|
سينما |
"الإسكندرية" من أول صورة متحركة بعد باريس إلى مدينة تختفي منها دور العرض
|
|
|
|
|
القاهرة 06 أكتوبر 2026 الساعة 09:45 ص

بقلم: د. حسين عبد البصير
في مساء من مساءات نوفمبر عام 1896 كانت الإسكندرية تستعد من دون أن تعرف أنها على وشك أن تدخل تاريخًا جديدًا.
لم يكن أحد في المدينة يعرف تمامًا ماذا ينتظر خلف جهاز غريب اسمه السينماتوغراف. كانت المدينة قد اعتادت العجائب القادمة من البحر. سفن تصل من مرسيليا وليفربول ومالطا. تجار يتحدثون لغات كثيرة. صحف بالفرنسية واليونانية والعربية. ترام يشق الشوارع. مقاه وفنادق ومسارح. وأناس يعيشون على حافة المتوسط كأنهم في غرفة كبيرة مفتوحة على العالم.
لكن هذه المرة لم تكن العجيبة سفينة ولا آلة بخارية.
كانت صورة.
صورة تتحرك.
في 28 ديسمبر 1895 شهدت باريس العرض العام الشهير لجهاز الأخوين لوميير في الصالون الهندي داخل جراند كافيه بشارع كابوسين. وبعد أقل من عام وصلت الصورة المتحركة إلى الإسكندرية. وتشير المصادر التاريخية إلى أن أول عرض سينمائي في مصر جرى في بورصة طوسون بالإسكندرية في 5 نوفمبر 1896، مع وجود اختلافات محدودة بين بعض الروايات حول تفاصيل العروض الأولى.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
لم تكن الإسكندرية تنتظر السينما.
السينما هي التي جاءت إلى الإسكندرية.
وهذه نقطة مهمة لفهم المدينة.
فالإسكندرية لم تكن مجرد مدينة مصرية استقبلت اختراعًا أوروبيًا جديدًا، وإنما كانت في ذلك الوقت واحدة من أكثر مدن البحر المتوسط اتصالًا بالحركة العالمية. كان ميناؤها بوابة للأشخاص والأفكار والبضائع والأخبار والصور والاختراعات. ولذلك لم يكن غريبًا أن تصل إليها السينما بهذه السرعة.
كانت المدينة، بمعنى ما، شاشة قبل أن تعرف الشاشة.
وكان البحر هو جهاز العرض الأول.
كل سفينة تدخل الميناء كانت تحمل معها شيئًا من العالم.
وفي نوفمبر 1896 حملت إحدى هذه الموجات العالم نفسه في صورة متحركة.
كانت بورصة طوسون في منطقة محطة الرمل مكانًا تجاريًا واجتماعيًا مهمًا. وهناك شاهد الجمهور صورًا متحركة من الشرائط المبكرة التي وصلت إلى المدينة، وسط دهشة يصعب علينا اليوم أن نستعيدها. فقد اعتدنا الصورة المتحركة إلى درجة أننا لا نستطيع بسهولة أن نتخيل كيف يكون الإنسان أمامها للمرة الأولى.
تخيل رجلًا إسكندريًا في تلك الليلة.
ربما جاء بدافع الفضول.
ربما أخبره صديق أن هناك آلة جديدة تجعل الأشخاص يتحركون داخل صندوق.
ربما لم يكن يعرف أن ما سيراه سوف يغير شكل القرن العشرين.
يجلس الرجل.
تُطفأ الأنوار.
تبدأ الصورة.
وفجأة يتحرك العالم.
لم يعد العالم أمامه في الشارع فقط.
أصبح العالم يستطيع أن يدخل إلى غرفة مغلقة.
وهنا بدأت علاقة الإسكندرية بالسينما.
علاقة امتدت لأكثر من قرن.
بعد ذلك لم تعد السينما مجرد عرض عابر.
في 1897 جاءت بعثة لوميير إلى الإسكندرية، وارتبطت هذه المرحلة بالمصور ألكسندر بروميو الذي قام بتصوير مشاهد من المدينة، بينها ميادين وشوارع ومحطات للترام. وفي العام نفسه بدأت صالات العرض السينمائي المرتبطة بالسينماتوغراف في الظهور بالإسكندرية.
وهنا حدث شيء شديد الأهمية.
لم تعد الإسكندرية تشاهد العالم فقط.
