|
القاهرة 08 سبتمبر 2026 الساعة 10:22 ص

بقلم: د. هويدا صالح
ثمة كلمات تبدو بسيطة إلى الحد الذي يجعلنا نمرّ عليها دون أن نتوقف عندها. ومن بينها كلمة "الانتباه". فنحن ننتبه إلى شيء، ونغفل عن آخر، ونوزع انتباهنا بين أشياء كثيرة، من دون أن نفكر غالبًا في أن الانتباه نفسه فعلٌ من أفعال الاختيار؛ اختيار ما يستحق أن نراه، وما يمكن أن نتركه في الخلفية.
لكن ماذا يحدث حين يصبح الانتباه مبدأً لتنظيم المعلومات؟
هذا السؤال، وإن بدا للوهلة الأولى بعيدًا عن التأمل الثقافي، يقود إلى واحدة من أكثر التحولات أهمية في تاريخ تطور الذكاء الاصطناعي الحديث. ففي البحث العلمي الذي نشره عدد من الباحثين عام 2017 تحت عنوان "الانتباه هو كل ما تحتاج إليه"، ظهر تصور جديد لبناء نماذج قادرة على التعامل مع اللغة، يقوم على الانتباه والعلاقات بين عناصر النص، بدل الاعتماد على المعالجة المتتابعة التي كانت سائدة في النماذج السابقة.
لم تكن المسألة مجرد تحسين تقني في سرعة معالجة اللغة، بل كانت تغييرًا في الطريقة التي يُنظر بها إلى العلاقة بين أجزاء الكلام. فالنماذج السابقة كانت تتعامل مع الجملة باعتبارها مسارًا ينبغي عبوره خطوة بعد خطوة، كلمة تأتي بعد أخرى، ومعلومة تُعالج ثم تنتقل إلى التالية. وكان هذا التتابع يمنح ترتيب الكلمات دورًا أساسيًا في عملية الفهم، لكنه في الوقت نفسه يفرض حدودًا على سرعة المعالجة وإمكان التعامل المتوازي مع المعلومات.
أما النموذج الذي يقترحه البحث، فينطلق من فكرة مختلفة: ليس من الضروري أن تمر المعلومات في طريق واحد متتابع لكي تُفهم علاقاتها. يمكن لكل عنصر أن ينظر إلى العناصر الأخرى، وأن يحدد، وفقًا للسياق، أيها أكثر أهمية بالنسبة إليه. وهنا يصبح الانتباه وسيلة لاكتشاف العلاقات داخل النص، لا مجرد محطة عابرة في عملية المعالجة.
بهذا المعنى، ينتقل التفكير من منطق "التتابع" إلى منطق "العلاقة".وهذا الانتقال هو، ربما، أكثر ما يمنح البحث أهميته التي تتجاوز حدود التقنية. فالمعلومة لا تكتسب قيمتها فقط من وجودها، وإنما من علاقتها بما حولها. والكلمة، مثل الإنسان، لا تعيش في عزلة، معناها يتغير بحسب الكلمات التي تجاورها، وبحسب السياق الذي تظهر فيه، وبحسب العلاقات التي تنشأ بينها وبين غيرها.
وقد عرّف البحث آلية الانتباه باعتبارها طريقة لتحديد مدى ارتباط عنصر بعناصر أخرى، ثم استخدام هذا الارتباط في بناء تمثيل جديد للمعلومة. وبعبارة أبسط، لا تُعامل جميع العناصر باعتبارها متساوية في الأهمية؛ بل يجري توزيع الاهتمام بينها بحسب علاقتها بالسياق.
وهنا تظهر فكرة أخرى أكثر إثارة: ليس هناك بالضرورة طريق واحد للنظر إلى المعلومة. يقترح البحث استخدام عدة رؤوس للانتباه تعمل في الوقت نفسه، بحيث يستطيع كل منها أن يركز على علاقات مختلفة داخل النص. وقد أظهرت التجارب أن بعض هذه الرؤوس يتعلم أنماطًا مختلفة من العلاقات، بعضها يرتبط بالبنية النحوية وبعضها بالعلاقات الدلالية بين الكلمات.
وإذا ابتعدنا قليلًا عن اللغة التقنية، يمكن أن نجد في هذه الفكرة صورة قريبة من فعل القراءة نفسه. فالقارئ الواحد لا يقرأ النص بعين واحدة بالمعنى المعرفي. قد يقرأه مرة بحثًا عن الحكاية، ومرة بحثًا عن دلالة خفية، ومرة منتبهًا إلى أسلوب الكاتب، ومرة أخرى متوقفًا عند علاقة شخصية بأخرى. النص واحد، لكن طرائق الانتباه إليه متعددة. وما يتغير ليس النص وحده، بل ما نراه فيه.
ومن هنا يمكن فهم تعدد مسارات الانتباه في النموذج بوصفه تعددًا في طرق النظر إلى المادة نفسها. ليست الغاية أن نختار علاقة واحدة ونستبعد ما عداها، وإنما أن نسمح لعلاقات مختلفة بأن تظهر في الوقت نفسه، ثم تتجمع في بناء أكثر قدرة على تمثيل المعنى.
لكن ثمة مشكلة أخرى واجهت هذا التصور، إذا كان النموذج لا يعتمد على التتابع كما كانت تفعل النماذج السابقة، فكيف يعرف ترتيب الكلمات؟ كيف يميز بين جملة تتقدم فيها كلمة على أخرى، وجملة يتغير معناها إذا تغير هذا الترتيب؟
لهذا أضاف الباحثون ما سموه "الترميز الموضعي"، أي وسيلة تمنح النموذج معلومات عن موقع كل عنصر داخل التسلسل، من دون أن تجبره على معالجة العناصر واحدًا بعد الآخر. وقد استخدموا لذلك أنماطًا رياضية دورية تسمح بتمثيل المواقع المختلفة داخل التسلسل.
