|
القاهرة 27 أكتوبر 2026 الساعة 09:47 ص

بقلم: كافية أحمد الراجحي – تونس
في زمن تحكمه المسافات وتفرّق فيه التفاصيل بين البشر، يظل الفن هو الجسر الأصدق والأقدر على إذابة الاختلافات والوصول مباشرة إلى الروح. يتنزل عرض "رحلة" للفنانة "مريم العريض" في إطار المشروع الثقافي الدولي "أبجديات الحب"، وهو مشروع إبداعي مشترك نشأ وتفتّق في فضاء "إيكار"الثقافي، منفتحاً على أفنيته بين الكاف ومكثر قبل أن يمتد شعاعه ليصل إلى بولندا. ولم يكن هذا الفضاء الثقافي مجرد حاضنة جغرافية، إنما كان الموائل والمختبر الإبداعي الذي انطلقت منه شرارة الفكرة وشُكّلت فيه رؤية العرض؛ حيث التقت الإرادات الفنية على جعل الثقافة جسراً يربط بين ضفاف التراث التونسي والأفق الأوروبي. ومن رحاب "إيكار"، وُلد هذا العمل ليكون منطلق حوار إنساني عابر للحدود، يُترجم المشاعر والذاكرة الحية بأسلوب يحول التجربة المحلية إلى خطاب كوني جامع.
هذا العرض كان نتيجة مسار فني واعٍ بدأ رسم ملامحه في جبال الكاف وأزقة مكثر بالشمال الغربي التونسي. بين الموروث الشعبي والذاكرة الحية للمكان، ولدت الفكرة، قبل أن تحملها "مريم العريض" بصوتها وألحانها عبر الحدود، لتقدم للجمهور الأوروبي تجربة تتحدث لغة تعلو فوق المفردات التقليدية. كما صرحت مريم العريض بأن "الموسيقى ليس لها لغة محددة، إنما هي لغة كونية يفهمها الجميع حتى لو اختلفت الألسن". حيث تتجلى قيمة العرض في الرحلة اللغوية والصوتية الفريدة التي أخذ بها الحاضرين؛ فلم يقتصر النص الغنائي على لسان واحد، بل امتزجت فيه الغنة التونسية الأصيلة بشحنها الوجداني الدافئ، مع الغنة والأنغام البولندية المحلية، متقاطعةً مع أداء صوتي يستحضر أداءً ونبرات مستوحاة من العرق الفينيقي المتجذر في تاريخ البحر المتوسط. هذا التمازج الصوتي جعل التعدد اللغوي جزءاً من جمالية العرض؛ فغدت النبرات والأنغام لغة مشتركة تفهمها القلوب قبل العقول، وتؤكد أن الموسيقى حين تحاكي أصل اللغات وتاريخها، تصبح الأبجدية الأجمل للحب والسلام.
-
الرحلة.. من الكاف ومكثر إلى بولندا
لقد شكلت محطتا الكاف ومكثر المختبر الروحي والفني الأول لعرض "رحلة"، حيث استمد العرض مقوماته الأولى من الذاكرة الشفهية والتراث الغنائي التونسي، ومن نبض الأرض التي تختزن قصص الحب والتوق إلى الحرية. ومن ذلك الفضاء المحلي المترع بالأصالة، نسجت مريم العريض ملامح أطروحتها الفنية قبل أن تنقلها إلى المسارح الدولية. وحين انتقل العمل إلى بولندا ضمن مشروع "أبجديات الحب"، بدا وكأن النغمات العريقة القادمة من جبال الكاف وآثار مكثر قد ارتدت حلة كونية، متكاملةً مع الفلسفة العميقة للمشروع الدولي الذي يقوم على فكرة أن المشاعر الإنسانية النبيلة، وعلى رأسها المحبة والظمأ إلى السلام، تشكل البنية التحتية الروحية لجميع البشر على اختلاف ألسنتهم وأعراقهم.
