|
القاهرة 29 سبتمبر 2026 الساعة 10:26 ص

بقلم: حسين عبد الرحيم
عن أي الأشياء أو الذكريات، كنت أبحث في مرايا ملاعق البلاتينيوم التي أهدانا أياها التينور الذي سكت عن التغريد منذ سنوات، حسن كامي الذي شاركته في العمل المسرحي دلع الهوانم في العام 1990 /1991، للمخرج سيد راضي، والذي كان قد عزمنا على عشاء فاخر أنا ونور الشريف وبوسي ونجاح الموجي وحسن حسني ومحمد رضا وهالة فاخر وفادية عكاشة ومجدي إمام وكل الكاستينج المساعد محمد رشدي وفوزي وفنيين بل وموسيقين آخريين..
هل كنت أستعيد ما مضي من ذكريات، أم عن تلك الغصة والحسرة والعزلة التي يتعرض لها الفنان في مصر بعد أن يعتزل الساحة الفنية بإرادته ولحزنه، إما رغما عنه ولحزنه أيضا وإما لشعوره بالا جدوى والوحدة وبتر كل ماضيه مما صنع وبنى فتعالى وضحى وتفرد في مساحات شاسعة شتي ما بين درجات ومسارات مختلفة حاذقة من مسارات الفنون؟!
كانت الأرجوحة، من مخمل وحرير تتأرجح عليها النجمة سليلة المجد التركي أو الشركسي "بوسي" والتي كانت تكن للراحل كل تقدير وتصر بشياكة على أن تطلب منه أن يجهر بغناه الأوبرالي وطبقاته الصداحة المدوية بصفته تينور حتى أعلى إستيدج مسرح الهوسابير وقت بروفات العرض أو النص المسرحي "دلع الهوانم" التي زاعت وقت سهرتنا وامتثالنا للعزومة في فيلته الشيك بالمريوطية، والذي صنع لنا فيها الخراف على الفحم قبل وصولنا بساعتين، وليهدي كلا منا ملعقتين من البلوتونيوم، واحدة كبيرة وأخرى للشاي، بخفة وثقة ومن خلفها: بوسي، خطى المخرج سيد راضي وليتحدثن في انزواء قبل الفجر بدقائق، عن مشروعات جديدة قادمة في المسرح تجمعها بنجاح الموجي وحسن كامي، وفي تفاصيل سرية، تتناول نص "شبح الأوبرا" كأول عرض وتمصير مصري ينتجه كامي وراضي على مسرح الأوبرا مع العام 92، بعيدا عن غيرة دفينة وهشاشة تصطنعها هالة فاخر في وجود النجمة الراقية بوسي التي تشاركها البطولة فعلا ينتهي الخلاف، عن الأجر الشهري والبوسترات ومساحات الدور والفارق الشاسع حتى في الملامح والنكهة وطعم الكلم في حوارات "دلع الهوانم" العرض الذي صار أيقونة للتنافس المرح والفاتن في العام 91، كامي الذي كان يحضر بعربته المرسيدس قبل موعد العرض بساعة في التاسعة بالضبط ليلج الكواليس في خفة وثقل، خفة التينور الذي عاد لتوه من باريس ليتم الاتفاق مع "كلود رطل" السبرانو والمخرج أيضا لإتمام الاتفاق على خمسة عشر يومًا لعرض "أوبرا عايدة" على مسرح دار الأوبرا المصرية في مجدها التليد فترة الفنان فاروق حسني.
حسن الذي كان يبهرنا بأداء وسلوكيات ومفردات التحاور والتحدث مقدمًا مفردته الثابتة والتي تعبر عن رقي وثقافة عتيدة أرستقراط فخيمة: (يا فندم مساء الخير، كنت أريده قارئًا لنص قصصي كتبته في ورقة صغيرة طويته في غرفة ملابسي لأعرضه عليه، وكأن القدر يرتب أحاديث أخرى تقربني أكثر للرجل الذي سمعته يهمس في أذن المخرج سيد راضي في كواليس "بروفة جنرال" ل "دلع الهوانم" ويقول له بحدة أنت تعلم يا سيد بيه معزتي ل نجوى ولذلك دائما ما تصاحبني في كل أعمالي.
