|
القاهرة 18 أغسطس 2026 الساعة 02:34 م

قصة : حسن غريب أحمد
في الخامسة والنصف من فجر يومٍ شتوي، دوّى الانفجار في العمارة القديمة حتى ظنَّ أهل الحي أن البحر خرج من مكانه وضرب البيوت.
استيقظت «نوال» على صوت الزجاج وهو يرتجف في النوافذ، ثم سمعت صرخة زوجها:
لم تفهم.
ارتدى الرجل جلبابه على عجل، وخرج إلى السلم. كان الجيران قد سبقوه، يتدافعون نحو الطابق الثالث، حيث الشقة التي ظل بابها مغلقًا منذ شهور.
كان الحائط الفاصل بين الصالة والحمام قد اختفى.
ليس سقط.
اختفى.
بقيت الأعمدة في أماكنها، وبقيت الأرضية نظيفة إلا من طبقة رقيقة من التراب، وظلت الأبواب قائمة كأن أحدًا فكَّ الحائط من حولها بحذر شديد، ثم حمله بعيدًا.
لم يجدوا طوبة واحدة.
ولا قطعة إسمنت.
ولا أثرًا لانهيار.
وقف الحاج «مرسي»، أقدم سكان العمارة، يحدق في الفراغ.
قال أحدهم:
رد آخر:
- وانفجار الغاز يشيل الحائط ويسيب الباب؟
سكت الجميع.
ثم قال صوت من آخر السلم:
- الجن.
التفتت الرؤوس.
كان «سالم»، بائع الشاي، يبتسم ابتسامة صغيرة.
-قلت لكم من زمان... صاحب الشقة دي كان بيقرأ كتب غريبة.
انتشرت الكلمة أسرع من النار.
في المساء لم تعد العمارة عمارة.
صارت حكاية.
وفي اليوم التالي جاء عشرات الناس.
وفي الأسبوع التالي صاروا مئات.
كان الأطفال يقفون أمام العمارة ويشيرون إلى الشقة.
النساء يتهامسن.
الرجال يتفننون في اختراع التفاصيل.
قيل إن صاحبها كان يستحم باللبن.
وقيل إنه رسم دوائر على الأرض.
وقيل إنه استحضر جنًّا لم يستطع صرفه.
أما الرواية الأكثر إثارة فكانت أن الجن غضبوا منه، فحملوا الحائط وطاروا به.
لم يسأل أحد:
أين ذهب الحائط؟
كان السؤال الأقل أهمية.
المهم أن الحائط اختفى.
ومع اختفائه ظهرت تجارة صغيرة حول العمارة.
بائع فول.
بائع حمص.
صاحب عربة شاي.
رجل يبيع صورًا للشقة.
حتى سائقو الميكروباص صاروا يرددون:
-شقة العفاريت؟ انزل هنا.
وفي إحدى الليالي، جاء شاب غريب.
وقف طويلًا أمام العمارة، ثم سأل الحاج مرسي:
-هل كان هنا حائط فعلًا؟
ضحك الرجل:
-يعني إحنا بنحكي عن شبح؟
-لا.
- أمال؟
رفع الشاب عينيه إلى الشقة.
-أنا كنت عايز أعرف إذا كان الحائط اختفى فعلًا.. ولا الناس هي اللي اختفت من وراه.
لم يفهم الحاج مرسي.
لكن الشاب انصرف.
بعد أيام قليلة، بدأ يسأل عن صاحب الشقة القديم.
كان اسمه «حامد».
قالوا إنه رجل هادئ، يعمل محاسبًا، يعيش وحده، لا يختلط بأحد.
وقيل إنه رحل بعد الحادث مباشرة.
لم يعرف أحد إلى أين.
أما الحاج مرسي، فقد تذكر شيئًا.
في ليلة الانفجار، قبل أن يختفي الحائط بأيام، كان قد رأى حامد جالسًا على السلم.
كان يبكي.
جلس بجواره وسأله:
-مالك يا ابني؟
قال حامد يومها:
-أنا تعبت من الحيطان يا حاج.
ضحك مرسي.
-كلنا تعبنا منها.
هزَّ حامد رأسه.
-لا... أنت مش فاهم.
ثم صمت.
بعد لحظة قال:
-أحيانًا الإنسان ما بيكونش محبوس جوه البيت.. بيكون محبوس جوه نفسه.
لم يفهم الحاج مرسي معنى الكلام وقتها.
لكن بعد سنوات، عندما صار المكان مهجورًا، تذكره.
مرت خمسة وعشرون سنة.
أعيد طلاء العمارة.
