|
القاهرة 20 أكتوبر 2026 الساعة 09:56 ص

بقلم: سوزان إبراهيم
أحيانًا ندخل معرضًا فنيًا ونحن نتوقع أن نشاهد لوحات جميلة، لكننا نخرج منه بشيء مختلف؛ إحساس بالسعادة، أو فكرة تستمر معنا، أو رغبة في أن نتأمل ما رأيناه مرة أخرى. وهذا ما شعرت به وأنا أتأمل أعمال الفنانة شاهيندا سليمان في معرضها الفردي «The Inside Out» المقام في جاليري وهبة بالزمالك.
ما أكتبه هنا ليس قراءة نقدية متخصصة، بل انطباعات شخصية عن تجربة فنية أسعدتني، ودفعتني إلى التأمل في الألوان والتفاصيل وما يمكن أن تحمله من مشاعر ومعانٍ. فأنا أؤمن أن علاقتنا بالفن لا تحتاج دائمًا إلى معرفة متخصصة بقدر ما تحتاج إلى عين تتأمل، وقلب يستقبل، ومساحة نسمح فيها لأنفسنا بالشعور.
ما جذبني في هذه الأعمال لم يكن اللون وحده، رغم أن الألوان كانت أول ما يلفت النظر. هناك حضور واضح للوردي والأزرق والبنفسجي، وتداخلات لونية تمنح اللوحات حيوية خاصة، كأنها تتحرك أمام العين. لكن خلف هذه الألوان المبهجة، وجدت إحساسًا إنسانيًا جعلني أتوقف عند التفاصيل، وأحاول أن أقرأ ما تقوله اللوحات بطريقتها الخاصة.
أحببت أن الأعمال لا تبدو مقيدة بقواعد صارمة؛ فالخطوط حرة، والأشكال تتداخل، والتفاصيل تتجاور لتمنح كل لوحة روحها الخاصة. هناك ما يشبه البيوت، وأشكال تستحضر الإنسان، وتفاصيل تذكرنا بعالمنا اليومي، لكنها تظهر بصورة مختلفة، أقرب إلى الخيال منها إلى النقل الحرفي للواقع.
ومن بين التفاصيل التي توقفت أمامها، لفتتني المرأة التي ترتدي الفستان الوردي. ربما كان ذلك بسبب حضور اللون وحيويته، وربما لأن الشخصية نفسها أثارت فضولي. وجدتني أتخيل أن وراء ملامحها حكاية لا أعرفها، وأن هناك أشياء لا تخبرنا بها اللوحة بوضوح، لكنها تترك لنا حرية تخيلها. وبالطبع، هذا مجرد انطباعي الشخصي، وربما يرى شخص آخر في الشخصية نفسها معنى مختلفًا تمامًا. وهذا تحديدًا ما أحبه في الفن؛ أنه لا يفرض علينا قراءة واحدة، بل يترك لكل منا مساحة يرى فيها العمل بعينيه، وبما يحمله من تجارب ومشاعر.
أظن أن جمال هذه الأعمال يكمن في أنها تدعونا إلى النظر إلى الحياة من زاوية مختلفة، لا أن نراها كما اعتدنا فقط، بل أن نتأمل ما يمكن أن نشعر به تجاهها. فالحياة ليست دائمًا مرتبة، ومشاعرنا ليست واضحة في كل الأوقات. بداخل كل منا أشياء كثيرة تجتمع وتتغير؛ ذكريات سعيدة، وأحلام مؤجلة، ومواقف تترك أثرها فينا حتى بعد أن نظن أننا تجاوزناها.
ومن هنا توقفت عند عنوان المعرض، «The Inside Out»، الذي يفتح أمامنا بابًا للتفكير في العلاقة بين عالمنا الداخلي والصورة التي نظهر بها أمام الآخرين. كم مرة ابتسمنا ونحن نحمل بداخلنا أفكارًا لا نعرف كيف نعبّر عنها؟ وكم مرة أخفينا مشاعرنا لأن الكلمات لم تكن كافية؟ ربما يكون الفن إحدى الوسائل التي تمنح هذه المشاعر فرصة للظهور، دون أن تضطر إلى شرح نفسها.
ما أسعدني في لوحات شاهيندا هو الحيوية التي تحملها الألوان، والحرية التي تتحرك بها الخطوط، والإحساس الإنساني الذي شعرت به خلف التفاصيل. لم أشعر أنني مطالبة بأن أفسر كل تفصيلة، أو أن أصل إلى معنى واحد صحيح. كان يكفيني أن أستمتع بالألوان، وأن أترك لنفسي مساحة للتأمل، وأن أستقبل ما تمنحني إياه كل لوحة من إحساس.