-
عبقرية التوليفة: بين شجن التراث والتجريب المعاصر
وفي قلب هذا الفضاء المفتوح على التعدد والتحاور، جاء عرض "رحلة" ليمثل التجسيد العملي لهذه الفلسفة؛ إذ قدمت مريم العريض مقطوعات وأغانٍ منتظمة، لتكون أشبه بمسار تطوري ومغامرة داخلية ينخرط فيها الاستماع كفعل اكتشاف للذات وللآخر. لقد كان العرض إبحاراً يبدأ من مكامن الذاكرة التونسية الزاخرة بالشجن والخصوصية المحلية، لينطلق نحو الشواطئ الكونية للتجربة الإنسانية. وعلى الصعيد الموسيقي والفني، تجلت عبقرية العرض في المعادلة الدقيقة التي جمعت بين الأصالة والتجديد؛ فقد اتكأت مريم العريض على الثروة النغمية للمقامات الشرقية والتونسية الأصيلة، واستحوذت على روح الموروث الغنائي التونسي الذي صُقل في الكاف ومكثر، ثم صاغته بتوزيع موسيقي معاصر يمتزج بالآلات والتأثيرات الصوتية الحديثة لتناسب ذائقة الجمهور الأوروبي المتنوع.
ولم تكن الألحان وحدها هي السفير إلى قلوب الحاضرين، إنما لعب صوت مريم وأداؤه الوجداني الحاضر بقوة دوراً محورياً في إنجاح هذه "الرحلة". ببراعة أدائية ممتلئة بالدفء والصدق، استطاعت الفنانة أن تنقل أدق التدرجات العاطفية، من الشوق والحنين إلى النشوة والأمل، متجاوزةً بذلك العائق اللغوي بكفاءة عالية. لقد وقف الجمهور البولندي مشدودين أمام هذه التوليفة الساحرة التي جمعت بين سحر الشمال الغربي التونسي وأفق الفن العالمي، حيث حلّ التماهي التام محل الاغتراب الثقافي، وسادت القاعة لحظات من الصمت الهادئ المتواشج مع النغم، وحقق عرض "رحلة" نجاحا في تحويل الموروث المحلي إلى خطاب عالمي رفيع المستوى. لقد برهنت هذه التجربة أن الفن هو الأداة الأكثر نجاعة للدبلوماسية الثقافية، وأن "أبجديات الحب" ليست مجرد عنوان للمشروع، إنما أصبحت واقعاً ملموساً ونغمات ستبقى أصداؤها تتردد في أذهان كل من حضر، مؤكدةً أن الموسيقى التي تنبع من أصالة الأرض التونسية قادرة على العبور نحو العالم كلسان فصيح للمحبة والسلام...
-
من الكاف ومكثر: البداية من الجذور
اختارت مريم العريض أن تنطلق من مدينة الكاف، العريقة بتاريخها وتراثها، ثم من مكثر، المدينة الأثرية التي تحفظ في حجارتها ذاكرة تعود إلى قرون طويلة. والاختيار هنا موقف فني قبل أن يكون محطة جغرافية. فهو يضع الفن في مواجهة الذاكرة، ويحمل الإبداع إلى جهات داخلية ما زالت تبحث عن موقعها على الخارطة الثقافية، بدل حصره في العاصمة ومسارحها. ويتحول الفضاء الأثري والتاريخي إلى جزء من العرض نفسه، يمنح الصوت والكلمة عمقاً لا تصنعه أي خشبة مسرح.
-
"أبجدية حب" لغة تتجاوز الحدود
يقوم مشروع "أبجديات الحب" على فكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في جوهرها؛ وهي أن للحب أبجدية كونية يفهمها الوجدان البشري تلقائياً مهما تنوعت الألسن واختلفت اللغات. وفي هذا الأفق الإنساني الرحب، تتحول الموسيقى والأداء الصوتي والكلمة من مجرد أدوات تعبيرية محددة بجغرافيا معينة إلى حروف حية في أبجدية عالمية مشتركة، قادرة على النفاذ إلى عمق الروح والبوح بما تعجز عنه أفصح الخطابات والبيانات الرسمية. ويأتي عرض "رحلة" للفنانة مريم العريض ليكون التجسيد العملي والتطبيقي لهذه الفلسفة؛ إذ ينساب العمل بين فضاءات وثقافات متعددة، حاملاً في كل محطة يمر بها—من هدوء جبال الكاف ومكثر وأصالتها وصولاً إلى مسارح بولندا—حرفاً جديداً يضاف إلى هذه الأبجدية الجامعة. فالعرض لا ينقل الموسيقى كمنتج جاهز،إنما ينسج في كل مجرى نغمي حواراً روحياً ينبع من غنة اللهجة التونسية ودفئها، ليتقاطع مع النبرات البولندية المحلية والظلال الصوتية التاريخية للمتوسط، مؤكداً أن الفن حين يحمله الصدق الشديد يصبح الأداة الأقدر على ردم الفجوات وبناء جسور متينة من التفاهم والمحبة الإنسانية الصافية.