وهذه النقطة تبدو أكثر أهمية مما قد توحي به تفاصيلها الرياضية. فالابتكار هنا لا يقوم على إلغاء الترتيب، وإنما على الفصل بين معرفة الترتيب وبين الاضطرار إلى السير فيه خطوة خطوة. وهذا فرق دقيق، لكنه جوهري،
فليس مطلوبًا لكي نعرف موقع الشيء أن نصل إليه عبر الطريق نفسه الذي سلكه من سبقه. يمكن أن نحتفظ بفكرة النظام والترتيب، من دون أن نجعل التتابع شرطًا وحيدًا للوصول إلى المعنى.
وقد وجد الباحثون أن هذا البناء يسمح بتقليل عدد العمليات المتتابعة اللازمة للوصول إلى العلاقات البعيدة داخل النص، كما يجعل معالجة أجزاء متعددة من المعلومات في الوقت نفسه أكثر كفاءة. ولعل القيمة الحقيقية لهذا التحول تظهر عندما نتذكر طبيعة المشكلة التي كان البحث يحاول حلها. فاللغة ليست مجرد سلسلة من الكلمات المتجاورة، وإنما شبكة هائلة من العلاقات. قد تكون كلمة في بداية الجملة مرتبطة بكلمة في نهايتها، وقد يتحدد معنى عبارة كاملة من خلال كلمة بعيدة عنها. وكلما طال النص، أصبح الاعتماد على المرور المتتابع أكثر تعقيدًا. من هنا جاء الانتباه بوصفه طريقة لاختصار المسافة بين العناصر.
إنه لا يلغي المسافة، لكنه يجعل الوصول إلى العلاقات البعيدة أكثر مباشرة. وهذا ما يفسر أيضًا النتائج التي حققها النموذج في ترجمة اللغات. فقد سجل البحث نتائج متقدمة في اختبارات الترجمة الآلية، مع قدرة أكبر على الاستفادة من المعالجة المتوازية وتقليل زمن التدريب مقارنة بالنماذج التي كانت تعتمد بصورة أساسية على المعالجة المتتابعة.
لكن أهمية البحث لا تتوقف عند الأرقام، فاللافت أن الباحثين أنفسهم لم ينظروا إلى النموذج بوصفه حلًا نهائيًا لمشكلة محددة، وإنما أشاروا إلى إمكانية توسيع استخدام هذا النوع من الانتباه إلى مجالات أخرى، ومنها الصور والصوت والفيديو. وهنا تبدأ الدلالة الأوسع.
لقد نشأ البحث من سؤال تقني يتعلق بكيفية معالجة اللغة، لكنه قدم في الوقت نفسه تصورًا جديدًا لطريقة تنظيم المعلومات: ليست القوة دائمًا في معالجة كل شيء بالترتيب نفسه، وإنما في القدرة على تحديد ما ينبغي أن يحظى بالاهتمام، وما العلاقات التي تستحق أن تُرى، وكيف يمكن جمع وجهات نظر متعددة في صورة واحدة أكثر ثراءً.
وهذه الفكرة تكتسب راهنيتها في عالم أصبحت فيه المشكلة مختلفة قليلًا. نحن لا نعيش اليوم في عصر نقص المعلومات، بل في عصر فائضها. تصل إلينا آلاف الإشارات في اللحظة نفسها، وتتنافس الأخبار والصور والآراء والتنبيهات على جزء محدود من انتباهنا. لم يعد السؤال فقط: كيف نحصل على المعلومات؟ بل أصبح السؤال الأصعب: كيف نعرف ما الذي يستحق انتباهنا؟
من هذه الزاوية، يبدو الانتباه أكثر من مجرد أداة تقنية. إنه طريقة لتنظيم العالم، فالإنسان لا يستطيع أن يرى كل شيء بالدرجة نفسها من الأهمية. وكل فعل فهم هو، في جانب منه، فعل اختيار: ماذا أضع في المقدمة؟ ماذا أترك في الخلفية؟ ما العلاقة التي أبحث عنها؟ وما الذي لا أراه لأنني قررت، بوعي أو من دونه، أن أنظر في اتجاه آخر؟
ولا يعني هذا أن النموذج التقني يفكر كما يفكر الإنسان، أو أن آلية الانتباه فيه مساوية للانتباه الإنساني. مثل هذه المطابقة لا يقدمها البحث نفسه. لكن التشابه في الاسم يتيح لنا، على المستوى الثقافي والفلسفي، أن نتأمل في فكرة أصبحت مركزية في عالمنا: المعرفة لا تتعلق بامتلاك المعلومات وحدها، بل بطريقة ترتيب أهميتها.
ربما لهذا تبدو عبارة "الانتباه هو كل ما تحتاج إليه" أكثر إثارة للتفكير من كونها مجرد عنوان لبحث علمي.فالانتباه ليس كل ما نحتاج إليه لفهم العالم، لكنه قد يكون الشرط الأول لكي نعرف من أين نبدأ.
وفي عالم تتكاثر فيه المعلومات إلى حد يفوق قدرتنا على استيعابها، ربما لا يكون التحدي الأكبر هو أن نرى أكثر، وإنما أن نتعلم كيف نرى. وأن نعرف، قبل كل شيء، إلى أين ينبغي أن يتجه انتباهنا.
|