|
القاهرة 27 أكتوبر 2026 الساعة 09:58 ص

بقلم: د. نبيل بهاء الدين
لم تكن المهن القديمة في مصر مجرّد وسائل لكسب العيش، ولم تكن الورش الصغيرة التي توزّعت على حارات المدن وقراها أماكن لصناعة الأشياء وإصلاحها فحسب؛ بل كانت، في جوهرها، عوالم صغيرة لإنتاج المعرفة وتداولها، وحفظ الخبرة الإنسانية، ونقل طرائق العيش من جيل إلى آخر. ففي يد الحرفي كانت تجتمع المهارة بالتجربة، وفي صوته كانت تختزن أسماء الأدوات وأسرار العمل، وفي ذاكرته كانت تستقر حكايات المهنة وأمثالها وعاداتها. وحين كانت ورشته تغلق أبوابها إلى الأبد، لم يكن المجتمع يخسر مصدرًا للرزق وحده، بل كان يفقد، أحيانًا، جزءًا من ذاكرته الثقافية التي لا تُدوَّن كلها في الكتب.
ولعلّ ما يستحق التأمل في اختفاء بعض المهن القديمة ليس تغيّر أدوات الإنتاج وحده، وإنما ما يصاحب هذا التغيّر من انحسار أنماط كاملة من المعرفة الإنسانية. فلكل مهنة لغتها الخاصة، وطرائقها في تقدير الأشياء، ومعاييرها في إتقان العمل، وعلاقتها بالمكان والناس. وكان الصبي الذي يتعلّم حرفةً على يد أستاذه يتلقّى، إلى جانب أسرار الصنعة، درسًا طويلًا في الصبر والملاحظة والانضباط؛ يتعلّم كيف يميّز الخلل من النظرة الأولى، وكيف يعرف جودة المادة بلمسها أو صوتها، وكيف يكتسب خبرةً لا تمنحها القراءة وحدها، وإنما تنمو بالممارسة والتكرار والاحتكاك بأخطاء العمل ونجاحاته.
ومن هنا، فإن الحديث عن المهن التي اختفت أو تراجعت في مصر لا ينبغي أن يتحوّل إلى مرثية للماضي، ولا إلى إدانة للتطور الذي غيّر حياة الناس. فبعض المهن فقد وظيفته بعدما ظهرت بدائل أكثر كفاءة، وبعضها تراجع لأن منتجاته لم تعد تلائم أنماط الاستهلاك الحديثة، وبعضها الآخر لا يزال قائمًا، لكنه يعاني ضعف الإقبال أو صعوبة انتقال الخبرة إلى الأجيال الجديدة. والسؤال الأهم ليس كيف نعيد الماضي كما كان، وإنما ما الذي يستحق أن نحفظه من المعرفة والثقافة اللتين حملهما ذلك الماضي؟
-
السقّاء.. حين كانت المياه تصنع مهنةً ونظامًا اجتماعيًّا
كان السقّاء واحدًا من الوجوه المألوفة في حياة المدن المصرية قبل انتشار شبكات المياه إلى المنازل. يحمل قربته أو ينقل الماء بوسائل مناسبة، ويطوف على البيوت لتلبية احتياجات أهلها. ولم تكن وظيفته مجرّد نقل الماء من موضع إلى آخر؛ فقد ارتبطت بها طرائق في تنظيم الخدمة وحساب المقابل المستحق، وعلاقات يومية بين السقّاء وسكان الحي.
وتذكر بوابة محافظة القاهرة أن من الأساليب التي استُخدمت في حساب أجرة السقّاء إعطاء أصحاب المنازل علامات، من حصوات مشغولة أو خرز، تقابل عدد مرات ملء أوعية الماء. كانت هذه العلامات وسيلة عملية لضبط الحساب قبل أن تصبح الفواتير والعدادات جزءًا من الحياة اليومية. كما أخذت المهنة في التراجع مع إنشاء شبكات المياه الحديثة واتساع نطاق تغطيتها للمنازل.