-
الوصول إلى بولندا: حوار بين ضفتين
بانتقال عرض "رحلة" إلى بولندا، يُحقق المشروع قفزة نوعية ينقل من خلالها التجربة الإبداعية من فضاء المحلي الضيق إلى رحابة الفضاء العالمي، متحولاً بالحكاية التونسية القادمة من أزقة الكاف ومكثر إلى لقاء حي ومباشر مع جمهور يمتلك ثقافة وخلفية ومرجعيات مغايرة تماماً. وفي صلب هذا التلاقي الإنساني، يتجلى الدور الجوهري للفن بوصفه أرقى أشكال الدبلوماسية الناعمة؛ أداة قادرة على إذابة المسافات بين الشعوب وإعادة تقديم الهوية التونسية في أبها صورها الإبداعية والمعاصرة. إن الفنانة مريم العريض في هذا العرض لم تسعَ إلى تقديم "فلكلور" جامد يُعرض للفرجة السطحية أو للاستعراض السياحي، بل صممت العرض ليكون منصة تفاعلية تفاوضية وحواراً مفتوحاً يتبادل فيه الطرفان الإصغاء المتبادل وفعل الاكتشاف المتجدد؛ حيث يصغي الجمهور الأوروبي لأصالة النغم والغنة التونسية بوجدان مفتوح، بينما تتفاعل الروح التونسية مع القاعة لتصنع لحظة فارقة أثبتت أن الفن الصادق هو الأقدر على تمثيل الثقافة الوطنية ونشر قيم المحبة والسلام عبر العالم...
-
مريم العريض: صوت يبحث عن الأفق
عُرفت الفنانة مريم العريض بحضورها الفني التونسي اللافت وبصمتها الصوتية العميقة التي تجلت في محطات متعددة، ويأتي عرض "رحلة" ليكون امتداداً طبيعياً ومطوَّراً لهذا المسار الإبداعي المتواصل، ومحطةً مفصلية جديدة تؤكد بوضوح أن الفنان التونسي قادر على أن يحمل مشروعه الفني والرؤيوي إلى أقصى مسارح العالم دون أن يفرّط في جذوره الأولى أو يتنازل عن أصالته. فالعمل لا يستجد المعاصرة عبر التخلي عن الهوية، بل يُنقب في ثرايا التراث الغنائي لربوع الكاف ومكثر ليصنع منها رافعة إبداعية تخاطب العالم بلغة عصرية رفيعة؛ ليبرهن العرض على أن الامتداد نحو العالمية ينطلق دائماً من الشغف والصدق في التعبير عن الذاكرة المحلية والاعتزاز بها.
لم تكن "رحلة" الفنانة التونسية مريم العريض مجرد عرض موسيقي يعبر الحدود من ربوع الكاف ومكثر إلى مسارح بولندا ضمن مشروع "أبجديات الحب"، بل كانت تجربة مفاهيمية وفكرية عميقة تتجاوز الأداء الغنائي المجرد لتطرح رؤية شاملة للهوية التونسية في أبعادها الإنسانية والجامعة. وتتجلى الإضافة النوعية والأهمية الكبرى لهذا العمل في كونه ينظم أربع رحلات متوازية ومتشابكة في صلب العرض: رحلة الضيافة، ورحلة اللغة، ورحلة العادات والتقاليد، ورحلة التراث.
