القاهرة 28 أغسطس 2026 الساعة 02:38 ص
بقلم: محمد خضير
• «الدراما الدينية والتاريخية ودورها في تنمية ثقافة المجتمع».. لقاء يستعيد خبرات جيل من صُنّاع الصورة.. ويكشف أسرار الديكور في الأعمال الخالدة
في أجواء ثقافية احتفائية تتزامن مع ذكرى المولد النبوي الشريف، أقامت شعبة السيناريو والدراما بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر برئاسة الدكتور علاء عبد الهادي، فعاليتها الثقافية لشهر أغسطس، تحت عنوان «الدراما الدينية والتاريخية ودورها في تنمية ثقافة المجتمع».
وجاء اختيار موضوع الندوة متسقًا مع أجواء الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف، وفي محاولة لفتح مساحة للحوار حول الدور الذي لعبته الدراما الدينية والتاريخية في تشكيل الوعي الجمعي، وتقديم التاريخ والتراث والشخصيات المؤثرة للأجيال عبر الشاشة، إلى جانب التوقف أمام العناصر الفنية التي أسهمت في صناعة الصورة الدرامية، وفي مقدمتها هندسة الديكور والنحت والمناظر.
وترأست اللقاء الشاعرة والإذاعية الدكتورة أحلام أبو نوارة، رئيس شعبة السيناريو والدراما، التي حرصت على أن تستضيف أربعة من أبرز أصحاب الخبرات في مجال هندسة الديكور والخدمات الفنية بقطاع الإنتاج خلال حقبته الذهبية، لتتحول الندوة إلى شهادة حية على تجربة مهنية وفنية ثرية امتدت لعقود.
وضمت منصة اللقاء مهندسة الديكور قوت القلوب علي أغا، مدير عام الإدارة العامة للديكور والمناظر بقطاع الإنتاج سابقًا، والفنان التشكيلي ومهندس الديكور والنحات نبيل الشاذلي، مؤسس ورئيس قسم النحت بقطاع الإنتاج سابقًا، والمهندس زكي حسن الشافعي، استشاري تصميم الديكور ومدير عام الورش بمدينة الإنتاج الإعلامي سابقًا، والفنان التشكيلي والكاتب ومهندس الديكور والمناظر أبو الفتوح البرعصي.
• قوت القلوب.. ذاكرة بصرية لأعمال صنعت وجدان المشاهد
وقدمت الدكتورة أحلام أبو نوارة ضيفتها مهندسة الديكور قوت القلوب علي أغا، باعتبارها واحدة من الأسماء البارزة في تاريخ الديكور الدرامي المصري، حيث تولت سابقًا مسؤولية الإدارة العامة للديكور والمناظر بقطاع الإنتاج، وشاركت في صناعة الصورة البصرية لعدد كبير من الأعمال الدرامية والتاريخية والدينية التي تركت حضورًا راسخًا لدى الجمهور.
وتوقفت الندوة بشكل خاص أمام تجربتها في تصميم ديكورات الأجزاء الثلاثة من مسلسل «رأفت الهجان»، أحد أشهر الأعمال في تاريخ الدراما المصرية، حيث استطاعت، بإمكانات إنتاجية محدودة مقارنة بما هو متاح اليوم، أن تقدم بيئات بصرية تحاكي أماكن متعددة خارج مصر، من بينها ألمانيا وقبرص، إلى جانب مواقع التصوير داخل مصر، بما منح العمل قدرًا كبيرًا من المصداقية البصرية.
كما ارتبط اسمها بأعمال جماهيرية بارزة، من بينها مسلسل «لن أعيش في جلباب أبي»، الذي ظل ديكوره جزءًا من ذاكرة المشاهدين، فضلًا عن مجموعة طويلة من الأعمال التي استعرضتها خلال اللقاء وفق تسلسلها الزمني، من بينها: «جوازي بلا قيود» عام 1984، «السهرة التليفزيونية الحلقة المفقودة» عام 1986، «فيلم البيات الشتوي» عام 1987، «سهرة أبدًا لن أنساه» عام 1988، وأجزاء «رأفت الهجان»، و«اللعبة المجنونة»، و«كلام رجالة»، و«غاضبون وغاضبات»، و«أيام المنيرة»، و«زواج بدون إزعاج»، و«سعيكم مشكور»، و«الدنيا لما تلف»، و«الإمام ابن حزم»، و«ألف ليلة وليلة.. ضوء المكان وبدر التمام»، و«سيف اليقين»، و«الهودج»، و«حلقت الطيور نحو الشرق»، إلى جانب «الظاهر بيبرس»، و«القضاء في الإسلام»، و«المرأة في الإسلام»، و«صقر قريش.. عبد الرحمن الداخل»، وغيرها من الأعمال.
