|
القاهرة 20 أكتوبر 2026 الساعة 10:01 ص

بقلم: د. هويدا صالح
تُمثّل رواية «جسر سان لويس راي» (The Bridge of San Luis Rey) للكاتب الأمريكي ثورنتون وايلدر (Thornton Wilder) إحدى كلاسيكيات الأدب الأمريكي في القرن العشرين، بفضل معالجتها الفلسفية العميقة لإشكاليات المصير الإنساني، والعدالة الإلهية، وجدلية الحب والفناء.
تدور أحداث الرواية في البيرو خلال القرن الثامن عشر، تحت وطأة الحكم الاستعماري الإسباني، وتحديداً في مدينة ليما وضواحيها. وفي ظهيرة يوم الجمعة، 20 يوليو 1714، ينهار فجأة جسرٌ معلق منسوجٌ من نبات القصب يربط بين ليما وكوزكو، بعدما ظل صامداً لأكثر من قرن، ليهوي في الوادي السحيق خمسة مسافرين يلقون حتفهم في التو واللحظة.
يشهد الكارثة راهبٌ فرنسيسكاني يُدعى الأخ جونيبر (Brother Juniper)، فيستبد به تساؤلٌ يزعزع يقينه: هل كان هلاك هؤلاء الخمسة عارضاً عبثياً تقوده الصدفة العمياء، أم أنه استجابة لتدبيرٍ إلهي دقيق له غاية وحكمة خفية؟
يكرس الراهب سنوات من عمره لتقصي سير الضحايا، واستنطاق تفاصيل علاقاتهم ومصائرهم، محاولاً صياغة نظامٍ أخلاقي يفسر لماذا حصد الموت تلك الأرواح تحديداً في تلك اللحظة بالذات. وبذلك، تتحول الفاجعة من مجرد حادث عابر إلى مدخل لمساءلة حدود المعرفة البشرية، وإمكانية إدراك القدر، وطبيعة الاشتباك بين الوجود والعدم.
تنتظم الرواية عبر حكايات تبدو متباعدة في ظاهرها، لكنها تتداخل تدريجياً عبر ثنائيات الحب والفقد، والتملك والتضحية، كاشفةً عن نسيجٍ معقد من الوشائج الإنسانية:
-
الماركيزة دونيا ماريا وبيبيتا: التحرر من قيد الأنانية
تُعرف الماركيزة "دونيا ماريا" بأنها سيدة أرستقراطية طاعنة في السن، دافعها قبح المظهر والوحشة إلى الإدمان على الشراب، غير أنها تمتلك بياناً استثنائياً وقدرة فذة على صياغة لواعجها. انصب شغفها على ابنتها الوحيدة انصباباً مرضياً خانقاً تجاوز المألوف، حتى تحول إلى تملك دفع الابنة للفرار بالزواج والرحيل إلى إسبانيا. وظلت الماركيزة ترسل إليها خطابات باذخة البلاغة مشحونة بالشوق والاستجداء، في محاولة يائسة لرأب صدع علاقة لم تمنحها يوماً متسعاً من الحرية.
أما "بيبيتا"، فهي يتيمة نشأت في كنف الدير برعاية «الأم ماريا ديل بيلار»، ثم أُلحقت بخدمة الماركيزة. ورغم التفاوت الطبقي والعمري، غدت صلتهما محور التحول الأبرز؛ ففي الليلة السابقة للانهيار، كتبت بيبيتا رسالة تفيض بالإيثار والنضج، فأبصرت الماركيزة فيها مرآة روحها، وأدركت أن حبها لابنتها كان مدفوعاً بالأنانية والتسلط. وللمرة الأولى، قررت مراجعة ذاتها والتطهر من عقد الماضي عبر منح بيبيتا الرعاية الحقة.
وفي صباح اليوم التالي، وبينما تسلك المرأتان طريقهما نحو ليما بقلبين استشعرا المصالحة، انهار الجسر وهوى بهما إلى القاع؛ كاشفاً عن مفارقة تراجيدية: قد يدنو الإنسان من ذروة نقائه الأخلاقي في اللحظة ذاتها التي يباغته فيها الفناء.
-
التوأمان إستيبان ومانويل: مأزق الهوية المنشطرة
عاش التوأمان اليتيمان "مانويل" و"إستيبان" تلاحماً روحياً نادراً جعلهما أشبه بروح واحدة في جسدين، واقتسما شظف العيش عبر العمل في نسخ المخطوطات بليما، حتى بات افتراقهما ضرباً من المحال.
تصدع هذا التلاحم حين وقع مانويل في حب الممثلة الشهيرة "كاميلا بيريكول"، لكنه آثر كتمان مشاعره صوناً لرابطة الأخوة، قبل أن يقضي نحبه إثر تلوث جرح غائر في ركبته. سقط إستيبان بعد موت أخيه في هوة عزلة ساحقة؛ إذ فقد بفقده مرآة وجوده ومعنى حياته، وحاول وضع حد لحياته يأساً.
