|
القاهرة 20 أكتوبر 2026 الساعة 09:41 ص

بقلم: د. نبيل بهاء الدين
لم يكن المقهى، في كثير من الأعمال الأدبية العربية، مجرّد مكان تُحتسى فيه القهوة وتُبدَّد على موائده ساعات الفراغ؛ بل كان عالمًا مصغّرًا تتقاطع فيه المصائر، وتنكشف فيه الطبائع، وتتسرّب من أحاديث روّاده ملامح المجتمع وتحولاته. ففي المساحة المحدودة بين طاولة وكرسيّ وفنجان، استطاع الأدب أن يرى ما يتجاوز حدود المكان: رأى الإنسان في وحدته وجماعته، وفي أحلامه الصغيرة وخيباته الكبيرة، ورأى التاريخ وهو يتسلّل إلى الحياة اليومية من غير أن يستأذن أحدًا.
ولعلّ سرّ حضور المقهى في الأدب أنّه يقع على تخوم عالمين: عالم الفرد بما يحمله من أسرار ومخاوف وأمنيات، وعالم الجماعة بما يضجّ به من آراء وشائعات وصراعات. فالبيت يتيح للإنسان، في الغالب، أن ينسحب إلى خصوصيته، والشارع يضعه في مواجهة العابرين، أمّا المقهى فيمنحه منزلةً وسطى؛ يستطيع فيه أن يكون بين الناس من غير أن يكون مضطرًّا إلى مشاركتهم كلّ شيء، وأن يتحدّث حين يشاء، وأن يصمت من غير أن يبدو صمته غريبًا عن المكان.
لهذا لم يكن غريبًا أن يتحوّل المقهى، في الرواية والقصة والشعر الحديث، إلى فضاء تتجاوز دلالته وظيفته المباشرة؛ فيغدو شاهدًا على التحولات الاجتماعية والسياسية، ومستودعًا للذاكرة، ومسرحًا للحوار والمواجهة، وأحيانًا ملاذًا لشخصيات أعياها العالم فلم تجد سوى مقعد تستريح عليه من صخبه. وتكشف نماذج من أعمال نجيب محفوظ ومحمود درويش كيف يتبدّل معنى المقهى تبعًا للشخصيات التي ترتاده، وللزمان الذي يحتضنه، وللأسئلة التي يثيرها النص.
-
زقاق المدق: حين تتواجه الحكاية والحداثة
في رواية «زقاق المدق»، الصادرة عام 1947، يجعل نجيب محفوظ من مقهى المعلّم كرشة إحدى البؤر التي تتجمع حولها ملامح الحياة في الحارة. فالمقهى ليس خلفيةً محايدةً للأحداث، بل مساحة تتجاور فيها شخصيات متباينة، وتظهر عبر أحاديثها أحوال الناس ونظرتهم إلى العمل والسلطة والرزق والمستقبل. ومن خلال هذا الاجتماع اليومي، ينتقل القارئ من خصوصية الشخصية إلى صورة أوسع للمجتمع الذي تنتمي إليه. [1]
ومن أكثر تفاصيل الرواية دلالةً حضور شاعر الربابة، بما يمثّله من ثقافة شفوية تعتمد على الراوي وصوته ومهارته في استبقاء انتباه مستمعيه. وعندما يتراجع هذا الحضور أمام المذياع، لا يكون التبدّل مجرد استبدال وسيلة ترفيه بأخرى؛ بل يمكن قراءته بوصفه علامةً على انتقال ثقافي أوسع، تتغيّر فيه طريقة تداول الحكاية، ومصدر الصوت الذي يصغي إليه الجالسون، وطبيعة العلاقة بين الراوي وجمهوره. لقد دخلت وسيلة حديثة إلى المكان، فغيّرت شيئًا من عاداته ومن نظام الإصغاء فيه.
هنا يصبح المقهى شاهدًا على احتكاك القديم بالجديد، لا بوصف أحدهما خيرًا مطلقًا والآخر شرًّا مطلقًا، بل باعتبار التحوّل عمليةً تعيد ترتيب الحياة اليومية. فالحكاية الشفوية كانت تجمع الناس حول أداء حيّ، أمّا المذياع فيوسّع مجال الصوت ويجعل مصدره آتيًا من خارج المجلس. ومن هذه المفارقة يلتقط محفوظ أثر الحداثة في تفاصيل تبدو صغيرة، لكنها تكشف تغيّرًا في الثقافة والعلاقات الاجتماعية.
