|
دراسات نقدية |
سردُ الذات ومفاوضة الحياة في مجموعة "حياة بالتقسيط" لسهى زكي
|
|
|
|
|
القاهرة 06 أكتوبر 2026 الساعة 09:35 ص

بقلم: حسن غريب أحمد
ليست «حياة بالتقسيط» مجرد مجموعة قصصية تضع أمام القارئ عددًا من الحكايات المتجاورة، وإنما هي، في تقديري، تجربة سردية تتخذ من الذات الإنسانية نقطة انطلاق، ومن الذاكرة مختبرًا، ومن الاعتراف وسيلة للكشف، ومن الحكاية أداة لإعادة ترتيب ما بعثرته الحياة.
صدرت المجموعة للكاتبة سهى زكي في طبعتها الأولى عام 2024، عن دار المحرر، وتحمل عنوانًا ينهض بوظيفة تتجاوز التسمية إلى أن يصبح مفتاحًا تأويليًا للنصوص كلها. حياة بالتقسيط .
وتتأكد أهمية قراءة المجموعة في ضوء المسار الإبداعي لصاحبتها؛ فهي صاحبة تجربة ممتدة في القصة والرواية والبورتريه الأدبي، فضلًا عن عملها الصحفي رئيسةً للقسم الثقافي بجريدة الجمهورية، ونشرها في عدد من الدوريات والمجلات الأدبية المعروفة.
وقد بدأت تجربتها المنشورة ــ وفق سيرتها الذاتية ــ بالمجموعة المشتركة «بوح الأرصفة» عام 2004، ثم «كان عندي طير» عام 2008، ورواية «جروح الأصابع الطويلة» عام 2009، وكتاب «الساحرة الشريرة»، ثم رواية «فاطمة – كفر الشيخ – عابدين» عام 2010، ومجموعة «وجع الأغاني» عام 2014، ورواية «سنين ومرت» عام 2015، و«أسياد الوحدة»، ثم رواية «سكن الروح» عام 2023، ومجموعة «إعادة تدوير الشجن» في العام نفسه، وصولًا إلى «حياة بالتقسيط«.
ومن اللافت أن عناوين هذه التجربة نفسها تحمل حقولًا دلالية متجاورة: البوح، والوجع، والوحدة، والشجن، والروح، ثم الحياة؛ الأمر الذي يسمح بقراءة «حياة بالتقسيط» باعتبارها مرحلة متقدمة في مشروع تتبلور فيه الذات تدريجيًا، لا باعتبارها نصًا منفصلًا عن سياقه الإبداعي.
حين تصبح الحياة نفسها دينًا مؤجلًا:
العنوان هو أول ما يستوقف القارئ، وربما كان أكثر عناصر المجموعة قدرة على اختزال عالمها.
فـ«التقسيط» مصطلح اقتصادي في ظاهره، لكنه يتحول داخل المجموعة إلى استعارة وجودية.
فالإنسان لا يدفع ثمن حياته دفعة واحدة؛ وإنما يدفعه على مراحل: قسطًا من الحب، وقسطًا من الحرية، وقسطًا من المسؤولية، وقسطًا من الخوف، وقسطًا من الفقد، وقسطًا من العمر.
وفي النص الذي يحمل عنوان المجموعة، تبدأ الراوية من سؤال الحرية، وتستعيد تصورها القديم لها باعتبارها انفلاتًا من الرقابة والمسؤولية، ثم تكشف التجربة الزوجية والأسرية والمرض والموت عن معنى مختلف للحرية.
وتنتهي رحلة الزوج بالوفاة، لكن الحياة لا تنتهي؛ بل «تستمر بالتقسيط»، وتكتشف الراوية أن الحرية ليست رفاهية لإهدار الوقت والإمكانات، وإنما مسؤولية وحدود واختيار.
وهنا تتجاوز الكاتبة المعنى المباشر للعنوان إلى معناه الفلسفي:
نحن لا نمتلك الحياة كاملة، بل نتلقاها مرحلةً بعد مرحلة، وندفع مقابل كل مرحلة جزءًا من ذواتنا.
ومن ثم يصبح العنوان بنيةً عميقة تحتية لا مجرد اسم لنص واحد.
