|
قصة قصيرة |
ليلة وداع الماضي
|
|
|
|
|
القاهرة 23 يونيو 2026 الساعة 12:30 م

قصة: محمد مبارك
حلَّ المساء وما زال يمسك بجواز السفر. بدأت المعركة الصامتة تشتعل في عقله. لم يصدق أنه أخيرًا سيودع الماضي ليبحث عن ذاته ويبدأ من جديد. كان قلبه يعتصر ألمًا كلما تذكر الماضي. كانت الذكريات تنهال عليه كأنها ومضات سريعة، لكنها مؤلمة. كان دائمًا يُقنع نفسه أنه سيتجاوز الماضي، لكنه تأكد أنه كان غارقًا في غياهب الذكريات. تحطمت آماله على صخرة الواقع، فاستيقظ قبل أن تسرق الأيام منه ذاته..
راح يتذكر الضحكات مع الأحباب، والوجوه التي غابت، ولحظات الصبا، وإظهار التحدي في وجه الأيام. تذكر الأمنيات الجميلة، والموسيقى الهادئة التي كان يحب أن يسمعها في لحظات الفرح. تذكر الحادث القديم الذي مر به وترك أثرا في ذاكرته قبل جسده، وكيف أدركته العناية الإلهية وقتها. أثناء استغراقه في طوفان الذكريات، دق جرس الهاتف. كانت هي! الحب الذي أهداه إليه القدر. كانت هي من أقنعته بقبول عرض السفر خارج البلاد. فتح الهاتف ليرد عليها. قالت له بلهفة: هل أنت مستعد للرحلة الجديدة؟ رد بثقة وقال: نعم، خلعُت عباءة الماضي لأرحل إلى المستقبل. ردت بصوت ممزوج بالفرح وقالت: وأنا سألحق بك قريبًا. رد بنبرة فيها شوق: وأنا سأنتظرك..
قام ليُجهز حقيبة السفر. وضع فيها كل أغراضه ومعها قلبه وآماله. فرغ من ترتيبها فاستلقى على السرير ليستريح. راح ينظر إلى كل أجزاء غرفته. مر بنظره على كل ركن فيها، الصور على الجدران، ومكتبه الصغيرة، والهدايا الجميلة المتراصة بجوار بعضها على الأرفف. عادت الأفكار لتجتاح عقله من جديد. تذكر شعوره بالوحدة حتى في وجود الناس. لم يعُد شيئا في المكان يشبهه، حتى المدينة ببهجتها لا تشبهه. كانت في عينيه كأنها مدينة مهجورة. آن الأوان للرحيل بعد أن استيقظ من الأوهام، واستظل بظل الحقيقة. ظل عقله لعدة دقائق في حالة بين الهلوسة والإدراك، حتى غلبه النوم أخيرًا..
استيقظ على صوت المنبه. ارتدى ملابسه وحمل حقيبته. نظر إلى أرجاء منزله مودعًا، ثم فتح الباب وخرج. انطلقت السيارة نحو المطار. دخل لينهي الإجراءات، ثم جلس على مقاعد الانتظار ينتظر نداء صعود الطائرة. لفت انتباهه طفل صغير يجلس مع أمه في انتظار الطائرة. كان الطفل يحمل وعاءً صغيرًا به نبتة جميلة. اقترب الطفل من أمه المشغولة بهاتفها وقال لها بوجه حزين: أخشى أن تذبل نبتتي وتموت لأنها ستترك مكانها هنا وترحل معنا إلى مكانٍ جديد. ردت الأم بوجه مبتسم وقالت: لا، بل ستنمو وتُزهر من جديد، لأنك سترعاها وتهتم بها كما كنت تفعل دائمًا هنا. هدأ قلق الطفل وبدت عليه علامات الفرح.
كان يراقب ذلك المشهد وهو يدور أمامه متعجبا، كأنها رسالة من القدر عبرت إليه من أعماق الكون ليقرأها. أخرج مفكرته التي اعتاد أن يحملها ويدون فيها يومياته. أمسك القلم ودوَّن تاريخ يوم أمس وكتب تحته بخطٍ عريض "لية وداع الماضي". أغلق المفكرة وأخذ نفسا عميقا كأنه أزال جبالا من الهموم من على صدره، ثم وضع المفكرة على المقعد. أغمض عينيه قليلا ليستريح وهو يقول في نفسه: إنها رحلة التعافي. سمع نداء الطائرة فانتبه وقام مسرعًا. حمل الحقيبة وتوجه إلى بوابة الدخول.
عبَر البوابة، لكنه تذكر أنه نسي المفكرة على المقعد. وقف في مكانه قليلا ثم ضحك وأكمل المسير دون أن يلتفت خلفه. دخل بوابة الطائرة وهو ما زال يضحك. أُغلق باب الطائرة ليتوقف معه نزيف العمر. فالنور يولد من رحم الظلام، ليحمل معه فرصة جديدة للحياة..
|
هل لديك تعليق؟
|
الاسم : |
|
|
البريد الالكتروني : |
|
|
موضوع التعليق : |
|
|
التعليق : |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|