-
قشتمر: المقهى بوصفه ذاكرةً للزمن
في رواية «قشتمر»، التي صدرت عام 1988، ينتقل المقهى من كونه ملتقىً يوميًّا إلى مركز تتجمع حوله سيرة خمسة أصدقاء، تمتد من سنوات الشباب إلى مراحل متقدمة من العمر. تتباين طبقاتهم وأحوالهم وأفكارهم، لكن المكان يظلّ نقطة التقاء تعود إليها الذاكرة كلما استدعت ما جرى. ومن خلال هذه الصداقة التي تصمد، بدرجات مختلفة، أمام تقلّبات الحياة، يرصد محفوظ تحولات المجتمع المصري في امتداد زمني طويل. [2]
تنبع قوة المقهى هنا من قدرته على وصل الأزمنة بعضها ببعض. فالمقاعد التي شهدت البدايات تعود في الذاكرة محمّلةً بأصوات من غابوا، وبأحاديث لم يعد ممكنًا استعادتها كاملةً، وبأحلام تبدّلت أو تراجعت أو تحقّق بعضها على نحو لم يكن متوقعًا. ولا يوقف المكان مرور الزمن، لكنه يمنح التجارب المتفرقة إطارًا يجمعها؛ فيرى الإنسان حياته، لا بوصفها أحداثًا منفصلة، بل حكايةً متصلة لها بدايات وتحولات ونهايات.
وهكذا يغدو «قشتمر» أكثر من اسم لمقهى؛ إنه علامة على الذاكرة المشتركة، وعلى ما تتركه الأمكنة فينا حتى بعد تغيّر ملامحها أو تغيّرنا نحن. وقد تتفاوت مصائر الأصدقاء، لكن المكان يبقى في وجدانهم خيطًا يصل صورهم القديمة بما صاروا إليه. إنّه لا يحفظ الماضي كما تحفظه الوثيقة، بل كما تحفظه التجربة الإنسانية: ممزوجًا بالحنين والندم والفقد، ومفتوحًا على اختلاف وجهات النظر حول ما حدث.
-
الكرنك: مقهى تتّسع جدرانه للوطن
في رواية «الكرنك»، الصادرة عام 1974، يتخذ المقهى بُعدًا سياسيًّا أكثر وضوحًا. يلتقي فيه شبان جامعيون يحملون آمالًا وتطلعات، ويبدو المكان في البداية فضاءً للتعارف وتبادل الأفكار ومناقشة أحوال البلاد. لكن ما يتعرض له بعضهم من اعتقال وتعذيب يكشف مقدار هشاشة المجال العام حين تتدخل السلطة في حياة الأفراد وتضيّق مساحة التعبير. عندئذ لا تعود الحكاية حكاية أشخاص منفصلين، بل تصبح اختبارًا لعلاقة الإنسان بالخوف والحرية والكرامة. [3]
يكتسب المقهى دلالته من هذا التناقض بين ما يعد به المكان وما يحدث خارجه وداخله: فهو يجمع أصواتًا مختلفة، لكن هذه الأصوات لا تكون بمنأى عن القمع؛ وهو يتيح اللقاء، لكن استمرار اللقاء نفسه يتأثر بحدود الحرية المتاحة. وتذكر مقدمة النسخة الصادرة عن مؤسسة هنداوي أن محفوظًا ربط المقهى الروائي بمقهى ريش في وسط القاهرة. [3] وهذا الربط يتيح قراءة التخييل الأدبي في ضوء ذاكرة ثقافية وسياسية حقيقية، من دون أن يجعل الرواية نسخةً حرفية من التاريخ.
في هذا المثال، لا يعود المقهى مجرد مكان تجري فيه الوقائع، بل يصبح مقياسًا لما يستطيع الناس قوله، وما يضطرون إلى إخفائه، وما تتركه السياسة في تفاصيل الحياة العادية. وتتحول الطاولات التي جمعت الأصدقاء إلى شاهد رمزي على تراجع الطمأنينة حين يصبح الخوف جزءًا من العلاقات اليومية.