وأكدت قوت القلوب، أن هندسة الديكور ليست مجرد مهارة تنفيذية، وإنما هي موهبة وعلم وممارسة، تبدأ من قراءة السيناريو وفهم قيمة العمل وتفريغ المشاهد الداخلية والخارجية، والليل والنهار، ثم البحث في المراجع والتاريخ الخاص بالحقبة الزمنية التي تدور فيها الأحداث.
وأوضحت: أن العمل يبدأ كذلك بالزيارات الميدانية برفقة المخرج، واختيار أماكن التصوير الخارجي، ووضع تصور متكامل للبلانات والرسوم الكروكية، ورفع المقاسات قبل إعداد بلان الديكور، مع وضع حلول وبدائل لما قد يستجد أثناء التنفيذ والتصوير، فضلًا عن الحفاظ على «الراكور» بما يضمن استمرارية الصورة في المشاهد التي يتم تصويرها على مراحل.
وكشفت عن زيارات قامت بها إلى عدد من السفارات والكنائس والمعابد في القاهرة والإسكندرية، بهدف الوصول إلى أفضل معالجة بصرية ممكنة في الأجزاء الثلاثة من «رأفت الهجان»، مؤكدة أن نجاح الديكور في الأعمال الدينية والتاريخية يتطلب قراءة واسعة ووعيًا بالتاريخ والجغرافيا والتفاصيل المعمارية.
ووجهت رسالة إلى جيل الشباب من مهندسي الديكور، دعتهم فيها إلى القراءة والاطلاع والمتابعة المستمرة لتطورات العصر والاستفادة من التكنولوجيا والإمكانات المتاحة لتحقيق الرؤية الفنية المطلوبة، خاصة في الأعمال الدينية والتاريخية التي تحتاج إلى قدر كبير من الدقة والبحث.
• نبيل الشاذلي.. النحت في خدمة الدراما
وانتقلت المنصة إلى الفنان التشكيلي والنحات المهندس نبيل الشاذلي، مؤسس ورئيس قسم النحت بقطاع الإنتاج سابقًا، وعضو هيئة التدريس في مجال النحت بكلية الفنون الجميلة بجامعة المنيا، والذي ارتبط اسمه بتصميم وتنفيذ الأعمال النحتية في عدد كبير من الأعمال الدرامية الدينية والتاريخية بقطاع الإنتاج.
واستعاد الشاذلي جانبًا من تجربته المهنية الطويلة، موضحًا كيف جرى توظيف النحت لخدمة رؤية مهندس الديكور والمخرج، مستعرضًا عددًا من المواقف والكواليس المرتبطة بتنفيذ الديكورات التاريخية، ومن بينها ديكور البر الغربي وتمثال أبو الهول وعلاقته بالهرم بمدينة الإنتاج الإعلامي.
كما تحدث عن مشاركته في تنفيذ ديكور «رحلة العائلة المقدسة»، بالتعاون مع الفنان والمهندس محمد العزب، كبير مصممي النحت بقطاع الإنتاج، وما تضمنه العمل من لوحات جدارية وأعمال للنحت البارز والغائر.
وأكد أن كل مشقة العمل كانت تتراجع أمام لحظة رؤية الحلقة الأولى على الشاشة، قائلًا إن إحساس الفنان بالتقدير عندما يرى ثمرة جهده أمام الجمهور يمثل مكافأة حقيقية لكل ساعات التعب والسهر.
ووجه الشكر إلى كتيبة قسم النحت التي شاركته العمل، ومن بينهم المهندس محمد العزب، والمهندس علي، والراحل يسري، والدكتور رمضان، والمهندسة حنان، والمهندس عادل نخلة.