-
الذات بين السيرة والتخييل؛
تفرض المجموعة على القارئ سؤالًا شديد الحساسية: إلى أي مدى تكتب سهى زكي حياتها الخاصة؟
ثمة حضور قوي للـ«أنا»، وثمة تفاصيل شخصية، وذكريات، وعلاقات، ومواقف تتخذ من السيرة مادة واضحة لها.
بل إن بعض النصوص تجعل الكتابة نفسها موضوعًا للسرد، فتشير الراوية إلى أعمال للكاتبة مثل «جروح الأصابع الطويلة» و«فاطمة» و«سنين ومرت» بوصفها متصلة بتجارب حياتية عاشتها.
لكن النقد لا ينبغي أن يتحول إلى عملية مطابقة بين المؤلفة والراوية.
فالكاتب قد يستخدم حياته، لكنه حين يضعها داخل النص فإنه يعيد اختيارها وترتيبها وحذفها وإعادة تخييلها.
وهنا يمكن الإفادة من مفهوم فيليب لوجون عن «الميثاق السير ذاتي»، مع ضرورة الانتباه إلى أن «حياة بالتقسيط» ليست سيرة ذاتية بالمعنى التجنيسي الصارم، بل تتحرك في منطقة وسطى بين السيرة، والاعتراف، والقصة، والتخييل الذاتي.
إنها لا تقول للقارئ ببساطة:
هذه حياتي.
بل تفعل شيئًا أكثر أدبية: هذه حياتي كما أعاد السرد تشكيلها.
وهذه المسافة هي التي تمنح التجربة مشروعيتها الفنية.
الضمير الأول حاضر بقوة، لكنه ليس مجرد أداة نحوية.
فالـ«أنا» في المجموعة تتبدل باستمرار: طفلة، ابنة، عاشقة، زوجة، أم، امرأة وحيدة، صحفية، كاتبة، وصاحبة ذاكرة لا تهدأ.
ولهذا يمكن النظر إلى الذات هنا باعتبارها شخصية سردية متحولة.
في «بدون فلتر»، مثلًا، لا تكتفي الراوية بوصف ملامحها، وإنما تجعل الوجه سجلًا للسنوات التي مرت، وللألم الذي ترك أثره على الجسد.
وتظهر الذات في مواجهة مباشرة مع صورتها، وكأنها تقرأ تاريخها في ملامحها.
وهنا تتحول العلاقة بين الجسد والذاكرة إلى علاقة نصية:
الجسد يصبح صفحة، والعمر يصبح كتابة، والوجه يصبح أرشيفًا للخبرة.
وهذا من أجمل مستويات المجموعة؛ لأن الكاتبة لا تشرح الألم فقط، بل تبحث عن علاماته المادية.
الذاكرة ليست ماضيًا.. إنها حاضر آخر
تقوم الذاكرة في المجموعة بوظيفة تتجاوز الاسترجاع.
إنها ليست صندوقًا تُخرج منه الكاتبة صور الطفولة، وإنما قوة تعيد تفسير الحاضر.
في استعادة الطفولة، والأم، والشارع، والألعاب، والأصدقاء، نجد أن الماضي يعود لكي يفسر اختيارات الحاضر.
في نص «عمر عيني ما دمعت إلا على كل شيء غالي» تستعيد الراوية تفاصيل طفولتها، ومن بينها حكاية الطفل وحيد الذي كان يأخذ عروستها القماشية، ثم مات وهو يلعب بالنار.
ولا تستعيد الواقعة باعتبارها ذكرى عابرة، وإنما تستخلص منها معنى أخلاقيًا عن عدم التشبث بما قد يحرم الآخر منه.
وهنا تتجلى إحدى آليات الكتابة المهمة لدى سهى زكي:
التفصيل الصغير لا يبقى تفصيلًا؛ بل يتحول إلى مفتاح لفهم الشخصية.
الطفولة بوصفها الأصل البعيد للذات
الطفولة حاضرة في المجموعة باعتبارها زمنًا تأسيسيًا.
فالأم، والتدليل، والشارع، واللعب، والمواقف الأولى، كلها تشكل ما ستصبح عليه المرأة لاحقًا.
وهذا واضح في الطريقة التي تستعيد بها الراوية أثر التربية والتدليل في تكوين شخصيتها، ثم تكتشف في مراحل لاحقة من حياتها أن الحرية التي أرادتها في الصغر ستصبح مسؤولية حين تكبر.
ومن هنا يمكن القول إن:
الطفولة في «حياة بالتقسيط» ليست ماضي الشخصية، وإنما بدايتها النفسية.
