القاهرة 07 أكتوبر 2026 الساعة 07:58 م

بقلم: محمد خضير
حين تتعالى أصداء الموسيقى العربية في مسارح دار الأوبرا المصرية، لا نكون أمام مناسبة فنية عابرة تُضاف إلى أجندة الفعاليات الثقافية، وإنما نكون أمام موعد متجدد مع الذاكرة والهوية والوجدان العربي..
من هنا تأتي القيمة الحقيقية لمهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية، الذي استطاع عبر مسيرته أن يتحول من حدث فني إلى مؤسسة ثقافية لها حضورها وتأثيرها، وأن يصبح واحدًا من أهم النوافذ التي تطل منها مصر على تاريخ الموسيقى العربية وحاضرها ومستقبلها.
فالمهرجان، في جوهره، يعد احتفاءً بالماضي، ومحاولة دائمة لإعادة قراءة هذا الماضي، واكتشاف ما يمكن أن يظل حيًا منه في وجدان الأجيال الجديدة.
ولعل هذه هي المعادلة الأصعب التي تواجه أي مهرجان موسيقي كبير: كيف نحافظ على التراث دون أن يتحول إلى متحف؟ وكيف نفتح الباب أمام التجديد دون أن نفقد ملامح الشخصية الموسيقية العربية؟
وهنا تحديدًا تتأكد أهمية مهرجان الموسيقى العربية.. فلقد ارتبطت الموسيقى العربية بأسماء ومدارس وتجارب صنعت جانبًا أصيلًا من وجدان المصريين والعرب؛ من سيد درويش ومحمد عبد الوهاب وأم كلثوم إلى رياض السنباطي ومحمد الموجي وبليغ حمدي ومحمد فوزي وكمال الطويل وفريد الأطرش، وصولًا إلى أجيال متعاقبة حملت الراية وأضافت إلى المشهد من تجاربها ورؤاها.
ولكن قيمة المهرجان تكمن في استدعاء هذه الأسماء، وفي إبقاء أعمالها وأفكارها موضوعًا للحوار والتأمل والدراسة، بحيث يصبح التراث موثق للأغنيات ونعيد سماعها، ومعرفة فنية تتعلم منها الأجيال.
وهنا تأتي أهمية المؤتمر العلمي المصاحب للمهرجان، لأنه يمنح الموسيقى مساحة أخرى خارج خشبة المسرح؛ مساحة للبحث والنقد والتوثيق والمناقشة، بالإضافة إلى أن وجود مؤتمر علمي يناقش العلاقة بين الموسيقى والنقد الأكاديمي والإعلام، ويستقبل أبحاثًا من مصر والدول العربية ومشاركات دولية، يؤكد أن الموسيقى العربية فنًا للمتعة ومجال معرفي وثقافي يستحق البحث والدراسة والتوثيق.
وفي زمن تتغير فيه أدوات الاستماع بسرعة مذهلة، وتتقدم المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، وتتبدل علاقة الجمهور بالأغنية والفنان، تصبح الحاجة إلى هذا الحوار أكثر إلحاحًا.
فنحن أمام أجيال جديدة تستمع إلى الموسيقى بطريقة مختلفة، وتكتشف الفنانين من خلال المنصات الرقمية، وتتعامل مع الأغنية باعتبارها جزءًا من صناعة محتوى واسعة.. ولذلك فإن الحفاظ على الموسيقى العربية لا يعني فقط حماية النوتة واللحن والتراث، وإنما يعني أيضًا البحث عن لغة جديدة للوصول إلى جمهور المستقبل.
وهنا يجب أن يكون السؤال الحقيقي: كيف نجعل هذا الجمهور يشعر أن الموسيقى العربية جزء من حاضره، وليست مجرد ميراث من الماضي؟
الإجابة تبدأ من تطوير أدوات المهرجان، وإتاحة مساحة أكبر للشباب، واكتشاف المواهب، وتشجيع التجارب الجديدة، وربط الأجيال بعضها ببعض.
فالتراث يعيش بالتكرار، ويعيش حين يصبح مصدرًا للإبداع الجديد.. ومن هذه الزاوية، فإن الحديث عن تطوير مهرجان الموسيقى العربية يجب ألا يُفهم باعتباره تقليلًا من قيمته، بل على العكس؛ التطوير هو الضمان الحقيقي لاستمرار المهرجان وتأثيره.
