|
ملفات وقضايا |
نجيب محفوظ وجائزة ونوبل
|
|
|
|
|
القاهرة 06 أكتوبر 2026 الساعة 09:29 ص

بقلم: محمد عطية محمود
تحل في شهر أكتوبر من كل عام ذكرى حصول الكتَّاب العرب - في شخص عبقري السرد العربي "نجيب محفوظ" - على جائزة نوبل في الآداب، والتي نالها في العام 1988 في سابقة فريدة لم تأت قبلها أو تلحق بها مرة أخرى لأي كاتب عربي، وهي حالة نادرة مثيرة للعجب توقف بعدها السيل عند هذه القطرة الثمينة!!
فهل حُرم الكتاب العرب من جنة "نوبل"؟ أم ستظل "نوبل" هي الفاكهة المحرمة التي يتوقف طموح كل كاتب عربي بها عند حدود التمني والرجاء والشغف والوقوف على أعتاب الحلم الجميل الذي ينتهي بوهم عريض راسخ في الأذهان، وصدمة متكررة، وحائط صد مقيم أمام الطموحات المشروعة، لأدب إنساني يعانق الإنسانية في كل وجوهها، رغم حيازة كتّاب أمم أخرى على العديد من ثمرات تلك الجائزة التي تُعد أعلى سقف الطموحات لدى كل كتاب العالم سواء من الشرق أو الغرب أو الشمال أو الجنوب، ومن كل الأطياف والألوان والثقافات..
فالآن - وبعد مرور ثلاثة وثلاثين عامًا على تدشين فوز محفوظ بها - يعن لنا هذا السؤال الذي ربما تكرر كثيرًا سواءً أكان علانية أم كان على استحياء: هل فازت نوبل بمحفوظ، أم فاز محفوظ بها؟.. طالما هي – في ذهن الكثيرين - لا تتخطى الطموح الشخصي للحاصل عليها دون ثقافته التي يعبر عنها أو فئته التي ينتمي إليها، أو أيديولوجيته وتوجه أدبه؛ فالكثيرون يشيرون بكل الفخر إلى انتماء نجيب محفوظ إلى نوبل، فيطلقون عليه "أديب نوبل" - كأنه لم يكن أديبًا وعبقريًا سرديًا قبل نوبل - بانتمائه الجديد الخالص إلى الجائزة التي تعتبر خطًا تاريخيًا فاصلًا بين ما قبلها وما بعدها، وما نتج عنها من آثار شخصية عميقة لم تفد منها الثقافة العربية إلا من قبيل الوجاهة الثقافية والتوجه نحو تقديس الجائزة التي لم تعد حكرًا للأوروبيين، بل وسارعت وسارع إليها كُتَّاب أمريكا اللاتينية وآسيا وإفريقيا في تبادل عميق للأدوار والأيديولوجيات، وتناءت تمامًا عن الكتاب العرب شعراء كانوا أو ساردين، وكأن محفوظ أول عنقود الموهبة الأدبية العربية وأساطيرها وآخرها!!
في حين يعتبرها البعض سُبَّة في جبين الرجل، وربما جبين الثقافة العربية، لاعتبارات أيديولوجية وتوازنات سياسية يعتبرونها الأساس في الاختيار والاستقطاب والعمل على تدجين الثقافة العربية لصالح توجهات الغرب، ولصالح حسابات أخرى تتفاوت وتتباين، ولا تعرف من أين تأتي السهام الطائشة بعد كل إخفاق جديد لكل قامة إبداعية عربية تتقدم وتراهن وتحشد للحصول على نسخة جديدة ضائعة من الجائزة التي تتوج الحاصل عليها على منصات الاهتمام والمحاور والحوارات والمانشيتات في صدارة المجلات والصحف ذائعة الصيت والوجاهة والأكثر تسويقًا وإثارة ومبيعًا، وإن كانت كذلك فلماذا لم يتكرر منح هذه الجائزة لكتاب عرب آخرين؟!! فكان من أبرز من حاربوا عليها يوسف إدريس، ونوال السعداوي، وأدونيس الذي تكرر ترشيحه لها كثيرا!!