وتحدث الشاذلي كذلك عن علاقته بالنحت، مؤكدًا أنه اختار التخصص عن قناعة بعد تفوقه في مادة النحت خلال السنة الإعدادية بكلية الفنون الجميلة، ليواصل بعد ذلك مسيرته الفنية في هذا المجال، مستخدمًا خامات متعددة، من بينها الصلصال والطين الأسواني والفوم والجبس والبوليستر والحديد والألومنيوم والخشب.
• زكي الشافعي.. خبرة الديكور بين التلفزيون ومدينة الإنتاج
ثم قدمت الدكتورة أحلام أبو نوارة المهندس زكي حسن الشافعي، أحد أصحاب الخبرات البارزة في مجال تصميم وتنفيذ الديكور بقطاع الإنتاج ومدينة الإنتاج الإعلامي.
وتخرج الشافعي في كلية الفنون التطبيقية بجامعة حلوان عام 1986، وبدأ خلال دراسته العمل في مجال التصميم المعماري مع الدكتور أحمد عطا، عميد الكلية آنذاك، قبل أن يُعيّن مصمم ديكور بقطاع الإنتاج بالتليفزيون المصري عام 1994.
وشارك في تصميم وتنفيذ ديكورات عدد من الأعمال الدينية والتاريخية، من بينها «القضاء في الإسلام» و«المرأة في الإسلام» و«عصر الأئمة» و«رياح الشرق» و«الهودج» و«الفتح المبين»، إلى جانب أعمال درامية أخرى مثل «زيزينيا» و«ذنوب الأبرياء» و«عاصفة من الماضي» و«حلقت الطيور نحو الشرق».
كما شارك في تصميم وتنفيذ ديكورات حفلي افتتاح وختام مهرجان القاهرة الدولي العاشر للإذاعة والتليفزيون، واحتفالات مصر بعيد الإعلاميين، فضلًا عن مساهمته في إنشاء عدد من المواقع بمدينة الإنتاج الإعلامي، ومنها حي جاردن سيتي، وتصميم وإنشاء مبنى المطافئ والبوسطة.
وأشار إلى أن انتدابه مديرًا عامًا للورش بمدينة الإنتاج الإعلامي أتاح له العمل في مساحات واسعة ومشروعات إنتاجية ضخمة، والتعامل مع إنشاء أحياء وبيئات درامية متنوعة، منها الحي الفرعوني والحي البدوي والحي الريفي وجاردن سيتي.
واستعاد موقفًا حصل خلاله على تقدير ومكافأة من وزير الإعلام الأسبق صفوت الشريف، بعد تقديم حلول تصميمية خاصة بزوايا الكاميرا لتصوير إحدى الفقرات الموسيقية في مدخل إحدى العمارات.
• أبو الفتوح البرعصي.. بين الديكور والتشكيل وتصحيح اللهجة
أما الفنان التشكيلي والكاتب ومهندس الديكور أبو الفتوح البرعصي، مؤسس ورئيس رابطة فناني ماسبيرو التشكيليين، فتناول جانبًا من رحلته بين الفن التشكيلي وهندسة الديكور، مستعرضًا مشاركاته في عدد من الأعمال الدرامية، منها برنامج «رئيس التحرير»، ومسلسل «المحاربون» مع مهندسة الديكور راوية بياض، و«الحسن بن الهيثم» مع المهندسة نهى النحاس، و«بدارة» مع المهندسة حميدة إسماعيل، و«نسر الشرق» بجزأيه، و«الفتح المبين.. عقبة بن نافع»، فضلًا عن مشاركته في مسلسل «الهودج».
وأشار "البرعصي" إلى أن مشاركته في «الهودج» جاءت ضمن فريق الديكور بقيادة المهندسة قوت القلوب، وبمشاركة المهندس زكي الشافعي وياسر الجمل وباهر حمادي، والعمل من إخراج وجيه الشناوي، موضحًا أنه شارك إلى جانب الديكور والمناظر في تصحيح اللهجة البدوية.
كما شارك في تصميم وتنفيذ ديكور مسلسل «أشجار النار»، للمخرج عصام شعبان، وهندسة الديكور للمهندس ممدوح عبد القوي والمهندسة داليا بدران.
ولم تتوقف تجربته عند الدراما، إذ شارك بإبداعاته التشكيلية في تجميل مبنى ماسبيرو، من خلال تصميم عدد من اللوحات الجدارية بخامة الفسيفساء في مداخل المبنى.
