأعمل كمساعد مخرج للأستاذة عبير علي في عرض "الملك لير" الذي قُدّم في نهاية الورشة على خشبة مسرح مركز الإبداع الفني. ثم قدمتني الأستاذة عبير علي عبر فرقتها المسرحية في ثلاثة عروض مسرحية، قمت فيها بالغناء والتمثيل والإشراف على الإعداد الموسيقي. منذ ذلك الوقت والمسرح يحتل مكانة متميزة لديّ، لأنه يوفر لقاءً مباشرًا مع الجمهور ومجالا مختلفًا تمامًا للأداء والتفاعل. وتوالت بعدها مشاركاتي في عروض مسرحية أخرى.
كما قمت بكتابة السيناريو والحوار لفيلم "صباح الفل" (2006) إنتاج المركز القومي للسينما، بطولة الفنانة هند صبري، وقمت ببطولة الفيلم القصير "الحكاية وما فيها" للمخرج ناجي إسماعيل.

|
هل لديك تعليق؟
|
الاسم : |
|
|
البريد الالكتروني : |
|
|
موضوع التعليق : |
|
|
التعليق : |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|