صِيغَت "رحلة الضيافة" كمسار ذي اتجاهين متكاملين؛ انطلقت شرارته الأولى عندما احتضنت أرض تونس—في فضاء «إيكار» الثقافي وبين ربوع الكاف ومكثر—الفنانين والفاعلين في المشروع، حيث مارس التراث التونسي وعادات الجبال قيم الكرم والترحاب، شاركهم الأهالي حكاياتهم ونغماتهم ودفء تفاصيلهم اليومية. ثم اكتملت هذه الرحلة حين انتقل العمل إلى بولندا، لتنقلب الأدوار ويصبح الفنان التونسي ضيفاً مُرحبّاً به في فضاء أوروبي يُشرع أبوابه للإصغاء والتفاعل.
إن هذا التبادل المتبادل في الضيافة جعل من عرض "رحلة" للمبدعة مريم العريض تجسيداً ملموساً لأبجديات الحب؛ فبالضيافة يزول التوجس من الاختلاف، ويتلاشى الشعور بالاغتراب الثقافي، ليحل محله الأمان الروحي الذي يتيح للموسيقى أن تنساب بحرية وصراحة. لقد أثبتت "رحلة الضيافة" أن الحب الحقيقي يبدأ عندما نُحسن استقبال الآخر واستضافته في رحاب ثقافتنا، وعندما نملك الشجاعة لنكون ضيوفاً يستمعون ويتعلمون في رحاب ثقافته، لتغدو الموسيقى في النهاية هي البيت الكبير الذي يجمع الجميع تحت سقف واحد من السلام والإنسانية.
تتجلى هذه الرحلة الزمانية في الشجاعة الإبداعية التي قدمت بها مريم العريض مادة غنائية وصوتية عابرة للقرون؛ حيث استحضرت الآفاق البونيقية (الفينقية) الضاربة في أعماق تاريخ تونس القديم، منتزعة من صمت التاريخ نبرات وظلالاً صوتية تشبه النداءات الأولى للبشرية على ضفاف المتوسط. ومن تلك الجذور السحيقة، انسابت "رحلة الزمن" لتتصل بـ الأغنية التونسية المعاصرة والجديدة المحمّلة بشجن الكاف ومكثر ودفء اللهجة الحية اليوم، والتي تعكس النبض الراهن للإنسان التونسي وتطلعاته. ولم تتوقف حركة الزمن عند حدود الذات، إنما امتدت لتتقاطع في لحظة التماس الإنساني المباشر في بولندا مع النغم والغناء البولندي، لتُطوى بذلك المسافات بين الماضي والحاضر، وبين أقدم الحضارات وأحدث اللغات الحية.
إن هذه الصياغة الزمانية المتعددة اللغات والأزمنة تلخص رؤية مريم العريض للموسيقى كعابر للزمن مثلما هي عابرة للمكان؛ فالأغنية البونيقية تمنح العرض عمق الجذور والأصالة الأولى، والأغنية التونسية تمنحه الدفء والواقعية الحية، بينما يمنحه الصوت البولندي أفق الانفتاح والتواصل المعاصر. ومن خلال هذا الامتزاج، أثبتت "رحلة الزمن" أن الفن الصادق هو المكان الوحيد الذي يمكن فيه لقرون من التاريخ المختلف أن تلتقي وتتحاور في لحظة نغمية واحدة، لتصوغ معاً حرفاً متجدداً في "أبجديات الحب" ينبض بالحياة والسلام.
حيث استطاع العرض أن يعيد صياغة مفهوم التفاهم بين الشعوب؛ فاللغة في عرض "رحلة" لم تعد مجرد ألفاظ ومفردات عربية أو تونسيّة يحتاج الجمهور الأوروبي إلى ترجمتها، بل تحولت بفضل النبرة واللحن والأداء الوجداني إلى "لغة ما فوق لفظية". لقد عبرت اللهجة التونسية محمولها المحلي الضيق لتصبح وسيلة للتعبير عن حالات إنسانية مشتركة كالحنين، والتوق إلى السلام، والشغف بالحب. ومن خلال هذا التحول، أثبت العرض أن الموسيقى حين تتماهى مع نطق اللغة وأصواتها الروحية تتحول إلى أبجدية يفهمها الوجدان قبل العقل، وهو ما جسّد بجلاء فلسفة مشروع "أبجديات الحب" = في جعل الفن لغة كونية موحدة.