وإذا تأملنا هذه التفاصيل، أدركنا أن المهن البسيطة قد تحمل وراءها معرفة تنظيمية لا تقل أهمية عن مهارات العمل نفسها؛ معرفة نشأت استجابةً لحاجة المجتمع، ثم تطورت مع تغير وسائله. فالسقّاء لم يكن ناقلًا للماء فحسب، بل كان جزءًا من نظام محلي للخدمة والثقة والحساب، اختفى تدريجيًّا حين تغيّرت البنية التي جعلت وجوده ضروريًّا.
إن اختفاء هذه المهنة يذكّرنا بأن التكنولوجيا لا تغيّر الأدوات وحدها، بل تعيد تشكيل العلاقات التي نشأت حولها. وحين تصل المياه إلى المنزل عبر شبكة حديثة، تختفي الحاجة إلى السقّاء، ومعها تختفي تفاصيل من الحياة اليومية كانت مألوفة للأجيال السابقة، ولا يعرفها كثير من أبناء الأجيال الجديدة إلا من خلال الصور والحكايات.
-
مبيّض النحاس.. صنعة تحرسها اليد والأغنية
ومن المهن التي تكشف عن تداخل المعرفة العملية بالحياة الثقافية مهنة مبيّض النحاس. فقد ارتبطت هذه الحرفة بتنظيف الأواني النحاسية وتجديد سطحها، وكانت تتطلب معرفة بطبيعة المعدن ووسائل التعامل معه، فضلًا عن جهد بدني ومهارة اكتسبها أصحابها بالممارسة.
وتصف بوابة محافظة القاهرة مشهدًا كان يتكرر في بعض القرى، حين يمرّ مبيّض النحاس في يوم معلوم، فيجتمع الأهالي بأوانيهم، ويبدأ عمله مستخدمًا أدواته ومواد التنظيف، مردّدًا الأغاني والمواويل أثناء أداء مهمته. ولم تكن هذه الأغاني، في هذا السياق، إضافةً عارضة إلى العمل؛ فقد كانت جزءًا من المشهد الاجتماعي الذي جمع الحرفي بأبناء القرية، وأضفى على الممارسة اليومية إيقاعًا وصوتًا وألفة.
إننا، حين نتخيّل هذا المشهد، لا نتذكّر طريقة تنظيف المعدن فحسب، بل نتذكّر أيضًا علاقة العمل بالصوت، والحرفة بالجماعة، والمهارة بالموروث الشفهي. فالأغنية التي كانت ترافق اليد أثناء العمل تنتمي إلى ثقافة الحياة اليومية، مثلما تنتمي الأمثال المتداولة بين أصحاب الحرف إلى خبرة طويلة صيغت في عبارات موجزة.
ومع انتشار أوانٍ ومواد بديلة، تراجع الطلب على بعض أعمال هذه الحرفة. لكن الخسارة الثقافية المحتملة لا تقتصر على تراجع منتج نحاسي أو اختفاء خدمة منزلية؛ إنها تشمل أيضًا انحسار البيئة التي كانت تسمح بتناقل المواويل والمفردات المهنية والخبرات من خلال الممارسة المباشرة.
وهنا تظهر قيمة التوثيق الثقافي؛ فالصورة تسجّل هيئة الحرفي وأدواته، والتسجيل الصوتي يحفظ نبرة صوته وما يقوله، والمقابلة معه تكشف ما لا تستطيع الصورة وحدها إظهاره: كيف تعلّم المهنة، وكيف يختار أدواته، وكيف يميّز بين المادة الجيدة والرديئة، وما الذي كان يفعله حين يعترضه عيب في قطعة يعمل عليها.
-
صانع السلال.. معرفة تنبت من البيئة
وفي الريف المصري، نشأت حرف ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالبيئة المحلية، ومنها صناعة السلال والمنتجات المصنوعة من الخوص وجريد النخيل. وقد مكّنت هذه الخامات الطبيعية الحرفيين من صناعة أقفاص وسلال ومقاعد وأدوات منزلية، مستفيدين من خصائص المادة المتاحة وما تسمح به من تشكيل.
ولا تكمن قيمة هذه الحرفة في المنتج النهائي وحده، بل في المعرفة التي تسبق إنتاجه. فالحرفي يحتاج إلى فهم الخامة ودرجة مرونتها، وإلى تقدير طريقة تجهيزها والتعامل معها، ثم إلى اختيار أسلوب التضفير أو النسج الذي يمنح القطعة شكلها وقدرتها على أداء وظيفتها. وهذه معرفة عملية لا تنفصل عن البيئة التي نشأت فيها، ولا عن التجارب المتراكمة التي طوّرت أساليب العمل عبر السنين.