بدأ العالم يشاهد الإسكندرية.
هذه هي النقلة التي كثيرًا ما نغفل عنها عندما نحكي تاريخ السينما المصرية.
فالسينما لم تكن مجرد نافذة تأتي منها صور أوروبا إلى مصر. أصبحت أيضًا آلة تجعل مصر والإسكندرية موضوعًا للصورة.
ميدان القناصل.
الشوارع.
الترام.
البحر.
الناس.
الحركة.
كل ذلك أصبح قابلًا لأن يُحفظ في شريط من السليولويد.
وللمرة الأولى تقريبًا صار الزمن نفسه يمكن أن يُلتقط.
قبل السينما كان الفنان يرسم المدينة والمصور الفوتوغرافي يثبت لحظة منها.
أما السينما فبدأت تحفظ الحركة.
والمدينة التي تعيش على الحركة مثل الإسكندرية كانت مرشحة بطبيعتها لأن تقع في حب هذه الآلة.
هناك شيء آخر أكثر إثارة.
إن الإسكندرية لم تكن فقط من أوائل المدن التي شاهدت السينما. كانت أيضًا واحدة من المدن التي ساهمت مبكرًا في تكوين البيئة المصرية للسينما.
من الإسكندرية خرجت أسماء وتجارب ومساحات لعبت أدوارًا في تاريخ السينما المصرية. وفي العقود التالية أصبحت المدينة مكانًا للإنتاج والتصوير والعرض وارتبط اسمها بمراحل مبكرة من السينما المصرية.
وهكذا أصبحت الإسكندرية مدينة سينمائية قبل أن تصبح مصر كلها بلدًا سينمائيًا.
كان ذلك طبيعيًا.
فمدينة بهذا الخليط من المصريين والأجانب وبموانئها وفنادقها ومسارحها ومقاهيها وصحفها وشوارعها كانت تملك كل العناصر التي تحتاجها السينما.
جمهور.
ومكان.
وحركة.
وفضول.
ومدينة تصلح لأن تكون ديكورًا مفتوحًا.
ولذلك لا أستطيع أن أتخيل تاريخ السينما المصرية من دون الإسكندرية.
مثلما لا أستطيع أن أتخيل الإسكندرية الحديثة من دون السينما.
لكن هنا تبدأ الحكاية الأكثر حزنًا.
مدينة شاهدت أول صورة متحركة في مصر تقريبًا وأصبحت واحدة من أهم المدن السينمائية في تاريخنا أخذت تفقد دور عرضها واحدة بعد أخرى.
كان هناك زمن كانت فيه السينما جزءًا من جغرافيا الإسكندرية.
لم تكن السينما مجرد مكان تذهب إليه لمشاهدة فيلم.
كانت جزءًا من الذاكرة.
موعدًا.
لقاءً.
شارعًا.
ملابس.
رائحة.
صوت تذكرة تتمزق عند الباب.
بائع جرائد أمام السينما.
شاب ينتظر فتاة.
أب يأخذ أبناءه إلى الفيلم.
أصدقاء يتناقشون في البطل قبل أن يصلوا إلى البيت.
وكانت أسماء دور العرض نفسها جزءًا من ذاكرة المدينة.
اليوم تغير المشهد.
عدد كبير من دور العرض التاريخية اختفى أو تغيرت وظيفته أو أُغلق. بعض المباني تحول إلى أنشطة أخرى وبعضها ظل مهجورًا.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بإغلاق دور سينما.
المسألة أعمق.
حين تختفي دار عرض قديمة لا يختفي مبنى فقط.
تختفي نقطة من خريطة الذاكرة.
فكروا في الأمر بطريقة مختلفة.
لو أن مدينة أوروبية احتفظت بمكان شهد واحدة من البدايات المبكرة للسينما العالمية لتحول المبنى إلى موقع للزيارة والدراسة والحكي.
أما نحن فنميل أحيانًا إلى التعامل مع المبنى القديم باعتباره عقارًا ينتظر وظيفة جديدة.
وهنا تقع المفارقة.
الإسكندرية التي سبقت مدنًا كثيرة إلى استقبال السينما لا تزال بحاجة إلى أن تتعلم كيف تحفظ ذاكرتها السينمائية.
ليس باعتبارها حنينًا إلى الماضي.
بل باعتبارها جزءًا من تاريخ المدينة الحديث.