-
محمود درويش: الوحدة في قلب الجماعة
ويأخذ المقهى منحًى مختلفًا في قصيدة محمود درويش «مقهى وأنت مع الجريدة»، الواردة ضمن ديوانه «كزهر اللوز أو أبعد». فالمكان هنا لا يُقرأ بوصفه رمزًا للألفة وحدها؛ إذ يمكن للمرء أن يكون محاطًا بالناس، ومع ذلك يعيش عزلةً لا تقل قسوة عن عزلة المنفرد في غرفة مغلقة. وتتناول دراسة أكاديمية منشورة في مجلة آداب المستنصرية عام 2026 الفضاء السردي في القصيدة، مشيرةً إلى مركزية المقهى في بناء الشخصية والحدث، وإلى مفارقة أن يرى الرجل الناس من حوله بينما لا يلتفت إليه أحد. [5]
تكشف هذه الصورة أن الحضور الجسدي لا يضمن التواصل، وأن الاجتماع في مكان واحد لا يعني بالضرورة أن الناس يشتركون في عالم إنساني واحد. قد يجلس المرء بين الآخرين، ويقرأ أخبار العالم في صحيفة، بينما يظلّ هو نفسه خارج اهتمام من حوله. وهنا تنقلب دلالة المقهى: من مكان يُنتظر منه أن يبدّد الوحدة إلى فضاء يكشفها، ومن علامة على الروابط الاجتماعية إلى مرآة لهشاشتها.
وبهذا المعنى، لا يحمل المقهى دلالة واحدة ثابتة؛ فقد يكون عند كاتب فضاءً للحوار وتشكيل الوعي، وعند آخر خزّانًا للذاكرة، وعند ثالث مسرحًا للعزلة والتهميش. فالمكان في الأدب لا يتكلم منفردًا، بل يستمد معناه من الشخصيات التي تشغله، ومن العلاقات التي تنشأ داخله، ومن التوتر الذي يقيمه النص بين ما يبدو على السطح وما يختبئ تحته.
-
من المقهى الواقعي إلى المقهى المتخيَّل
لا تنفصل صورة المقهى الأدبي تمامًا عن تاريخ المقاهي الحقيقية، وإن لم تكن مطابقة له. ففي القاهرة، تأسس مقهى ريش عام 1908، ثم أصبح على امتداد تاريخه ملتقىً ثقافيًّا وسياسيًّا وفنيًّا، وعقدت فيه ندوات ولقاءات استضافت عددًا من رموز الحياة الثقافية المصرية. وتوثّق بوابة محافظة القاهرة هذا التاريخ، بما يوضح كيف تجاوز بعض المقاهي وظيفتها التجارية إلى أداء دور في الحياة العامة. [4]
لكن الواقع لا ينتقل إلى الأدب كما هو؛ فالروائي ينتقي من المكان ما يخدم رؤيته، ويعيد تنظيمه وفق احتياجات الحكاية. وقد يجمع المقهى المتخيّل في مجلس واحد طبائع اجتماعية متناقضة، أو يجعل من حوار عابر نافذةً على أزمة سياسية أو تحول طبقي أو انكسار شخصي. وفي هذه الحالة لا تكون قيمة المكان في دقّة وصف أثاثه فحسب، بل في قدرته على التأثير في مسار الأحداث، وعلى كشف ما لا تقوله الشخصيات صراحةً.
وهذا ما يجعل المقهى عنصرًا فنيًّا فاعلًا: فهو مكان عام يسمح بظهور أصوات متعددة، لكنه يترك لكل شخصية مساحة من الانفراد؛ ويجمع غرباء قد لا تربطهم صلة خارج حدوده، ثم يكشف، من خلال جلوسهم وحوارهم وصمتهم، شيئًا من بنية المجتمع. لذلك يمكن أن يصبح المقهى في العمل الروائي شخصيةً غير منطوقة؛ لا تتكلم بلسانها، لكنها تؤثر في من يجلسون فيها، وتحتفظ بآثارهم، وتمنح الأحداث فضاءً لا يستقيم المعنى من دونه. [6]
تبيّن هذه النماذج أن المقهى في الأدب العربي الحديث ليس زينةً للمشهد ولا تفصيلًا هامشيًّا. ففي «زقاق المدق» يساعد على تصوير التحوّل بين الحكاية الشفوية ووسائل الاتصال الحديثة؛ وفي «قشتمر» يصير وعاءً للذاكرة والصداقة ومرور الزمن؛ وفي «الكرنك» يتحول إلى مرآة لما يصيب المجال العام من خوف وقمع؛ أمّا في قصيدة درويش، فيكشف إمكان اجتماع الناس مع بقاء الفرد وحيدًا بينهم. وهذه قراءات نقدية لهذه الأعمال، لا معانٍ وحيدة أو نهائية تفرضها النصوص على كل قارئ.