وتشير بوابة محافظة القاهرة إلى أن حرفة صناعة السلال ما زالت موجودة في بعض المناطق الريفية، لكنها تواجه صعوبات تتصل بتراجع الإقبال على منتجاتها. وهذه المعلومة مهمة؛ لأنها تبيّن أن الحديث عن اختفاء المهن القديمة لا يعني أنها جميعًا اندثرت، بل إن بعضها يعيش مرحلة من الانكماش، وبعضها الآخر يحاول التكيّف مع الأسواق الجديدة.
وحين تحل المنتجات الصناعية محل المنتجات اليدوية، قد يكون التحول مفهومًا من الناحية الاقتصادية؛ فقد تكون البدائل أرخص أو أسرع إنتاجًا أو أكثر ملاءمةً لبعض الاستخدامات. غير أن المقارنة بين المنتجين لا ينبغي أن تقتصر على السعر وسرعة التصنيع؛ فالمنتج اليدوي قد يحمل أيضًا قيمة جمالية، وخبرةً متوارثة، وصلةً بخامات البيئة المحلية، ومعرفةً يمكن أن تضيع إن انقطعت الممارسة.
ولا يعني ذلك أن علينا رفض المنتجات الحديثة أو مطالبة الناس بالعودة إلى أنماط استهلاك قديمة. بل يعني أن نبحث عن سبل تجعل الحرفة قادرة على الاستمرار بوصفها عملًا منتجًا، من خلال تطوير التصميم، وتحسين التسويق، وربط المهارات التقليدية باحتياجات معاصرة، دون إفراغها من خصائصها التي تمنحها هويتها.
-
صانع الطرابيش.. حين كانت القطعة تحمل دلالة اجتماعية
ومن المهن التي ارتبطت بتحولات المظهر والهوية الاجتماعية صناعة الطرابيش. فقد كان الطربوش جزءًا من هيئة الرجل في مراحل سابقة من تاريخ مصر، واكتسب دلالات اجتماعية تتجاوز وظيفته بوصفه غطاءً للرأس؛ إذ ارتبط بالمظهر الرسمي والوجاهة لدى فئات من المجتمع.
وقد احتاجت صناعته إلى مهارات خاصة في تجهيز خاماته وتشكيلها، وإلى معرفة بالتفاصيل التي تحدد مظهره وجودته. ومع تغيّر أنماط اللباس وتراجع استعماله في الحياة اليومية، انحسر المجال الذي كانت تعمل فيه هذه الحرفة، وقلّت الحاجة إلى خدمات الصناع المرتبطين بها.
وهنا يكشف اختفاء المهنة جانبًا آخر من العلاقة بين الحرفة والثقافة؛ فالشيء المصنوع قد يحمل نظامًا من الدلالات الاجتماعية. وحين يتغير هذا النظام، لا يتراجع الطلب على السلعة فحسب، بل تتراجع كذلك المهن التي كانت تنتجها، والمعرفة التي كانت تحيط بصناعتها، والمفردات التي تداولها أصحابها في وصف أجزائها وخاماتها وطرق إعدادها.
وليس المقصود أن كل قطعة من الماضي كانت تحمل قيمة اجتماعية واحدة لدى الجميع؛ فدلالات اللباس تختلف باختلاف الزمن والطبقة والمناسبة. لكن المثال يوضح أن المهنة لا تعيش بمعزل عن المجتمع: إنها تزدهر حين تكون الحاجة إلى منتجها قائمة، وتتراجع حين تتغير العادات والرموز التي تمنحه قيمته.
-
من الخط العربي وتجليد الكتب إلى خيامية القاهرة
ولا تقتصر الحرف التي تحمل قيمة معرفية وثقافية على تلك التي فقدت وظائفها اليومية. فهناك حرف لا تزال تمارس، لكنها تواجه تحديات في استمرارها وانتقال الخبرة بين الأجيال، مثل الخط العربي وتجليد الكتب وصناعة الخيامية، وغيرها من الحرف التي ارتبطت بالذاكرة الفنية والعمرانية للقاهرة التاريخية.