المرأة.. من موضوع للسرد إلى ذات منتجة للمعنى
لا تكتب سهى زكي المرأة بوصفها ضحية مستمرة.
وهذه نقطة تحسب للمجموعة.
فالمرأة عندها قد تخطئ، وتحب، وتشتهي، وتندم، وتغامر، وتتحمل نتائج اختياراتها.
في «إلى أين تذهبين؟» تتشابك الرغبة مع الحب والخديعة والحمل والأسرة والضغط الاجتماعي، ويصبح الجسد الأنثوي مجالًا تتقاطع فوقه رغبات الفرد مع أحكام المجتمع.
والأهم أن الكاتبة لا تقدم شخصية المرأة في صورة مثالية مصطنعة، وإنما تسمح لها بأن تكون ناقصة ومتناقضة وقابلة للخطأ.
وهذا يجعلها أكثر إنسانية وأقل اقترابًا من الخطاب الدعائي.
تتجاوز الأمومة في المجموعة وظيفتها الاجتماعية لتصبح اختبارًا للذات.
ففي إحدى الحكايات تعيش المرأة أمومتها في السر، وتظل تربي ابنها الذي لا يعرف أنها أمه، ثم تتحمل نفقاته وتجعله مركز حياتها.
هنا يصبح «التقسيط» أكثر قسوة:
الأمومة تُدفع من العمر والمال والحرية، لكنها تُدفع أيضًا من الصمت.
فالمرأة لا تدفع ثمن الإنجاب وحده، وإنما تدفع ثمن إخفائه، وثمن نظرة المجتمع، وثمن استمرار العلاقة في ظروف غير طبيعية.
وهذه الحكايات تكشف عن قدرة الكاتبة على تحويل القضية الاجتماعية إلى مأزق إنساني بدلًا من تقديمها في صورة خطاب مباشر.
"القنفذ".. حين يصنع الضعف أسلحته
من النصوص التي تبرز فيها الطاقة الرمزية «القنفذ».
تبدأ القصة من موقف اجتماعي عدائي، حيث تشعر المرأة بأنها محاصرة بنظرات الآخرين، ثم ينفتح السرد على الرمز الحيواني.
القنفذ هنا ليس مجرد عنصر غرائبي.
إنه صورة للذات التي تحمي هشاشتها بالأشواك.
وهذا يتيح قراءة القصة في إطار أوسع: حين تعجز الذات عن تغيير العالم الخارجي، فإنها تصنع حدودًا دفاعية حول نفسها.
واللافت أن الرمز لا يأتي من خارج التجربة، وإنما ينبثق منها؛ ولذلك يظل محتفظًا بوظيفته السردية.
من العناوين المفتاحية في المجموعة «قدسية الحزن«. والحزن عند سهى زكي ليس حالة ينبغي التخلص منها سريعًا، وإنما تجربة يجب المرور بها وفهمها.
إنها تمنح الألم شرعيته، وتتعامل مع البكاء بوصفه طاقة تطهيرية، لا علامة ضعف.
وهنا يقترب الحزن من مفهوم المعرفة الوجدانية:
فالإنسان لا يعرف نفسه فقط عندما ينتصر، بل ربما يعرفها بصورة أكثر عمقًا عندما يفقد.
ولهذا يصبح السرد نفسه وسيلة لاستيعاب الفقد.
الكتابة لا تمحو الحزن؛ لكنها تمنحه شكلًا يمكن احتماله.
الحلم.. ما لا تستطيع اليقظة قوله
الحلم تقنية بارزة في المجموعة، منذ النصوص التي تحمل صيغة «من وحي حلم» وصولًا إلى «عالمات الدنيا الأخرى» وغيرها.
وفي «من وحي حلم» تتداخل مشاهد الحرب والثورة والخوف والحب، وينتقل السرد بين الأمكنة والمواقف كما لو أن الكاميرا نفسها جزء من الحلم.
والحلم هنا ليس نبوءة بالضرورة.
إنه جهاز لكشف اللاوعي.
فالذات تقول في الحلم ما قد تعجز عن قوله في الواقع؛ ولذلك يصبح الحلم وسيطًا بين الرغبة والخوف.
أما في «قرأت فنجاني» فإن البحث عن المستقبل يتحول إلى لعبة بين الوهم والرغبة والتفسير، حيث تمنح الذات العلامات معنى لأنها تريد أن تصدق أنها قادرة على معرفة ما ينتظرها.