تغيرت الواجهات.
كبر الأطفال الذين كانوا يأتون لرؤية العفاريت.
تزوجوا.
أنجبوا.
ونسوا.
ثم جاء مقاول واشترى الشقة.
هدم ما تبقى من الجدران، وأعاد بناءها.
انتهت الحكاية.
أو هكذا ظن الناس.
في يوم افتتاح الشقة الجديدة، دخل عامل الدهان إلى الحمام.
كان يضع اللمسات الأخيرة على الحائط.
وفجأة توقف.
نادَى المقاول:
جاء الرجل مسرعًا.
-في إيه؟
أشار العامل إلى الحائط.
كانت هناك كتابة قديمة ظهرت تحت طبقة الدهان.
جملة واحدة.
مكتوبة بقلم رصاص باهت:
«لا تبحثوا عن الحائط... ابحثوا عمن كان خلفه»
ساد الصمت.
أحضر المقاول مطرقة.
ضرب الحائط ضربة واحدة.
ثم ثانية.
وفي الضربة الثالثة، سمع الجميع صوتًا أجوف.
نظر بعضهم إلى بعض.
قال العامل:
-فيه فراغ ورا الحيطة.
هدموا جزءًا صغيرًا.
ظهر تجويف ضيق.
وفي داخله صندوق خشبي قديم.
أخرجوه.
كان مغلقًا.
فتح المقاول الصندوق.
لم يجد كتب سحر.
ولا أحجبة.
ولا جماجم.
وجد عشرات الرسائل.
كلها موجهة إلى رجل واحد:
«إلى حامد».
قرأوا الرسالة الأولى.
كانت من زوجته.
قرأوا الثانية.
من أخيه.
الثالثة من ابنته.
الرابعة من رجل لا يعرفه أحد.
ثم وجدوا آخر رسالة.
كانت مؤرخة في اليوم السابق لاختفاء الحائط.
فتحها الحاج مرسي بيد مرتجفة.
كان الخط ضعيفًا:
«يا حامد،
نعرف أنك لم تفعل شيئًا.
نعرف أنك بريء.
لكنهم قرروا أن يجعلوك أنت الحائط الذي يخفون خلفه كل شيء.
لا تثق بأحد.
وإذا استطعت، اخرج قبل أن يأتي الليل.
أبوك».
ظل الحاج مرسي ساكنًا.
ثم رفع رأسه وقال:
-حامد ما كانش بيستحضر جن.
نظر إليه الجميع.
قال:
-كان خايف.
-من مين؟
لم يجب.
كان ينظر إلى الحائط.
إلى المكان الذي اختفى فيه منذ خمسة وعشرين عامًا.
ثم قال بصوت خافت:
-يمكن الحكاية كلها ما كانتش عن الجن.
سأله العامل:
ابتسم الحاج مرسي بحزن:
في تلك الليلة، بعد أن انصرف الجميع، بقي الحاج مرسي وحده أمام العمارة.
كان الليل هادئًا.
لا سيارات.
لا أصوات.
لا باعة.
رفع عينيه إلى الشقة.
وفجأة سمع طرقًا خفيفًا.
ثلاث طرقات.
من خلف الحائط.
تجمد في مكانه.
طرقٌ آخر.
ثلاث مرات.
اقترب من الباب.
ثم سمع صوتًا يعرفه رغم مرور خمسة وعشرين عامًا.
صوت حامد.
هادئًا.
مرهقًا.
يقول:
-يا حاج مرسي...
شهق الرجل.
-حامد؟
جاءه الصوت من خلف الحائط:
-أنا مش عفريت.
ثم صمت قليلًا.
-بس الناس خلتني واحد.
اقترب الحاج مرسي أكثر.
كان يريد أن يسأل: أين كنت؟
لكن السؤال لم يخرج.
قال الصوت:
تراجع الرجل خطوة.
- ليه؟
ضحكة قصيرة جاءت من الداخل.
-عشان تعرف إن بعض الحيطان ما بتقعش...
ثم سكت الصوت.
-
إحنا اللي بنبنيها حوالين الحقيقة.
-
في الصباح، عندما جاء الناس، وجدوا الحاج مرسي جالسًا أمام العمارة.
كان يحدق في الحائط الجديد.
أما الحائط نفسه، فكان سليمًا تمامًا.
لم يكن هناك باب.
ولا فتحة.
ولا أثر لشيء.
فقط، في منتصفه، ظهرت شقوق رفيعة تشبه خطوطًا متقاطعة.
ولو دقق أحدهم النظر، لقرأ بينها كلمة واحدة:
«اسألوا».
|