ولعلّ سرّ بقاء المقهى في الخيال الأدبي أنه يشبه الحياة في بساطتها الظاهرة وتعقيدها الخفي. ندخله أحيانًا لنشرب القهوة، لكننا نلتقي فيه بما هو أكثر من المشروب: وجوهًا عابرة، وأحاديث لا تكتمل، وخلافات تكشف اختلاف العوالم، وذكريات لا نعرف قيمتها إلا بعد انقضاء زمنها. وقد تتغيّر أدوات التواصل، وتتبدل عادات الجلوس والإصغاء، لكن الحاجة إلى مكان يتيح للناس أن يلتقوا، أو أن يراقبوا العالم من مسافة، تظلّ قابلةً لأن تتخذ صورًا جديدة.
فالمقهى، في نهاية المطاف، ليس مجرد مكان تجتمع فيه الشخصيات، بل طريقة يرى بها الأدب الإنسان داخل المجتمع. وبين كرسيٍّ يحفظ ذكرى صديق، ومذياعٍ يغيّر عادة الإصغاء، وصحيفةٍ تعزل قارئها وسط الزحام، تتعدد الحكايات ويظل السؤال قائمًا: ماذا يحدث للإنسان حين يجلس بين الآخرين، وماذا يبقى منه حين يغادرهم؟
[1] نجيب محفوظ، «زقاق المدق». صدرت الرواية للمرة الأولى عام 1947؛ والنسخة الرقمية المشار إليها صادرة عن مؤسسة هنداوي عام 2023. استُخدمت الرواية للتحقق من مشهد مقهى المعلم كرشة، وحضور شاعر الربابة والتحول إلى المذياع. فتح المصدر
[2] نجيب محفوظ، «قشتمر». صدرت الرواية عام 1988؛ والنسخة الرقمية المشار إليها صادرة عن مؤسسة هنداوي عام 2022. وتوضح مقدمة النسخة أن المقهى هو ملتقى الأصدقاء الخمسة، وأن العمل يرصد تحولات المجتمع عبر مدة طويلة. فتح المصدر
[3] نجيب محفوظ، «الكرنك». صدرت الرواية عام 1974؛ والنسخة الرقمية المشار إليها صادرة عن مؤسسة هنداوي عام 2022. تتناول الرواية مجموعة من الشباب الجامعيين والاعتقال والتعذيب في سياق الستينيات. فتح المصدر
[4] محافظة القاهرة، «أشهر مقاهي القاهرة: مقهى ريش». مصدر رسمي لتاريخ تأسيس المقهى عام 1908 ودوره الثقافي والسياسي والفني. وترد الإشارة إلى مقهى ريش في مقدمة نسخة «الكرنك» لدى مؤسسة هنداوي. فتح المصدر
[5] بيسان خالد علي مصطفى، «الفضاء السردي في قصيدة مقهى وأنت مع الجريدة لمحمود درويش»، مجلة آداب المستنصرية، المجلد 50، العدد 113، منشور في 28 مارس 2026، DOI: 10.35167/mja.v50i113.1869. تتناول الدراسة دلالة المقهى وعزلة الشخصية في القصيدة. فتح المصدر
[6] محمد جبريل، «مصر المكان: دراسة في القصة والرواية». صدر الكتاب عام 2000؛ والنسخة الرقمية المشار إليها صادرة عن مؤسسة هنداوي عام 2023. مرجع نقدي عام في دلالة المكان وعلاقته بالشخصيات والأحداث في الأدب المصري. فتح المصدر
|