|
كتاب مصر المحروسة |
تاريخ شعبي موجز للعالم (132): الفلسفة الحديثة "فرانسيس بيكون 5"
|
|
|
|
|
القاهرة 21 مايو 2026 الساعة 08:29 م

بقلم: أحمد محمد صلاح
آمن فرانسيس بيكون بالعلم وسطوته، العلم وقدرته، حتي أنه الف كتابا قبل وفاته بعامين يصور فيه مدينة فاضلة تقوم علي العلم، وصدر الكتاب بعنوان "أطلانطس الجديدة"، وقال عنه الكاتب الانجليزي الشهير هـ. ج. ويلز بأنه أجل خدمة أداها للبشرية، فالكتاب يتخيل فيه "بيكون" ان جماعة تؤمن بالعلم تعيش في جزيرة نائية في المحيط الهادئ بعيدا عن أوروبا.
وفي كتاب "قصة الفلسفة الحديثة" لزكي نجيب محمود وأحمد أمين، يقتطفون جزاء من الكتاب وفيه ترجمة لموجز بيكون نفسه:
"لقد أقلعَتْ بنا السفن من «بيرو» آخذةً سمتَها ناحية الصين واليابان، فما احتوتها أمواه المحيط حتى خيَّم السكون، وانبسط سطح الماء صقيلًا كالمرآة، لا تعلو فوق صدرِه موجة واحدة، فبقيت السفائن بضعة أسابيع جاثِمةً لا تهتز، ولا تتحوَّل، حتى كاد ينفد زادُنا، وعندئذٍ انفرجت أطباق السماء فجأةً عن ريحٍ صرصرٍ عاتية عصفَتْ بنا، فدفعت فُلكنا دفعًا عنيفًا، وأخذت تُمعِن بنا ناحية الشمال، وليس أمامنا إلا البحر، وليس وراءنا إلا البحر، والبحر عن يمينٍ وشمال، لا تقع العَين إلا على موجٍ فوق موج، فدبَّ اليأس القاتل في نفوسنا، واستولى علينا الجزَع والفزع، وخشِينا أن نهلك جوعًا، فقلَّلنا من وجبات الطعام إبقاءً على ما بقي في جُعبتنا من زادٍ قليل، وزاد الطين بلةً أن فشا المرَض بين الملَّاحين فرفرف الموت بجناحِه القاتم على السفن ومن فيها، حتى أصبح الفناء منَّا قاب قوسين أو أدنى، وهنا وقعت أبصارنا — في الأفق النائي — على جزيرةٍ زاهية تتلألأ في ضوء الشمس، فتهلَّلت النفوس بِشرًا، وأخذت الفُلك تحبو نحوَها حتى دنَت من الشاطئ، فرأينا جماعةً من أهلها قد احتشدوا يرقُبون هذا الطارئ الجديد.
يا عجبًا، إنهم لم يكونوا أجلافًا مُتوحِّشين كما صوَّر لنا الوَهم والخيال، إنما هم يرتدون ملابس بلغَتْ من البساطة والنظافة والجمال حدًّا بعيدًا، ويَلُوح الذكاء المُشتعِل على مَخايلهم. وقد شاءت أخلاقهم الكريمة النبيلة أن يسمحوا لنا بالنزول في أرضهم، والمكث بين ظهرانيهم، على الرغم من أن حكومة بلادهم تُحرِّم الهجرة إليها تحريمًا قاطعًا، ولكن أبَتْ رجولتهم العالية أن ترى المرَض ينشِب أظفاره في الملَّاحين، ولا ترضى بالبقاء حتى يأذن لهم الله بالبرء والشفاء.
نزل الراكبون إلى الجزيرة ريثما تتمُّ لأولئك المرضى العافية، وفيما هم كذلك، أخذ الأصحَّاء منهم يجوبون أنحاء الجزيرة، ويجوسون خلالها فيكشفون فيها كلَّ يوم سرًّا جديدًا من أسرار تلك الأرض العجيبة، أرض أطلانطس الجديدة، وقد حدَّثهم أحد أهليها أنه «كان يسيطر على الجزيرة منذ ألف سنةٍ ملك لا تزال ذكراه مقدَّسة عند الجماعة كلها .. واسم ذلك الملك سليمان. وإنما نزل من نفوسنا هذه المنزلة الرفيعة؛ لأنه وضَعَ لأمَّتِنا أساس اجتماعها وقانونها، فلقد كان ذا قلبٍ كبير … ولم يكن يفكر إلا في توفير السعادة لأمَّتِه وشعبه.» ومن أعماله المجيدة، بل لعلَّه أعظم أعماله كلها، إنشاء هذه الهيئة التي نُسميها «بيت سليمان» وهو أرقى ما شهِدته الأرض من نظم.