فهل كانت جائزة نوبل للآداب التي حصل عليها "محفوظ" حفاظًا على ماء وجه الجائزة التي ربما طالتها أسهم الإنكار والرفض لأسباب متنوعة ومتعددة، من كثير من الكتاب العالميين ولعل أبرزهم: الأيرلندي "جورج برنارد شو"، والروسي "بوريس باسترناك"، والفرنسي "جان بول سارتر"، أم كانت تكفيرًا لخطيئة ابتعادها عن المحيط العربي، فكان توجهها المنصف إلى نجيب محفوظ الذي تجاوز نفسه كما تجاوز أقرانه الساردين إبداعيًا وربما فكريًا وفلسفيًا، وتأثيرا في ثقافة العالم؛ لتعبر منحنى جديدًا لها ولتقدم وجهًا مغايرًا ومائزًا للثقافة الإنسانية، اعتمادا على تقسيم المراحل المهمة في مسيرته الروائية على وجه التحديد والتي انطلقت من المرحلة التاريخية الفرعونية، ولوجًا إلى الواقعية الاجتماعية والملحمية، ثم النزوع إلى الميتافيزيقية والتصوف، واندماج كل ذلك بالحس الفلسفي المتشبع، وقد جاء في حيثيات منحها له:
"تناولت بواكير رواياته الحقبة الفرعونية لمصر القديمة، بيد أن فيها بالفعل إيماءات للمجتمع الحديث، وقد جرت أحداث سلسلة رواياته التى صورت البيئة الشعبية القاهرية فى العصر الحديث وإلى هذه الروايات تنتمى «زقاق المدق» 1947، حيث يصبح الزقاق مسرحًا يجمع حشدا «متباينا» من الشخوص يشدهم الحديث عن واقعية نفيسة، والحقيقة أن محفوظ حفر اسمه بالثلاثية الكبرى «1956-1957» التى تناول فيها أحوال وتقلبات أسرة مصرية منذ نهاية العقد الأول من هذا القرن وحتى منتصف الأربعينيات".
لتفوز الجائزة بمحفوظ، من عمق ارتباطه الوثيق بمحليته المتشربة بعلاقات المكان والزمان متمثلين في علامات المكان الدالة، وارتباطها بالتاريخ كزمن يستطيل وينتج تلك العلاقات مع المكان، لتنتقل الأحياء الشعبية المحلية بتجربتها شديدة الخصوصية إلى فضاء التعانق مع العالم، ولتصبح أحياء القاهرة القديمة الجمالية وزقاق المدق وخان الخليلي وبين القصرين على مشهد ومرأى من العالم وجزء من تراثه، مع إحياء التاريخ الفرعوني من خلال قصص مشبعة بالواقع والخيال.. مما يرسخ وجود باب للأمل المراوغ للعديد من الكتاب العرب، والأفارقة الذين التهموا الجوائز بعدما سلطت نوبل محفوظ الأضواء على جزء مهم من أجزاء القارة السمراء التي ربما سبقه منها النيجيري وول سونيكا 1986، ولحقت بهما الجنوب إفريقية نادين جورديمر 1991، ثم مواطنها جون ماكسويل كوتزي 2003..
لكنه من المؤكد في كل الأحوال أن الجائزة فازت بانتمائها لمحفوظ العربي الإفريقي الذي لم يغادر وطنه ولا قارته، بل سعت الجائزة إليه، ولم يسع إليها، ليصحو من نومه في صبيحة يوم 13 أكتوبر 1988 ليُفاجأ بحصوله عليها مثلما فوجئ العالم بأسره؛ فها هو يواجه العالم بتلك الحقيقة التي ربما كانت غائبة حتى على من كانوا يحملون لواء منح الجائزة، ليحدد إلى مدى بعيد الإطار الذي يرضى به كي تكون الجائزة قد حازت شرفًا عظيمًا بانتمائها إليه، وإلى حضارته وثقافته، ربما ليخرس ألسنة استطالت، وطالته، على مدار الزمن، بالقدح وشرر العناد:
"اسمحوا لي أن أقدم لكم نفسى بالموضوعية التي تتيحها الطبيعة البشرية، أنا ابن حضارتين تزوجتا في عصر من عصور التاريخ زواجًا موفقًا، أولهما عمرها سبعة آلاف سنة، وهى الحضارة الفرعونية، وثانيهما عمرها ألف وأربعمائة سنة، وهى الحضارة الإسلامية، ولعلى لست في حاجة إلى التعريف بأي من الحضارتين لأحد منكم، وأنتم من أهل الصفوة والعلم، ولكن لا بأس من التذكير ونحن في مقام النجوى والتعارف".