تجسدت في قدرة العرض على نقل تفاصيل الحياة اليومية والطقوس الاجتماعية التي تختزنها الذاكرة الشعبية التونسية، ولا سيما في مناطق الشمال الغربي كالكاف ومكثر. فلم يقدم العرض هذه العادات بأسلوب متحفي جامد، بل أعاد بث الروح فيها عبر استحضار روح المناسبات، والاحتفالات، واللقاءات الإنسانية التي تميز المجتمع التونسي. لقد شَكَّل العرض نافذة حية أطلّ من خلالها الجمهور البولندي على النسيج الاجتماعي والأنثروبولوجي لتونس، مستكشفاً كيف تتحول التقاليد المحلية البسيطة إلى قيم إنسانية سامية تنضح بالدفء والكرامة والانتماء.
يبرز البعد الأكثر ثراءً وأصالة في العمل، حيث اتكأت مريم العريض على الموروث الغنائي والموسيقي، وأخذت التراث في رحلة تطوير وتجديد جريئة. إن أهمية هذه الرحلة تكمن في رفض العرض لإبقاء التراث محبوساً في قوقعة الفولكلور أو الذاكرة الماضوية؛ غنما أخذه من أصوله الضاربة في جذور جبال الكاف ومكثر وطعّمه بتوزيع موسيقي عصري وإيقاعات كونية تتلاءم مع الذائقة العالمية. هذا المزج الخلاق منح التراث التونسي تأشيرة السفر والعبور نحو المسارح الدولية، معافى من جمود الماضي ومشرعاً على أفق المستقبل.
إن الأهمية الاستثنائية لعرض "رحلة" تتلخص في كونه استطاع أن يجعل من الضيافة، الزمن، اللغة، والعادات والتقاليد، والتراث مطايا للعبور نحو الآخر دون التفريط في الخصوصية الهوية التونسية. لقد أثبتت مريم العريض أن العودة إلى الجذور في الكاف ومكثر ليست انغلاقاً، إنما هي الشرط الأساسي للانطلاق نحو العالمية، وأن الفن عندما يحمل صداقة اللغة وعمق التقاليد وأصالة التراث، ينقل الإنسان من جغرافيا المولد إلى جغرافيا الحب الشاملة
ليست كل الرحلات حقائب وتذاكر سفر. بعضها يبدأ بأغنية وينتهي جسراً بين شعبين. هذا ما تقترحه الفنانة التونسية مريم العريض في عرضها «رحلة»، الذي انطلق ضمن مشروع «أبجدية حب» من قلب الشمال الغربي التونسي، ثم قطع المسافة إلى بولندا.
يظل عرض "رحلة" تذكرةً ملهمةً وشاهداً حياً يُذكّرنا جميعاً بأن الفن، بما يملكه من سحر وشفافية، هو أقصر الطرق وأصدقها للوصل بين الشعوب ومحو المسافات التي يصنعها الوهم والجغرافيا بين القلوب. إن هذا المسار الإبداعي الفريد، الذي انطلقت شرارته الأولى من هدوء جبال الكاف العتيقة ومن عمق التراث الأصيل في مكثر، ليمتد وينساب عبر الحدود وصولاً إلى قلب أوروبا وعلى مسارح بولندا ضمن مشروع "أبجديات الحب"، يبعث برسالة إنسانية بليغة ومباشرة مفادها أن للحب أبجدية عالمية واحدة لا تحتاج إلى ترجمان؛ أبجدية تُكتب بالنوتات والإحساس الصادق، وتفهمها الأرواح قبل أن تتلقفها العقول.
لقد أثبتت تجربة الفنانة مريم العريض أن العودة إلى الجذور والمنطلقات المحلية ليست تقوقعاً أو انغلاقاً على الذات، بل هي الشرط الأساسي والوحيد للعبور الصادق نحو العالمية. فالموسيقى التونسية حين صدحت بغنتها الدافئة وبأبعادها الممتدة من الذاكرة المتوسطية والفينيقية، لم تعكس مجرد فولكلور يُقدّم للفرجة السطحية، إنما تحولت إلى حوار كوني رفيع يتبادل فيه طرفا العرض—الفنانة والجمهور—فعل الإصغاء والاكتشاف المتجدد.
|