وما بيت سليمان هذا الذي يُشير إليه الرجل؟ إنه يقوم في أطلانطس الجديدة بما يقوم به البرلمان في لندن، فهو مَقرُّ حكومة الجزيرة، ولكنها حكومة ليس بين أعضائها سياسيُّون، وليس في البلد أحزاب، فلستَ ترى مثل هذه الضجة الصاخبة التي تُلازِم عملية الانتخاب، فالطريق المؤدية إلى أوْج الشُّهرة العلمية مفتوحة أمام الجميع، وليس يظفَر بوظائف الدولة إلا من سار في تلك الطريق من أولها إلى آخِرِها.
إنها حكومة الشعب للشعب يُديرها صفوةٌ منتخبة من الشعب، هي حكومة يملك زمامها رجال الفن والمهندسون والفلكيُّون وعلماء طبقات الأرض والنباتيُّون والأطباء والكيماويون والاقتصاديون وعلماء الاجتماع والنفس، ثم الفلاسفة، وهي حكومة لا تصبُّ سلطانها على الإنسان، إنما تُوجِّه حُكمها إلى الطبيعة التي فُرِضت دراستها على الإنسان فرضًا، فرضَها الله الذي «وضع الدنيا في قلوب الناس.» ويعني بهذه العبارة أنَّ الله قد كوَّن عقل الإنسان، بحيث يستطيع تصوير الكون كما تستطيع العين رؤية الضوء.
قال مُحدِّثنا: «إن الغاية من حكومتنا إنما هي معرفة الأسباب والحركات الكامنة في الأشياء، وتوسيع نطاق مملكة الإنسان.» وهذه العبارة هي خلاصة الكتاب كله، بل هي حجَر الزاوية من فلسفة بيكون بأسرها، أعني أن يشتغل حكام الدولة بدراسة الطبيعة ليستخدموها لخير الإنسانية ونفعها، فيدرسون أفلاك السماء ونجومها، ويحاولون استخدام قوة الماء الساقطة في إدارة الأرحاء، ويدرسون ما ينتاب الإنسان من أمراضٍ وكيفية الوقاية منها، ويبحثون في استنباط أنواعٍ جديدة من الحيوان وأنماطٍ من النبات، وغير هذا وذاك من ألوان الدراسة التي تعود على الناس بالخير الوفير.
قال الرجل: إن رجال الحكومة في هذا البلد لا يدَّخِرون وسعًا في محاولة تقليد طيران الطير، حتى أخضعوا أجزاء الفضاء لسلطان الإنسان، وإنَّ لنا بفضلهم لسُفنًا تسبَح مع الحوت تحت أغوار الماء … وتُنتج جزيرتنا ما تستهلكه وتستهلك ما تُنتجه، فلا مُبرر أن تزجَّ برجالها في معمعان الحروب من أجل الأسواق الخارجية وترويج التجارة … ويقضي نظام الجزيرة أن تبعَث إلى البلدان الأجنبية طائفةً من علمائها يتبدَّلون مرة في كلِّ اثني عشر عامًا، وهؤلاء يزورون شعوب الأرض قاطبة، فيتعلَّمون لغاتهم ويدرسون علومهم وصناعاتهم وآدابهم، ثم يعودون إلى بلادهم يحملون إليها ما أفادوه في رحلتهم حيث يتقدَّمون به إلى رجال «بيت سليمان» لتمحيصه وتطبيق النافع منه في بلادهم، وبهذا تستطيع أطلانطس الجديدة أن تُسرِع الخطا نحو الكمال المنشود".
آثرت أن انقل النص كما هو دون تحريف أو تنقيح أو حتي اختزال ، فالنص لطيف وجميل به الكثير من الخيال العلمي والفكري ، ويبدو أن الكتاب كان على هوى "ويلز" الذي مدحه بشدة، ويبدو أنه على هوى الكثيرين، وملخصه ان هذه المدينة حلم حيث يحكمها الفلاسفة والعلماء وليس فيها أي محاولات للحرب أو غيره، مدينة يحكمها الحب، ويسود فيها الرخاء والعدل.
|
هل لديك تعليق؟
|
الاسم : |
|
|
البريد الالكتروني : |
|
|
موضوع التعليق : |
|
|
التعليق : |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|