العجائبي.. حين يصبح الخيال امتدادًا للواقع
لا تنتمي المجموعة إلى الواقعية التقليدية الخالصة.
ففيها أحلام وأشباح ورموز وحيوانات ومشاهد تتجاوز منطق الواقع.
لكن العجائبي عند سهى زكي لا يبني عالمًا فانتازيًا مستقلًا، وإنما يخرج غالبًا من داخل الوعي.
ولهذا يمكن القول:
العجائبي في «حياة بالتقسيط» ليس عالمًا آخر؛ إنه طريقة أخرى لرؤية هذا العالم.
فالواقع القاسي يحتاج أحيانًا إلى الخيال لكي يكشف حقيقته.
الدين.. من الانتماء إلى القيمة الإنسانية
في «أولاد ربنا» تدخل المجموعة إلى منطقة شديدة الحساسية: علاقة الذات بالدين والروح.
تقدم الراوية ما تسميه «قصتي الأخرى» أو «نصفي المسيحي»، وتتحدث عن علاقتها بالمسيح والعذراء ومحمد، وعن صلاتها في الكنيسة والجامع، واستماعها إلى القرآن والترانيم.
وهنا يتحول الدين من هوية اجتماعية إلى خبرة روحية وأخلاقية.
السؤال الذي يطرحه النص ضمنيًا ليس:
إلى أي دين تنتمي؟
بل:
ماذا تصنع العبادة في أخلاق الإنسان؟
وهذا من المناطق التي تمنح المجموعة اتساعًا إنسانيًا، وإن كانت بعض المقاطع تميل إلى التقرير الفكري المباشر، وكان يمكن فنيًا أن تترك مساحة أكبر للمشهد والرمز والشخصية بدل شرح الفكرة.
-
السخرية.. مقاومة الانهيار
لا تسمح سهى زكي للحزن أن يتحول دائمًا إلى بكائية.
فالسخرية تتدخل باستمرار، لا باعتبارها فكاهة مجانية، وإنما باعتبارها وسيلة دفاع نفسي وفني.
فالذات الساخرة ترفض أن تستسلم تمامًا لما يؤلمها.
ومن هنا يأتي التذبذب الجميل بين الحزن والضحك، وبين الجدية والمفارقة.
إن السخرية في المجموعة ليست ضد الألم، وإنما طريقة أخرى لاحتماله.
من القصة إلى المونولوج إلى البورتريه
من الناحية الشكلية، يصعب إخضاع المجموعة كلها لقواعد القصة القصيرة التقليدية.
فالفهرس نفسه يكشف تنوعًا لافتًا في عناوين النصوص، من «مناجاة من وحي الفزع»، و«من وحي حلم»، و«من وحي فيلم ساعة ونصف»، إلى «حياة بالتقسيط»، و«بدون فلتر»، و«القنفذ»، و«قدسية الحزن»، و«أولاد ربنا»، و«الوديعة»، و«قرأت فنجاني»، ثم «نقاط وورود وأسود وحيتان».
وهذا التنوع ليس عشوائيًا.
إنه امتداد طبيعي لمسيرة صاحبة المجموعة التي مارست القصة والرواية والبورتريه والصحافة.
ولهذا يمكن وصف الكتاب بأنه مجموعة سردية متعددة الأشكال، تتجاور فيها القصة القصيرة مع الاعتراف والمونولوج والحلم والنص التأملي والمشهد العجائبي.
ومن منظور باختين، يمكن قراءة هذا التداخل بوصفه شكلًا من تجاور الخطابات والأصوات؛ فاللغة الصحفية والحوار اليومي واللغة الأدبية والتأمل الذاتي لا تعيش منفصلة، بل تتجاور داخل النسيج نفسه.
*الصحافة وأثرها في تشكيل السرد:
من المهم ألا نغفل خبرة سهى زكي الصحفية.
فالعمل في القسم الثقافي بجريدة الجمهورية، والنشر في دوريات مثل أخبار الأدب، والثقافة الجديدة، وأدب ونقد، والمساء الأدبي، والجمهورية، والأهرام المسائي وغيرها، يوفر للكاتبة خبرة طويلة في مراقبة الشخصيات والتقاط التفاصيل.