وفي العمل الثقافي، ليست كثرة الفعاليات وحدها معيار النجاح، كما أن عدد الحفلات أو أسماء المشاركين لا ينبغي أن يكون المقياس الوحيد لتقييم أي دورة.. الأهم هو القيمة الفنية، وجودة الاختيارات، وتنوع التجارب، وقدرة الفعاليات على ترك أثر حقيقي لدى الجمهور.
ولذلك عزيزى القارئ فإن معادلة «الكيف وليس الكم» تستحق أن تكون موضوعًا لحوار ثقافي جاد، بعيدًا عن الانفعال أو الاختزال؛ لأن المهرجان الكبير ليس بالضرورة هو الأكثر ازدحامًا بالفعاليات، وإنما الأكثر قدرة على تقديم تجربة فنية متماسكة، تجمع بين الجمهور والنقاد والباحثين والفنانين.
وفي هذا السياق، يصبح اختيار الفنانين وتنوعهم جزءًا من صناعة الرسالة الثقافية للمهرجان.. فوجود رموز غنائية كبيرة إلى جانب المواهب الجديدة، وتقديم الموسيقى المصرية والعربية في سياقات مختلفة، وإعادة اكتشاف أعمال كبار الملحنين، كلها عناصر يمكن أن تجعل المهرجان مساحة للتواصل بين الأجيال، بالإضافة إلى أنه منصة لنجوم الصف الأول.
كما أن إقامة الفعاليات في أكثر من مسرح داخل القاهرة والإسكندرية يفتح الباب أمام مفهوم أوسع للعدالة الثقافية، ويؤكد أن الموسيقى الرفيعة ليست حكرًا على جمهور بعينه.
وكذلك فإن دار الأوبرا المصرية، بما تمتلكه من تاريخ وإمكانات وخبرات، تتحمل مسؤولية كبيرة في هذا الملف؛ فهي إحدى أهم المؤسسات التي يمكن أن تقود عملية تطوير الذائقة الفنية، وتدعم الفرق الموسيقية، وتكتشف المواهب، وتفتح جسور التواصل مع المؤسسات الثقافية والفنية العربية والدولية.
ومن المهم أيضًا ألا ينفصل المهرجان عن قضية الاستثمار الثقافي.. فالثقافة إستثمار في الإنسان والوعي والهوية والقوة الناعمة.. وكل جنيه يُنفق على فعالية ذات قيمة فنية ومعرفية يمكن أن يعود على المجتمع في صورة وعي، وانتماء، وإبداع، وفرص جديدة للفنانين والعاملين في الصناعات الثقافية.
ولهذا عزيزى القارئ فإن البحث عن رعاة وشركاء من القطاع الخاص لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره بديلًا عن دور الدولة، بل باعتباره أحد مسارات توسيع قاعدة المشاركة المجتمعية في العمل الثقافي، شريطة الحفاظ على استقلال القرار الفني والرسالة الثقافية.
وفي النهاية، يبقى مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية أكبر من أي دورة، وأبقى من أي خلاف عابر حول تفاصيل تنظيمية أو إدارية.
إنه ذاكرة فنية عربية، ومنصة للحوار، ومدرسة لتعليم الأجيال قيمة الفن، وجسر يصل الماضي بالحاضر والمستقبل.
واخيرا وليس بآخر.. فمن حق هذا المهرجان علينا أن نناقش تطويره وننتقد أداءه ونطرح الأسئلة حول مستقبله، لكن الأهم أن يكون النقد من أجل البناء، وأن يكون الاختلاف مدخلًا إلى الأفضل، لا سببًا لهدم ما تحقق.. فالثقافة المصرية لا تحتاج إلى معارك حول الأشخاص بقدر ما تحتاج إلى حوار حول المشروعات..
ومشروع الموسيقى العربية يستحق أن يبقى حيًا ومتجددًا؛ لأن مصر التي صنعت جزءًا كبيرًا من الوجدان الموسيقي العربي، قادرة أيضًا على أن تقود مرحلة جديدة من الإبداع، تجمع بين أصالة التراث وجرأة المستقبل..
فالموسيقى العربية هى صوت مصر حين تتحدث عن ذاكرتها، وصوت المستقبل حين تمنح أجيالها الجديدة فرصة أن تغني.