فالإسكندرية ليست فقط عمود بومبي ومكتبة الإسكندرية القديمة وقصور البحر والمباني الإيطالية واليونانية.
الإسكندرية أيضًا مدينة السينما.
مدينة الصورة المتحركة.
مدينة شاهدت لوميير.
مدينة دخلت منها السينما إلى مصر.
مدينة صورتها كاميرات البدايات.
مدينة عاش فيها جمهور كامل حياته بين المسارح ودور العرض.
هذه طبقة من تاريخ المدينة تستحق أن تُقرأ مثل أي طبقة أثرية أخرى.
وأنا أعتقد أن الخطأ هو أن نتعامل مع تاريخ السينما باعتباره تاريخ أفلام فقط.
تاريخ السينما هو تاريخ الناس.
دار العرض كانت مكانًا اجتماعيًا.
كانت تجمع الفئات المختلفة في مساحة واحدة.
المثقف والموظف والعامل والطالب والعاشقان والأسرة والبحار والعابر والسائح.
كانوا يجلسون في الظلام أمام شاشة واحدة.
وهذا في حد ذاته حدث اجتماعي وفلسفي.
في الخارج مدينة مزدحمة ومختلفة.
وفي الداخل عالم واحد من الضوء والظل.
ربما لهذا كانت السينما قادرة على صناعة الذاكرة بطريقة لا تستطيع الكتب وحدها أن تفعلها.
الكتاب يخبرك أن الإسكندرية تغيرت.
أما فيلم قديم فيريك كيف كانت تمشي.
وهذا فرق هائل.
هناك صورة أحب أن أتخيلها.
رجل عجوز يقف أمام مبنى سينما لم يعد سينما.
ينظر إلى الواجهة.
لا شيء يدل على ما كان هنا.
محل.
مخزن.
مبنى مغلق.
ربما موقف سيارات.
لكن الرجل يتذكر.
كان يأتي إلى هنا شابًا.
كانت هناك امرأة تجلس إلى جواره.
ربما كانت زوجته التي رحلت.
ربما كان الفيلم الأول الذي شاهده معها.
ربما كان ابنه يمسك يده عند الخروج.
وربما لم يكن يتذكر اسم الفيلم أصلًا.
وهذا هو المهم.
لأن الذاكرة الإنسانية لا تحفظ دائمًا أسماء الأفلام.
تحفظ الضوء.
الصوت.
المقعد.
اليد التي أمسكت يدك.
الشارع بعد العرض.
والبحر حين خرجت من السينما في الليل.
إن اختفاء دور السينما القديمة في الإسكندرية ليس ظاهرة إسكندرانية فقط. إنه جزء من تحول أوسع أصاب دور العرض المصرية مع تغير أنماط المشاهدة وظهور التلفزيون منذ الستينيات ثم الفيديو والقنوات الفضائية والمنصات الرقمية والهواتف الذكية، إلى جانب التحولات الاقتصادية والعمرانية التي غيرت شكل المدينة وطريقة استهلاك الثقافة.
ثم جاءت الشاشات الشخصية.
التلفزيون.
الفيديو.
القنوات الفضائية.
الأقراص.
الإنترنت.
الهاتف.
وأصبح الفيلم يستطيع أن يصل إلى غرفتك دون أن تتحرك من مكانك.
لكن هناك شيئًا لم تستطع الشاشة الصغيرة أن تمنحه بالطريقة نفسها.
المكان.
الذهاب.
الانتظار.
الجمهور.
الظلام الجماعي.
الضحكة التي تنفجر من مئات الأشخاص في اللحظة نفسها.
الصمت الجماعي.
ذلك الإحساس القديم بأنك لست وحدك وأنت تشاهد العالم يتحرك.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس فقط لماذا اختفت دور السينما.
السؤال الأهم هو ماذا فقدت الإسكندرية عندما اختفت.
لقد فقدت جزءًا من طقوسها الاجتماعية.
وفقدت بعض عمارتها الحديثة.
وفقدت خرائط من ذاكرتها الشعبية.
وفقدت أماكن كانت تجمع سكانها حول قصة واحدة.
والأخطر أنها تكاد تفقد الصلة المادية بين المدينة وتاريخها السينمائي.
قد يأتي يوم يعرف فيه طالب إسكندراني أن مدينته شهدت واحدًا من أقدم العروض السينمائية في العالم، لكنه لا يجد مكانًا يستطيع أن يذهب إليه ليرى أين بدأت الحكاية.