ونجوى هي زوجة الفارس كامي الذي ترجل كثيرًا وصال وجال على مدار سنوات عشر ليقدم عشرات الأفلام التي راكمت كثيرًا من خصوصية وحنكة الأداء التمثيلي الأرستقراطي الثقيل، بخفة رجل لف ودار واخترق كل الثقافات من خلال شركته التي لم تزل قائمة ولكن بلا نشاط في عنوانها الكائن بشارع شريف معقل البرجوازية الكبرى وبقايا ارستقراط سكان وأعمال ونشاطات الكبار في القاهرة العتيدة.
مصر التي وعاها وفهمها، فاختزل حسّها وتناقضاتها وولعها بالجديد الفريد في الفن فكان نشاط كامي بعد ممارسة أعماله، أو عمله ونشاطه الخاص في السياحة أن يعرج على مناطق واعرة فيقوم بإتمام عشرات الاتفاقيات فيما يخص تواصل الفنون كلها مسرح وسينما وموسيقى وأوبرا وترويج وحتى دراما مرئية تتحرك أشباحها بجدية وفتن على خشبات مسارح مصر في القاهرة في صفقات مبهرة كانت عصية على الجميع، سواءً على المستوى الرسمي أو الشخصي أو حتي التجاري، وغالبية مسارح العالم حتى "برودواى"، الذي قدم عليه أوبرا عايدة كا "تينور" في العام 1988.
لقد كان الراحل يجيد التحدث مع رموزه ومسؤولِيِه في ما يعود على بلده وثقافته بأشكال ثمينة من فنون عتيقة تسهم وتروج للبلد في أشد الفترات السياسية وعورة في مزانق وهوات الإرهاب الذي جاء على مهل، ومباغت أحيانا في بدء العقد الثاني فترة حسني مبارك.
مع تجلي آخر مشاهد مقاومة القبح والإرهاب بالفن الراقي، كان الرجل يصدح، حتى إنه لم ينسَ أن ينفحنى أربع دعوات لحضور أوبرا عايدة في عرض ساحر وفرت له كل عناصر النجاح والفتون والبهرجة ذوات المضامين العريقة ليرى المشاهد في مصر وأرجاء العالم كافة ماهية ومكانة مصر، مع "راداميس وعايدة"، وليرى الفنان الرهيف حسن كامي في يوم العرض الخامس والثلاثين وهو يأتي على عجل لعتبات مسرح "الهوسابير" ويخبرني بشبه بطولة في فيلم "سمع هس"، مع ليلى علوى وشريف عرفة، قدم أشكالا من التجريب والفانتازيا التي تبوح ولا تصرح، بتناقضات جمة فيما يخص الإعلامي والسياسي والاجتماعي الفني والإبداعي ساهمت في بروز شبه تيار سينمائي فانتازي لم تمهله حركة صناعة السينما في بلورته للبناء عليه، تجلت سينما المقاولات لتعطي الشرعية لهدم الجيد الهادف وطمسه، والإعلاء من قيمة الهلس بموضوعات تناقش سرقة الأفكار والأعمار . في متون، "سمع هس".
كان الرجل متعدد المواهب وزوايا النظر وتحديدا في مسار الفن والمغزى الجمالي منه على وجه التحديد، وكيف لا وهو صاحب منمنمات تشكيلية حتى في ديكورات شركته وملابسه واختياره لألوانه ومكتبته الكبيرة متعددة المعارف بلغات شتى"بون فوياج" القابعة في شارع ثروت والتي لا نعلم ما هو مصيرها بعد رحيله واستغاثات لوزيرة الثقافة ووزارتها لشرائها، بوسط القاهرة ومكتبه بالأوبرا الذي لاينقص شيئا ما يذكر من كبريائه ولا حتى تواضعه الجم في التعامل مع خلق الله كافة،
وعندما اطمئنَّ لتركيبتي الإنسانية، وبدافع من الجميل الراحل المخرج "سيد راضي" كنا قد صرنا أصدقاء وتحديدا عندما نما إلى علمه طبيعة عملي كمحرر ثقافي وفني بجريدة الوفد عهد جمال بدوي ليدعوني بعد مكالمة أثيرة وحانية من أب لفتى في ريعانه، ينطلق نحو عتبات الجسارة في مسار الإضافة في تحصيل وهضم ماهيات الفنون، اتصل بي وقت التصوير ليعطيني صورًا فوتوغرافية من فيلم "سمع هس" تجمعه ببطلته ليلى علوي وممدوح عبد العليم الذي رشح بالأمس من قبل لجنة المهرجانات لتمثيل مصر في مهرجان "مونتريال" وسفره مع ليلى وشريف عرفة لكندا بعد أسبوعين، وليفاجئني بالمفردات نفسها التي كانت تخجلني، تفضل يا فندم.
