|
خواطر و اراء |
الغرباء الذين أضاؤوا لنا الطريق: في مديح معجزة الأدب الهادئة
|
|
|
|
|
القاهرة 30 يونيو 2026 الساعة 11:26 ص

إيناس محمد عتمان
يسير كلٌّ منا في هذه الحياة وهو يحمل حقيبة ثقيلة من الارتباكات الصغيرة. ندخل غرفنا المغلقة، فنشعر بخوف لا مبرر له، أو بضجر قاتل من الواجبات الاجتماعية، أو بجوع غامض لمعنى لا نعرف كيف نسميه.
في تلك اللحظات بالذات، يهمس لنا وسواس داخلي: "أنت وحدك. لا أحد يمر بما تمر به. أنت غريب الأطوار".هذا الظن بأن انكسارنا الداخلي حالة نادرة هو السجن الأول للإنسان.
ثم يحدث شيء عابر يغير كل شيء. نفتح كتابًا عتيقًا، كُتب في قرن مضى، خلف بحار بعيدة، لروائي عاش معزولًا أو شاعر مات وحيدًا. نمر بأعيننا فوق السطور، وفجأة، نرتطم بجملة. جملة واحدة فقط، تصف بدقة متناهية ذلك الخوف الدقيق الذي شعرنا به البارحة، أو تلك الحيرة التي عجزنا عن شرحها لأقرب الناس إلينا.
حين كتب فيودور دوستويفسكي في روايته "الجريمة والعقاب": "إننا أحيانًا نلتقي بأشخاص لا نعرفهم البتة، ومع ذلك نبدأ نهتم بهم من أول نظرة، قبل أن نبادلهم كلمة واحدة"، لم يكن يحلل شخصية "راسكولنيكوف" فحسب، بل كان يشرّح تلك الألفة الغامضة التي نمر بها جميعًا في الحافلات والمقاهي، والوجل الذي نشعر به تجاه الغرباء.
وفي قارة أخرى، وفوق أرض وعرة، كان فرانتس كافكا يكتب رسائله التي تبدو كأنها كُتبت الليلة؛ حين قال في رسالة إلى ميلينا: "أنا مليء بالدموع، كأنني إناء فاض به الماء". هذه الجملة البسيطة تمنح شرعية لكل أولئك الذين يبكون اليوم دون سبب واضح، والذين يجدون في تعقيد الحياة ثقلًا لا ترفعه الكلمات التعليمية، بل يرفعه هذا التضامن الإنساني العابر للزمن.
في تلك الثواني الفاصلة، تحدث معجزة الأدب الهادئة. تسقط جدران الزمن والمكان. يمد ذلك الكاتب الراحل يده عبر العقود ليطبطب على كتفك..
الأدب هنا لا يقدم لك حلولًا، ولا يمنحك وصفة طبية لشفاء الحزن، ولكنه يفعل ما هو أعمق: يمنح حيرتك "نسبًا أوسع". يخبرك أنك لست أول من تاه في هذا الطريق، ولن تكون الأخير.
حتى في أدبنا العربي، حين كان أبو حيان التوحيدي يصرخ قبل ألف عام في كتابه "الإشارات الإلهية": "يا هذا، أنت غريب في معناك.. وغريب في بؤسك"، كان يؤسس لمفهوم طالما ظنناه وليد القرن العشرين؛ مفهوم الاغتراب الوجودي وضياع الهوية.
إن القيمة الكبرى للأدب لا تكمن في بلاغته، بل في قدرته العجيبة على تحويل الوحدة إلى صلة. إنه يحوّل غربتك الشخصية إلى ميراث بشري مشترك. تكتشف مع فرناندو بيسوا في "كتاب القلق" أن قلقك ليس عيبًا في ذاتك، بل هو ضريبة الوعي. وتكتشف أن "مشاعرك الصغيرة" هي في الواقع خيوط غير مرئية تربطك بالبشرية جمعاء، منذ فجر التاريخ وحتى هذه اللحظة.
الكتب ليست حبرًا على ورق؛ إنها أضواء صغيرة تركها الراحلون على جدران الطريق المظلم، لكي لا نشعر بالذعر ونحن نعبر الصراط نفسه.
|
هل لديك تعليق؟
|
الاسم : |
|
|
البريد الالكتروني : |
|
|
موضوع التعليق : |
|
|
التعليق : |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|