وقد وثّقت مبادرة نفذتها الجمعية المصرية للمأثورات الشعبية بالتعاون مع محافظة القاهرة ثلاثين حرفة في مناطق القاهرة التاريخية، من بينها نفخ الزجاج، وأعمال النحاس، ونحت الخشب، والخط العربي، وتجليد الكتب، وصناعة المنتجات الجلدية، والخيامية. وأشارت اليونسكو إلى أن نقص فرص التدرّب المهني ومحدودية فرص العمل المتاحة للشباب أسهما في إضعاف انتقال المعارف والمهارات الحرفية.
وتكشف هذه الأمثلة أن الحرفة قد تتجاوز صناعة منتج نافع لتشارك في تشكيل المشهد البصري والثقافي للمدينة. فالخطاط لا يرسم حروفًا فحسب؛ إنه يتعامل مع تناسب الحروف ومسافاتها وإيقاعها البصري. ومجلّد الكتب لا يجمع الأوراق وحدها، بل يقدّم معرفةً تتصل بحماية الكتاب وإعداده وصيانته. أما الخيامية، بما تحمله من أشكال وألوان وتكوينات زخرفية، فتصل المهارة اليدوية بعالم من الذائقة والتقاليد الفنية.
ومع أن هذه الحرف لا تزال موجودة، فإن بقاءها لا يتحقق بمجرد وجود عدد من الورش التي تمارسها. فالمعرفة الحرفية تحتاج إلى بيئة تسمح بالتعلّم والممارسة، وإلى طلب اقتصادي يضمن استمرار العمل، وإلى مجتمع يدرك أن قيمة المنتج لا تختزل دائمًا في ثمن مادته أو الزمن المستغرق في صناعته.
ومن ثمّ، لا يكفي أن نحتفظ بقطعة خيامية في متحف، أو بصورة لخطاط في كتاب، أو بأداة قديمة خلف واجهة زجاجية. فهذه الوسائل تحفظ جانبًا من الذاكرة، لكنها لا تنقل وحدها القدرة على صنع القطعة أو فهم خطوات إنتاجها. إن التراث الحرفي يظل حيًّا حين تبقى المعرفة قابلةً للتعلّم والممارسة، وحين يجد أصحابها من يشتري منتجاتهم ويقدّر عملهم، وحين تتاح للجيل الجديد فرصة أن يصبح صانعًا، لا مجرّد متفرّج على صناعة قديمة.
-
الحرفة بوصفها مدرسةً للمعرفة
لعلّ أكبر ما تكشفه المهن القديمة هو أن المعرفة لا تولد دائمًا داخل المؤسسات التعليمية، ولا تُحفظ كلها في الكتب. فثمة معرفة تنمو من حركة اليد، ومن مراقبة المادة، ومن تكرار المحاولة، ومن الإنصات إلى خبرة من سبقونا. وهي معرفة قد يصعب التعبير عن بعض تفاصيلها بالكلمات؛ لأن جزءًا منها متصل بالممارسة الحسية والقدرة على التمييز والتقدير.
كان المتدرّب في الورشة يكتسب، إلى جانب أسرار الصنعة، مفردات خاصة بها، وطريقةً في التعامل مع الزبائن، وإدراكًا لقيمة الوقت والخامة والإتقان. وكانت الأخطاء نفسها جزءًا من التعليم؛ إذ يتعلّم المبتدئ ما ينبغي تجنبه حين يرى نتيجة عمله، أو يسمع ملاحظة أستاذه، أو يلاحظ الفرق بين منتج متقن وآخر لم يستوفِ شروط الصنعة.
ومن هنا، فإن انحسار الحرفة قد يفضي إلى انقطاع سلسلة تعليمية غير رسمية، امتدت عبر أجيال ولم تكن تحتاج إلى قاعة درس أو كتاب مقرر. وحين يغيب آخر من يجيد طريقةً بعينها في العمل، ولا يكون قد نقل خبرته إلى غيره، تصبح المعرفة مهددةً بالضياع، حتى لو بقي المنتج نفسه محفوظًا في المتاحف أو الصور.