وفتح الألبوم لتسقط الصور، وأرى في تحديقَة عابرة لقطة لسيدة مدهشة فائقة الجمال طاغية المظهر وأنا أتلمس المعالم ومعان ارتباكه صامتا مندهشاً أسأله لمن هذه الصور فيقول باستحياء وهو يقبض علي يدي كأنه يخشر بالغيرة سلاحا للاحتفاظ بخصوصياته في حياة رومانتيكية قويمة تجمعه، بحبه وعشقه الذي لم ينزوِ ولم يفتر ولن يتراجع ل نجوى: الزوجة ومن قبلها الصديقة والعاشقة والحبيبة التي رحلت قبل وفاته بشهور قليلة لتتجلى التفاصيل الشخصانية للفنان حسن كامي، رباطة جأش تطول وتتمدد وتتعمق وتربط بين الرجل وزوجته التي تشاركه هواياته نفسها وطرائق عمله وعشقه للفنون والسفر، بلمعة وبريق عينهما معًا في كل المطارح، وهي الضاحكة والحاضرة بخفة هانم تنتمي لزمن مخملي غادر مصر في كل تفاصيل البشر والسلوكيات منذ أن جاء رجال يوليو الأحرار!
حسن كامي المختلف الذي توفي في الرابع عشر من ديسمبر العام 2018 حاملا معه مئات الأسرار من كواليس الذاتي والشخصي والفني وحتي الاجتماعي وتحديدًا في إطاره الذاتي وهو المولود في العام 1936، والذي لن أخوض كثيرا في ديانته طالما كان حب الناس والبشر والفن وعشق الحياة هم مذهبه وطريقه للتعامل مع الناس في خطاب مؤدب ومثير للإعجاب من الأطراف والاتجاهات كافة.
ومما يثير التأمل فيما يخص مرايا الراحل المتعددة الظلال والشبحية في مواقيت ما تجلت وانتفضت وتعرت وطفت على سطح حياته فنجح كثيرا في إخفائها، وكان منها رحيل ابنه البكر الذي فرم حياته فجعل منها غرف ثلاث تفصل بينها ستائر الذكريات، فالفن في جانب أو غرفة، والعمل في غرفة أخرى ومعاملة البشر في الخلف وواجهة وتركيبة وإصرار الرجل في المودة وحب الجميع، وكأنه اتخذ قراره بتعميق هذه السلوكيات والأدوات لتصبح فاصلا يخفي حزنه المقيم .
قدم كامي عشرات الأعمال الدرامية ما بين السينمائية والمسرحية والتليفزيونية فكان يتنقل بعربته بين الإستديوهات وخشبات المسرح وإدارته لفرقة أوبرا القاهرة: بسيارته ولا يفيق إلا بعد منتصف الليل بساعات أربع..
ليترك عشرات الدرر واللآليء. كان أبرزها أفلام "سمع هس" ومسلسلات بوابة الحلواني و"أنا وأنت وبابا في المشمش، ورأفت الهجان ليحيى العلمي و"الخواجة عبد القادر"، للكاتب عبد الرحيم كمال.
تخرج كامي من مدارس الجيزويت، والتحق بأكاديمية الفنون ليدرس في معهد الكونسرفتوار ويشارك في بطولة العشرات من الأعمال الأوبرالية وتولى رئاسة فرقة الأوبرا وأصبح مستشارا ونائبا فنيا لرئيس دار الأوبرا في العام 90.
حسن كامي الذي ترك واعتزل التمثيل والفن في صمت والذي ودعه أحباؤه من مسجد السيدة نفيسة تاركا غصة في الحلق والنفس ووجع في الروح، صدرهم لنفسي وأنا الذي ذهبت لأحاوره قاصدا عبد الخالق ثروت. الشارع، والنوافذ المغلقة لشركته وذكرياته في مكتبته في "بون فوياج"، المجد والحصاد والصمت والعزلة وبقايا الذكريات . إلا من أحاديث تترى ترددها الحواس في خرس، عن زوجته رفيقة الحياة وولده الذي مات في العشرين وقت ان كان يستعد الراحل للاحتفاء بتخرجه من قسم المسرح في الجامعة الأمريكية.

|