ـ ذاكرة جيل.. الديكور شريك أساسي في صناعة الدراما
وأبرزت المداخلات أن الدراما الدينية والتاريخية لا تُصنع بالسيناريو والإخراج والتمثيل وحدها، وإنما تقوم على منظومة فنية متكاملة، تلعب فيها هندسة الديكور والنحت والمناظر دورًا أساسيًا في إقناع المشاهد بالزمن والمكان والشخصيات.
كما كشفت شهادات المشاركين عن حجم الجهد الذي بذله صناع الدراما في فترات لم تكن التكنولوجيا الرقمية قد وفرت خلالها الأدوات الحالية، فكان البحث والمعاينة والرسم والتنفيذ اليدوي والدقة في التفاصيل هي الأدوات الأساسية لبناء عوالم درامية تبدو حقيقية أمام الكاميرا.
واستعاد أبو الفتوح البرعصي علاقاته المهنية والإنسانية بضيوف المنصة، مشيرًا إلى أن المهندس نبيل الشاذلي كان من أوائل من استقبلوه خلال السنة الإعدادية بكلية الفنون الجميلة، حيث كان معيدًا ودرّس لهم مقرر النحت.
وبعد تخرجه وسفره إلى ليبيا، حيث عمل محاضرًا بكلية الفنون والعمارة بجامعة عمر المختار لمدة خمس سنوات، عاد إلى مصر والتحق بالعمل مهندسًا للديكور والمناظر، ليجد من جديد المهندس نبيل الشاذلي في مبنى ماسبيرو.
كما تحدث عن انتقاله إلى الإدارة العامة للديكور بقيادة المهندسة قوت القلوب، بعد التدريب مع عدد من المهندسين، ثم اختياره للعمل ضمن فريقها في مسلسل «الهودج»، إلى جانب مهمته في تصحيح اللهجة البدوية.
ووصف علاقته بالمهندس زكي الشافعي بأنها علاقة زمالة وصداقة ومودة وتقدير، مؤكدًا أن هذه الروابط الإنسانية كانت أحد عناصر قوة جيل كامل من العاملين في المجال الفني.
• مداخلات تثري الحوار وتكريم أصحاب التجربة
وشهدت الندوة عددًا من المداخلات التي أثرت النقاش حول علاقة الدراما بالوعي والثقافة، وشارك فيها م. حنان عثمان، والكاتبة غادة مأمون، ومحمد سعيد التركي، والمهندس صلاح الحمري، وأحد الضيوف القادمين من الأقصر، ودكتورة متخصصة في مجال الصحة النفسية، وأ. سعيد بيومي، وأ. أحمد بوهيبة الفايدي، إلى جانب عدد من الحضور والمهتمين.
واختتمت الفعالية بفقرة التكريم، حيث كرمت الدكتورة أحلام أبو نوارة ضيوف المنصة، وقدمت لهم شهادات تكريم ومشاركة باسم شعبة السيناريو والدراما بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر، تقديرًا لعطائهم وإسهاماتهم في إثراء الدراما المصرية والحفاظ على الخبرات الفنية التي شكلت جانبًا مهمًا من ذاكرتها البصرية.
وشمل التكريم مهندسة الديكور قوت القلوب علي أغا، والفنان والمهندس النحات نبيل الشاذلي، ومهندس الديكور زكي الشافعي، والفنان التشكيلي ومهندس الديكور أبو الفتوح البرعصي.
وتولت الأستاذة عزة أبو العز توثيق فعاليات الندوة، التي اختُتمت بالتقاط الصور التذكارية للضيوف والمشاركين.
وهكذا لم تكن ندوة شعبة السيناريو والدراما مجرد احتفاء بذكرى المولد النبوي الشريف، وإنما تحولت إلى استعادة حية لذاكرة مهنية وفنية لجيل من صناع الدراما المصرية؛ جيل أدرك أن تقديم التاريخ والدين والتراث على الشاشة مسؤولية ثقافية وفنية، وأن التفاصيل الصغيرة في الديكور والنحت والمناظر قد تكون في أحيان كثيرة هي التي تمنح الحكاية صدقها، وتبقي صورتها عالقة في وجدان المشاهد.