وهنا تصبح المعلومة التاريخية بلا جسد.
ربما حان الوقت لأن ننظر إلى دور السينما القديمة باعتبارها تراثًا حضريًا.
ليس المطلوب تحويل كل سينما قديمة إلى متحف.
قد يكون ذلك مستحيلًا.
لكن يمكن حفظ ما يمكن حفظه.
واجهة.
اسم.
صورة.
وثيقة.
مقاعد.
آلة عرض.
تذكرة قديمة.
ملصق.
شهادة من أحد أبناء المدينة.
خريطة.
فيلم قصير.
أو حتى لوحة صغيرة تقول:
هنا كانت سينما.
وهنا جلس الإسكندريون ذات يوم يشاهدون العالم يتحرك.
يمكن إنشاء مسار للسينما في الإسكندرية يبدأ من بورصة طوسون ومواقع البدايات ويمر بالأماكن التي ارتبطت بتاريخ العرض والتصوير وينتهي عند البحر.
يمكن أن يكون مسارًا ثقافيًا وسياحيًا.
ليس مجرد متحف.
مدينة كاملة تصبح متحفًا مفتوحًا للسينما.
وهذا أكثر إبداعًا من حبس تاريخ السينما داخل قاعة مغلقة.
الإسكندرية مدينة تعرف كيف تخفي قصصها.
تحت طبقات المباني توجد طبقات أخرى.
وتحت الشوارع توجد شوارع.
وتحت أسماء الأماكن ذاكرة أشخاص.
وفي بعض الأحيان يكفي أن نقف في شارع قديم ونسأل:
ماذا كان هنا؟
سنكتشف أننا لا نقف أمام مكان.
نقف أمام زمن.
وهكذا يجب أن ننظر إلى سينمات الإسكندرية القديمة.
لا باعتبارها مباني أغلقت أبوابها.
بل باعتبارها صناديق سوداء للذاكرة.
في داخل كل واحدة منها فيلم لم يعد موجودًا على الشاشة.
فيلم عن المدينة نفسها.
عن شبابها.
عن نسائها.
عن رجالها.
عن أحلامها.
عن خوفها.
عن حبها.
عن البحر الذي كان يخرج منه العالم ويدخل إليها.
في عام 1896 دخلت الصورة المتحركة الإسكندرية بعد شهور قليلة من ظهورها في باريس.
كان الفارق الزمني صغيرًا إلى درجة تقول شيئًا عميقًا عن المدينة.
الإسكندرية لم تكن في هامش الحداثة.
كانت داخلها.
ولذلك فإن المفارقة القاسية أن مدينة كانت من أوائل مدن العالم التي استقبلت السينما أصبحت اليوم مدينة تبحث عن بقايا دور العرض القديمة التي كانت يومًا جزءًا طبيعيًا من حياتها.
ربما ليست القضية أن نستعيد الماضي كما كان.
لا أحد يستطيع.
ولا ينبغي أن نفعل.
المدن الحية لا تعيش إلى الخلف.
لكن المدينة الذكية هي التي تعرف كيف تحمل ماضيها وهي تمشي إلى المستقبل.
والإسكندرية التي عرفت السينما منذ بداياتها الأولى تستحق أن تحفظ هذه الحكاية.
لأن أولئك الذين جلسوا في بورصة طوسون ذات مساء من عام 1896 لم يكونوا يشاهدون فيلمًا فقط.
كانوا يشاهدون المستقبل.
ولعلنا نحن الآن ونحن نقف أمام أبواب دور السينما التي اختفت نحتاج إلى أن نتذكر أن المدن لا تفقد ذاكرتها في اليوم الذي تهدم فيه مبانيها.
تبدأ في فقدانها يوم تتوقف عن رواية حكايات تلك المباني.
والإسكندرية ما زال لديها الكثير لترويه.
من أول ضوء خرج من جهاز لوميير إلى آخر ضوء انطفأ في سينما قديمة.
قرن كامل من الحكايات.
قرن من الحب والضحك والدموع والنجوم والبحر.
قرن كانت فيه الإسكندرية جالسة في الصف الأول.
تشاهد العالم،
والعالم يشاهدها.
|
هل لديك تعليق؟
|
الاسم : |
|
|
البريد الالكتروني : |
|
|
موضوع التعليق : |
|
|
التعليق : |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|