ولأنني من عشاق القراءة، أجد دائمًا متعة خاصة في الأعمال التي تترك للقارئ مساحة للمشاركة. فالكتاب الذي أحبه ليس بالضرورة هو الذي يخبرني بكل شيء، بل الذي يفتح أمامي أسئلة جديدة، ويجعلني أرى بعض الأشياء بصورة مختلفة. وأعتقد أن اللوحة يمكن أن تفعل الشيء نفسه؛ فهي تمنح كل شخص تجربة تخصه، لأننا لا ننظر إلى الفن بعيوننا وحدها، بل نحمله أيضًا إلى داخلنا بما عشناه وشعرنا به.
قد يرى أحدنا في شكل بيت ذكرى مكان يحبه، وقد يجد آخر في لون معين شيئًا من البهجة أو الحنين. وربما يمر شخص أمام اللوحة نفسها دون أن يتوقف، بينما يقف غيره طويلًا أمام تفصيلة صغيرة. لا أظن أن هناك تجربة واحدة يجب أن يخرج بها الجميع من المعرض، وهذه في حد ذاتها إحدى متع الفن. فالاختلاف في قراءتنا للأعمال لا يقل جمالًا عن الاختلاف في الأعمال نفسها.
كما أن فكرة تطور اللوحة، بما تتضمنه من إضافة طبقات ومحو أخرى، وتشكّل الأشكال ثم تغيرها، تذكرني بأن الوصول إلى الصورة النهائية لا يحدث دائمًا في خط مستقيم. وهذا يجعلني أفكر في حياتنا نحن أيضًا؛ فكم مرة احتجنا إلى إعادة النظر في قراراتنا، أو التخلي عن فكرة قديمة، أو البدء من جديد؟ وكم مرة اكتشفنا أن بعض التغييرات التي ظنناها خسارة كانت ضرورية لنصبح أكثر فهمًا لأنفسنا؟
ربما لهذا السبب أرى أن الفن ليس بعيدًا عن حياتنا اليومية كما قد يظن البعض. إنه موجود في قدرتنا على ملاحظة التفاصيل، وفي استمتاعنا بلون يلفت انتباهنا، وفي اللحظة التي نتوقف فيها عن الاستعجال لنمنح شيئًا ما فرصة حقيقية كي نراه. وأحيانًا تكون زيارة معرض فني فرصة بسيطة للخروج من إيقاع الحياة السريع، والعودة إلى أنفسنا قليلًا.
لا أريد أن أتعامل مع معرض «The Inside Out» باعتباره مجموعة من اللوحات التي ينبغي تحليلها فحسب؛ فقد كانت تجربتي معه أقرب إلى حوار هادئ بيني وبين الأعمال. استمتعت بالحيوية التي تنبض بها الألوان، وبالحرية التي تتحرك بها الخطوط، وبالإحساس الإنساني الذي لمسته خلف التفاصيل. وربما لا أستطيع أن أضع تفسيرًا محددًا لكل ما رأيته، لكنني أعرف أن بعض الأعمال تترك فينا أثرًا لا يحتاج إلى تفسير كامل حتى نشعر بقيمته.
في النهاية، أعتقد أن أجمل ما يمكن أن يمنحنا إياه الفن ليس أن نرى العالم بعين الفنان وحده، بل أن نكتشف كيف نراه نحن. فاللوحة قد تكون واحدة، لكن المشاعر التي توقظها تختلف من شخص إلى آخر، تمامًا كما نقرأ الكتاب نفسه في مراحل مختلفة من حياتنا، فنجد فيه معاني لم ننتبه إليها من قبل.
خرجت من هذه التجربة بفكرة أحبها: أننا لا نحتاج دائمًا إلى كلمات كثيرة كي نعبّر عما بداخلنا، وأن بعض المشاعر تجد طريقها إلى الآخرين من خلال لون أو خط أو تفصيلة صغيرة. وربما تكون هذه هي قوة الفن الحقيقية؛ أن يقرّب بين عوالمنا المختلفة دون أن يلغي اختلافنا، وأن يمنحنا لحظة نشعر فيها بأن ما بداخلنا، مهما كان معقدًا أو صعب التعبير، يستحق أن يجد طريقه إلى النور.
فبعض اللوحات تنتهي عند إطارها، أما بعضها الآخر فيبدأ معنا بعد أن نغادر المكان. وتلك، بالنسبة إليّ، هي اللوحات التي تستحق أن نتوقف أمامها.




|