|
القاهرة 07 أكتوبر 2026 الساعة 12:16 م

كتبت: نهاد إسماعيل المدني
شهد جاليري "بيكاسو" بمنطقة الزمالك افتتاح أحدث المعارض التشكيلية للفنانة المعاصرة دينا ترجم، تحت عنوان «نخلة»، والذي انطلق في الرابع من أكتوبر ويستمر حتى العشرين من الشهر ذاته.
تقدم ترجم في هذه المحطة الفنية بحثاً بصرياً ومفاهيمياً يستكشف أبعاد العلاقة Triad بين المكان، والتأمل، والذاكرة الشخوصية، حيث تتداخل المفردات الطبيعية مع تفاصيل المرسم لتتحول من مجرد محاكاة واقعية إلى حالات وجدانية مكثفة.
لا تتعامل دينا ترجم مع عناصر الطبيعة كغايات بصرية مجردة، بل كشرارة أولى لإعادة بناء المفردات المعمارية والنباتية وفقاً لما تتركه من أثر نفسي.
ومن هذا المنظور، تبرز "النخلة" في المعرض كركيزة أساسية وبطل محوري تدور حوله أسئلة المكان والزمن والبحث عن الطمأنينة.
النخلة التي كانت مجرد عنصر مألوف يطل عليه مرسم الفنانة، تحولت مع التكرار وتبدل الضوء والفصول إلى رمز يعكس الثبات والاستمرارية في مواجهة عالم سريع التغير، لتصبح -على حد تعبيرها- جزءاً لا يتجزأ من صخب القاهرة وهدوء الروح في آن واحد، مفسحة المجال للانتقال من "رسم ما تراه العين" إلى "تجسيد ما يشعر به الوجدان".
تتجلى في المعرض رؤية هندسية واضحة؛ إذ يتشابك تكوين الفنانة الأكاديمي في الهندسة المعمارية والفنون البصرية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، مع تلقائية اللوحة الزيتية. ينعكس هذا الاتزان في استخدام زوايا رؤية منخفضة تمنح النخلة حضوراً طاوياً يتجاوز حجمها الطبيعي، لتتسامى سعفاتها نحو السماء بينما تتشبث جذورها بالأرض، معلنة عن صراع بصري متزن بين التماسك والحركة.
ورغم الحرية واللفتات الحركية التي تتسم بها الفرشاة، إلا أن خلفها وعياً دقيقاً بالكتل، والمساحات، والإيقاع البصري.
يتجاوز المعرض حدود النخلة ليتأمل في "المرسم" ذاته باعتباره ملاذاً إبداعياً. تتحول النوافذ والأبواب في اللوحات الكبيرة إلى منافذ عبور تنقل نبض الخارج إلى الداخل، بينما تتحول أدوات الرسم اليومية وعربات الألوان إلى شواهد حية على عامل الزمن والتجربة الإنسانية.
كما تكشف الأعمال عن تحول ملموس في البالتة اللونية للفنانة؛ حيث انتقلت من الدرجات الخافتة إلى ألوان أكثر كثافة ودفئاً، في محاولة لإعادة تعريف السكينة بكونها حالة تكمن في قوة اللون وحيويته، وليس فقط في هدوئه.
يقدم معرض «نخلة» صياغة فنية تجعل من الرسم جسراً بين الواقع والانفعال النفسي، حيث تعيد دينا ترجم ترتيب العالم من حولها بلغة تجمع بين الانضباط المعماري وحرية التعبير التجريدي، داعية المشاهد لمشاركتها لحظة يتوقف فيها الزمن للتأمل واسترجاع ذاكرة المكان.


|