تدخل الكابتن "ألفارادو" لانتشاله من الانهيار، عارضاً عليه مرافقته في رحلة بحرية تمنحه فرصة للبدء من جديد. تشبث إستيبان بهذا الأمل، غير أنه أثناء عبوره الجسر للحاق بالسفينة، انهار به وسقط صريعاً؛ ليطرح وايلدر سؤاله القلق: هل تجدي النجاة الجسدية نفعاً إذا انهار الوجدان الداخلي؟ وهل بمقدور الإنسان أن يستأنف البقاء حين يرحل من كان يشكل جوهر هويته؟
-
العم بيو والصغير خايمي: الرعاية المستترة برغبة التملك
يُمثل "العم بيو" نموذج الرجل الحاذق، متعدد الحيل والمواهب، الذي نذر حياته لخدمة المسرح وصناعة مجد "ميكائيلا فيليغاس" الملقبة بـ "لا بيريكول"، إذ رعى موهبتها وحوّلها من فتاة مغمورة إلى نجمة البيرو الأولى.
غير أن تقلبات الدهر لا تدوم، فما إن أصاب الجدري وجه الممثلة وشوّه نضارته، حتى اعتزلت الناس وانزوت في الريف مستسلمة للمرارة والانكسار، قاطعة صلتها بالجميع بما فيهم العم بيو. ظل العجوز وفياً لذكراها، وحاول إحياء ذلك الرابط القديم عبر كفالة ابنها الصغير المريض بالصرع "خايمي"، وبعد إلحاح مضنٍ، انتزع موافقتها على اصطحاب الصغير إلى العاصمة ليتولى تعليمه ورعايته.
عبر العم بيو وخايمي الجسر معاً، وسقطا في الهاوية؛ لتتكثف في مآلهما مفارقات الطموح والشيخوخة، فالعم بيو لم يكن ينشد تعليم الطفل فحسب، بل كان يبتغي استبقاء ذريعة أخيرة تشده إلى المرأة التي أحبها وإلى عالمٍ تبدد إلى غير رجعة.
جمع الأخ جونيبر خلاصة استقصاءاته في سفر ضخم، محاولاً البرهنة على أن نهاية الضحايا لم تكن عبثاً، بل كانت تتويجاً لمسارٍ تطهيري وذروة أخلاقية بلغها كل منهم قبيل موته.
غير أن هذا السعي اصطدم بصرامة المؤسسة الدينية، إذ اعتبرت محاكم التفتيش أبحاثه افتئاتاً على المشيئة الإلهية وتعدياً على أسرار الغيب المحجوبة، فانتهت محاكمته بالإدانة بالهرطقة، وأُحرق هو وكتابه في ساحة المدينة.
يحمل مصير الأخ جونيبر ذروة المفارقة في الرواية، فقد سعى إلى خدمة العقيدة بأدوات القياس العقلاني، ليغدو ضحية محاولته إخضاع المطلق للأدلة والبراهين. ومن خلاله، يطرح وايلدر سؤاله الأعمق: هل يملك العقل البشري تفكيك حكمة الموت، أم أن ملاحقة يقينٍ مصطنع وراء كل رزيئة ليست سوى استسلامٍ للوهم؟
لم تنغلق الرواية عند قاع الهاوية، بل امتدت آثار السقوط إلى ضمائر الأحياء، حيث تقاطعت مسارات الفقد في دير"الأم ماريا ديل بيلار". فدفعت الفاجعةُ الممثلةَ "لا بيريكول" إلى مراجعة كبريائها الزائف بعد فقد ابنها وراعيها، في حين عادت ابنة الماركيزة من إسبانيا مثقلةً بندم الفرص الضائعة للمصالحة مع والدتها.
التقت المرأتان في خندق الفجيعة، وانصرفتا إلى رعاية المرضى وكفالة اليتامى، متخذتين من خدمة المنكوبين وسيلة لإضفاء معنى على أيامهما القادمة. لم يقدم وايلدر هذا التحول تعويضاً كاملاً عن الغياب، بل بوصفه إمكانية وحيدة لتوجيه الحب المحبوس في الصدور نحو خلاص إنساني أوسع.
تبلغ الرواية ذروتها الفلسفية بالعودة إلى السؤال البادئ: هل يخضع المصير البشري لقوانين العدالة الأرضية، أم أن الفناء يظل لغزاً مستعصياً على الإحاطة؟
ينأى وايلدر عن تقديم براهين عقائدية قاطعة، تاركاً الإنسان في مواجهة قلقه الوجودي وعجزه عن تفسير الخسارات الكبرى.
غير أنه يطرح بديلاً ملهماً: الحب هو ما يمنح الحياة معناها حتى وإن عجز عن حمايتها من الموت، فهو ليس ضمانة للنجاة، بل هو علة الوجود التي تُبقي أثر الإنسان نابضاً بعد اندثاره.
|