ولذلك تبدو بعض نصوص «حياة بالتقسيط» شديدة القرب من عين الصحفي التي تلتقط المشهد قبل أن تحوله إلى معنى.
وهنا تتقاطع الصحافة مع السرد دون أن تبتلع إحداهما الأخرى.
فالصحافة تمنح الكاتبة حساسية التفاصيل، بينما تمنحها القصة فرصة إعادة تأويل التفاصيل.
"نقاط وورود وأسود وحيتان".. من الخاص إلى العام
يبلغ الكتاب في نصه الأخير تقريبًا درجة واضحة من الانفتاح على المجتمع والعالم الرقمي.
فالراوية تنتقل من أوجاعها الخاصة إلى مراقبة عالم «السوشيال ميديا»، وما فيه من استجداء إلكتروني، واستعراض، وتعاطف افتراضي، وأزمات اقتصادية وأسرية.
وهنا تظهر المفارقة:
هناك حياة حقيقية مثقلة بالأقساط، وفي المقابل حياة افتراضية تختصر التضامن في «نقاط وورود وأسود وحيتان«
وهذا النص يفتح المجموعة على سؤال معاصر:
هل أصبحت المأساة نفسها قابلة للاستهلاك الرقمي؟
إن الإنسان الذي يتألم في الواقع يحتاج إلى المال والعلاج والعمل والأمان، بينما قد يحصل في العالم الافتراضي على إعجاب أو وردة إلكترونية.
وهنا تتحول الكاتبة من مراقبة الذات إلى نقد آليات التعاطف في العصر الرقمي.
فلسطين والمأساة العامة.. اتساع دائرة الذات
حين تدخل الحرب والمآسي العامة إلى النص، لا تتخلى الكاتبة عن مركزها الإنساني.
فالذات التي كانت منشغلة بأقساطها ومسؤولياتها، تجد نفسها أمام عالم أكثر اتساعًا من أوجاعها الشخصية.
وهنا تكتشف الكتابة أن الألم الخاص ليس منفصلًا تمامًا عن الألم العام.
وهذا الانتقال من أنا الذات إلى نحن الجماعة يمنح المجموعة بعدًا اجتماعيًا يتجاوز الاعتراف الشخصي.
اللغة.. بين حرارة الاعتراف واقتصاد القصة
لغة سهى زكي واحدة من أكثر عناصر التجربة وضوحًا.
إنها تتحرك بين: الفصحى، والعامية، والحوار، والاعتراف، والصورة الشعرية، والسخرية، والتأمل.
والعامية، خصوصًا، لا تأتي باعتبارها مجرد خروج من الفصحى، وإنما تؤدي وظيفة في تحديد صوت الشخصية والبيئة.
أما اللغة الشعرية فتظهر في بعض المقاطع التي تنقل المشهد من الوصف إلى الإيحاء.
لكن المجموعة تكشف في الوقت نفسه عن تفاوت في درجة التكثيف.
فبعض النصوص تترك للقارئ مساحة كبيرة للتأويل، بينما يميل بعضها الآخر إلى شرح الفكرة بعد أن يكون السرد قد أوصلها بالفعل.
ومن هنا تأتي الملاحظة النقدية الأساسية:
كلما وثقت الكاتبة بالصورة والحكاية، ازدادت قوة النص؛ وكلما شرحت ما ينبغي للقارئ أن يستنتجه، ضاقت مساحة التأويل.
وهذه ليست ملاحظة سلبية على المشروع كله، وإنما إشارة إلى منطقة يمكن أن يذهب فيها السرد إلى مزيد من الاقتصاد والعمق.
*من «إعادة تدوير الشجن» إلى «تقسيط الحياة«:
يمكن قراءة «حياة بالتقسيط» في ضوء عنوان العمل السابق «إعادة تدوير الشجن».
إذا كان «إعادة تدوير الشجن» يوحي بإعادة إنتاج الحزن ومنحه دورة جديدة داخل الكتابة، فإن «حياة بالتقسيط» تذهب إلى ما هو أبعد:
من أين جاء هذا الشجن أصلًا؟
إنها تعود إلى الحياة التي أنتجته.
الحب، الزواج، الأمومة، الفقد، المرض، الوحدة، المسؤولية، الذاكرة، المجتمع، الدين، الحلم، والواقع الرقمي؛ كلها تدخل في عملية واحدة هي تفكيك الحياة إلى أقساط سردية.