بهذا الخطاب القومي والمعرفي يبرهن نجيب محفوظ للعالم بأسره على أهمية هذه العلاقة الوشيجة الشاهدة على عمق ارتباطه بالحضارتين الفرعونية والإسلامية اللتين أسهمتا في تكوينه الإنساني والمعرفي، تلك الثنائية التي تميز خارطة واسعة من الجغرافيا والتاريخ تملك جدارة التعبير عن ذاتها وكينونتها من خلال عمق الثقافة والحضارة الضاربة في جذورها والمتشعبة ليكون تأثيرها حاضرًا، وجديرًا بالاحتفاء والتخليد وحيازة حقها المشروع في مشاركة الفعل الإنساني والحضاري والثقافي لتكون جزءًا أصيلًا من حضارة العالم وتكوينه الثقافي والمعرفي، فليس غريبًا أن تنحاز الجائزة إلى تلك الحضارة بتلك اللمحة الذكية التي يقدم بها محفوظ خطابه الموجه إلى العالم. لتعود الأكاديمية السويدية المانحة للجائزة لتقول عنه في حيثياتها:
"إن التقييم الشامل لأدب نجيب محفوظ يتجاوز كل ذلك، إلا أنه يخاطب الإنسانية كلها من خلال أعماله وليس فقط اولئك الناطقين بالعربية".
فكيف لنا ألا نقر بهذه الحقيقة التي لا تخلو من صدق وأمانة، ولا تتمادى كي تنتزع حقًا ليس للرجل ولا لثقافته ولا لأبناء جلدته، وأبناء لغته العربية، لغة الضاد، لغة القرآن الكريم بلسان عربي مبين، والتي تملك البيان والفصاحة إلى جانب تلك الحضارة، وهذا التراث الإنساني المادي وغير المادي الذين يقف جنبًا إلى جنب مع التراث العالمي، ويمثل محورًا من محاوره التليدة، والشاهدة على تحولات العالم وأيديولوجياته، حتى ولو لم تتكرر فرص الفوز بالجائزة ولا محاولات جذبها إلى الثقافة العربية فإن هذا الالتفاف حول قيمة الجائزة لا ينبغي إلا أن يكون التفافًا حول قيمة العربية كلغة أدب مشبعة بالجماليات وثرية بالمعاني الإنسانية المعبرة عن الإنسان في عمق محليته المرتبطة بعالمية الوجود!! حيث يقول محفوظ في أحد حواراته بعد الجائزة: "لم أكن متصورًا أن واحدًا من درب قرمز يأخذ جائزة نوبل، إنها كبيرة علي"!!
فهل علينا الآن أن نعاود سؤالنا: "نوبل نجيب محفوظ.. أم نجيب محفوظ نوبل؟" الذي يحمل بين طيات طرحه انتصارًا لتلك الشخصية الإبداعية/ العلامة التي جمعت بين الدأب والإصرار وتجاوز الذات ومواكبة الأجيال، والقفز إلى مستوى العالمية للجائزة التي سبق وأن رشحه لها عملاق الأدب العربي "محمود عباس العقاد" في عام 1962، أي قبل حصوله عليها بستةٍ وعشرين عامًا، كاستحقاق وشهادة إبداع من قيمة بحجم العقاد لنجيب محفوظ، ليكون الكاتب الظاهرة التي ربما استمدت منها نوبل وهجًا ومصداقية بعيدًا عن تربص المتربصين وانتقاص المنتقصين، باستحقاق الأدب المصري والعربي لهذا التمثيل العالمي الإنساني.
|
هل لديك تعليق؟
|
الاسم : |
|
|
البريد الالكتروني : |
|
|
موضوع التعليق : |
|
|
التعليق : |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|