ولهذا ينبغي أن يتجاوز حفظ المهن القديمة جمع الأدوات وتوثيق أسماء الحرفيين، ليشمل تسجيل خطوات العمل، وتوثيق المصطلحات المحلية، وإجراء مقابلات مع أصحاب الخبرة، وإتاحة التدريب العملي للمتعلّمين. فالتوثيق يحفظ ما يمكن تسجيله، أما استمرار الحرفة فيحتاج إلى أيدٍ تتعلم، وورش تعمل، وأسواق تتيح للصانع أن يعيش من عمله.
ليس من الواقعي أن نطالب بإعادة كل مهنة قديمة إلى الحياة بصورتها السابقة؛ فبعض المهن ارتبط بظروف صحية أو تقنية أو اقتصادية تجاوزها الزمن، وبعضها فقد وظيفته بعدما ظهرت وسائل أكثر ملاءمةً لحاجات الناس. كما أن الحفاظ على التراث لا يعني تجميد المجتمع أو رفض التغيير.
لكن ثمة فرقًا بين أن تختفي وظيفة لأن الحاجة إليها زالت، وبين أن تضيع معها معرفة يمكن أن تظل نافعة، أو قيمة جمالية يمكن أن تثري حياتنا، أو مهارة تستحق أن تتطور بدلًا من أن تنقطع. وقد يكون من الممكن استعادة بعض الحرف في أشكال جديدة، أو إدخال مهاراتها في التصميم المعاصر، أو تطوير منتجات تناسب الاستخدام الحديث، أو توظيفها في التعليم والتدريب والأنشطة الثقافية.
ويحتاج ذلك إلى تعاون بين الحرفيين والمؤسسات الثقافية والتعليمية والجهات المعنية بالتنمية الاقتصادية، بحيث لا يُترك عبء الحفاظ على التراث على عاتق صانع مسنّ يواصل العمل بدافع تعلقه بمهنته، بينما تتقلص فرص التسويق والتعلّم من حوله. فالحرفة التي لا توفّر لصاحبها دخلًا معقولًا يصعب أن تجذب متدرّبًا جديدًا، مهما كانت قيمتها الفنية أو التاريخية.
إن اختفاء بعض المهن القديمة في مصر ليس قصة أدوات استبدلتها أدوات أحدث فحسب، بل قصة معرفة نشأت داخل المجتمع، وعاشت بفضل الممارسة، ثم واجهت خطر الانقطاع عندما تغيّرت أنماط الحياة والعمل. وما يستحق الحفظ من هذه القصة ليس صورتها القديمة وحدها، وإنما ما تحمله من مهارات وتجارب وطرائق في فهم العالم.
فحين نُحصي الحرف التي غابت، لا ينبغي أن نسأل فقط: ماذا كان يصنع أصحابها؟ بل ينبغي أن نسأل أيضًا: ماذا كانوا يعرفون؟ وكيف تعلّموا؟ وما الكلمات والأغاني والعادات والخبرات التي أحاطت بأعمالهم؟ وأيّ جزء من هذه المعرفة يمكن نقله إلى المستقبل؟
ربما لا نستطيع أن نعيد السقّاء إلى شوارع القاهرة، ولا أن نعيد الطرابيش إلى رؤوس الناس كما كانت من قبل، لكننا نستطيع أن نفهم ما تكشفه هذه المهن عن تاريخ المجتمع، وأن نوثّق ما بقي من خبراتها، وأن نمنح الحرف الحية فرصًا للاستمرار والتجدّد. فالتقدم لا يُقاس بما نستبدله من أدوات فحسب، بل أيضًا بقدرتنا على تمييز ما ينبغي أن يتغير عمّا يستحق أن يظلّ حيًّا.
إن الحرفة القديمة ليست أثرًا صامتًا من الماضي؛ إنها خبرة بشرية صنعتها الحاجة، وصقلتها الممارسة، وحفظتها الذاكرة. وحين تضيع من دون توثيق أو توريث، لا نخسر شيئًا كان يُصنع باليد فحسب، بل نخسر طريقةً كاملةً في المعرفة والعمل ورؤية العالم. ومن هنا تبدأ مسؤوليتنا: ألّا نكتفي برثاء المهن التي اختفت، بل أن نفهم ثقافتها، ونصون خبراتها، ونمنح ما بقي منها فرصةً حقيقيةً للحياة.
|