وهنا تصبح الكتابة نوعًا من إعادة الحساب:
ماذا أخذت الحياة؟
وماذا تركت؟
وماذا بقي للذات؟
والإجابة ليست حسابًا ماليًا، وإنما رصيدًا من الخبرة.
-
ملاحظات نقدية على البناء الفني:
الإنصاف النقدي يقتضي ألا تتحول الدراسة إلى مديح.
وأبرز ما يمكن تسجيله على المجموعة أن بعض النصوص كان يمكن أن تستفيد من تكثيف أكبر، ومن تقليل المساحات التفسيرية المباشرة.
كما أن التنوع الشديد في الأشكال يمنح الكتاب حيوية، لكنه يؤدي أحيانًا إلى تفاوت في مستويات البناء القصصي؛ فليست كل النصوص محكومة بالقدر نفسه من الصرامة الفنية.
غير أن هذا التفاوت لا يلغي حقيقة مهمة: المجموعة تمتلك صوتًا واضحًا.
وهذا أمر بالغ الأهمية في الكتابة.
فالصوت الخاص لا يعني أن كل نص بلغ الدرجة نفسها من النضج، لكنه يعني أن القارئ يستطيع أن يتعرف إلى صاحبته من طريقة النظر إلى العالم.
وفي «حياة بالتقسيط» توجد هذه البصمة بوضوح.
وفي نهاية رؤيتي النقدية أقول:
حين يصبح السرد طريقة لاسترداد الحياة
في النهاية، لا تبدو «حياة بالتقسيط» مجموعة عن الأقساط بالمعنى المالي، بل عن الثمن الذي يدفعه الإنسان لكي يصبح هو نفسه.
نحن ندفع من حريتنا كي نحصل على المسؤولية.
وندفع من طفولتنا كي نحصل على النضج.
وندفع من قلوبنا كي نعرف معنى الحب.
وندفع من أحبائنا كي نعرف معنى الفقد.
وندفع من أجسادنا كي نعرف معنى الزمن.
ثم ندفع من ذاكرتنا كي نستطيع أن نحكي.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
الكتابة نفسها تصبح محاولة لاسترداد ما دفعته الحياة.
ما كان ألمًا يتحول إلى حكاية.
وما كان سرًا يتحول إلى اعتراف.
وما كان حلمًا يتحول إلى سرد.
وما كان فقدًا يتحول إلى ذاكرة.
وما كان شجنًا يتحول إلى معرفة.
لهذا فإن القيمة الأعمق في «حياة بالتقسيط» لا تكمن في كونها تسرد حياة امرأة فحسب، وإنما في أنها تجعل من التجربة الفردية مرآة لأسئلة إنسانية أوسع: الحرية، والمسؤولية، والذاكرة، والحب، والأمومة، والوحدة، والموت، والدين، والمرأة، والواقع الرقمي، وعلاقة الإنسان بماضيه.
إنها كتابة لا تزعم أنها امتلكت الحياة، بل تعترف بأنها تحاول فهمها.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق لعنوان المجموعة:
أن الإنسان لا يعيش حياته دفعة واحدة، وإنما يتعلمها قسطًا بعد قسط، ويخسرها قسطًا بعد قسط، ثم يعيد امتلاكها بالكلمات.
1-سهى زكي: حياة بالتقسيط، دار المحرر، الطبعة الأولى، 2024م.
2-فيليب لوجون: السيرة الذاتية: الميثاق والتاريخ، ترجمة عمر حلي، المركز الثقافي العربي.
3-جيرار جنيت: خطاب الحكاية: بحث في المنهج، ترجمة محمد معتصم وآخرين، المجلس الأعلى للثقافة.
4-ميخائيل باختين: الخطاب الروائي، ترجمة محمد برادة، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع.
5-بول ريكور: الزمان والسرد، ترجمة سعيد الغانمي، دار الكتاب الجديد المتحدة.
المرجع الأول هو المصدر المباشر للنصوص محل التحليل؛ أما المراجع النظرية الأربعة فوظيفتها إسناد المفاهيم النقدية المتعلقة بالسيرة والاعتراف والزمن والذاكرة وتعدد الخطابات، لا فرض قوالب نظرية جاهزة على تجربة سهى زكي.
|
هل لديك تعليق؟
|
الاسم : |
|
|
البريد الالكتروني : |
|
|
موضوع التعليق : |
|
|
التعليق : |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|