|
القاهرة 15 أغسطس 2026 الساعة 01:19 م

بقلم: محمد خضير
في كل عام يأتي مهرجان القلعة الدولي للموسيقى والغناء بوصفه سلسلة من الحفلات، بالإضافة إلى أنه يعود كواحد من أهم المواعيد الفنية التي ينتظرها الجمهور المصري والعربي؛ موعد تلتقي فيه الموسيقى بعبق التاريخ، وتتحول قلعة صلاح الدين الأيوبي بقاهرة المعز إلى مسرح مفتوح للفرح والغناء والذكريات.
ومع اقتراب انطلاق الدورة الرابعة والثلاثين من المهرجان، المقرر افتتاحها مساء السبت 15 أغسطس، وتستمر حتى 24 أغسطس 2026 على مسرح المحكي، تبدو دار الأوبرا المصرية أمام اختبار جديد لإدارة حدث جماهيري كبير يجمع بين قيمة المكان وتنوع المحتوى وحجم الإقبال.
ومن هنا تأتي أهمية المتابعة اليومية التي يجريها الدكتور رضا الوكيل رئيس دار الأوبرا المصرية، للاستعدادات النهائية للمهرجان، للمتابعة على الجوانب البروتوكولية أو الفنية، والتى إمتدت إلى التفاصيل الدقيقة التي تصنع في النهاية تجربة الجمهور.
فقد حرص على تفقد مسرح المحكي والوقوف على جاهزية منظومات الصوت والإضاءة والديكور وشاشات العرض، إلى جانب الخدمات الفنية والهندسية، موجهاً بضرورة إنجاز جميع الأعمال بأعلى درجات الجودة، لأن نجاح المهرجان يقاس إلى جانب عدد النجوم المشاركين، بل وبمدى قدرة التنظيم على توفير تجربة تلاقى بالجمهور والفنان.
وهنا تحديداً تكمن قيمة العمل خلف الكواليس؛ فالجمهور يرى المسرح مضاءً، والفنان يعتلي خشبته في موعده، لكن وراء هذه اللحظة فرق كاملة من المهندسين والفنيين والإداريين تعمل لساعات طويلة حتى يبدو كل شيء بسيطاً ومنظماً وطبيعياً.
* تصعيد الموسيقى إلى المسرح:
الاستعداد لمهرجان القلعة بالإضافة إلى تجهيز خشبة مسرح، يعد إدارة منظومة متكاملة تبدأ من لحظة وصول الجمهور إلى بوابات القلعة، مروراً بإجراءات الدخول والاستقبال، وانتهاءً بانسحابه بعد آخر نغمة موسيقية.
ولهذا جاءت متابعة رئيس دار الأوبرا لمناطق الدخول والاستقبال والخدمات المساندة، مع التأكيد على تيسير حركة الجمهور وتقليل التكدس، باعتبار أن التنظيم الجيد أصبح جزءاً أصيلاً من المنتج الثقافي نفسه.
ويشارك في هذه المهمة المهندس ياسر شعلان رئيس البيت الفني للموسيقى والأوبرا والباليه، إلى جانب فرق العمل الفنية والهندسية والإدارات المتخصصة، في مشهد يعكس أن المهرجان لا يصنعه اسم واحد، وإنما تصنعه منظومة تعمل في توقيت واحد وهدف واحد.
كما تتواصل أعمال رفع كفاءة وتجهيز مسرح المحكي، من خلال فرق الصوت والإضاءة وتجهيزات خشبة المسرح والخدمات الفنية، بما يضمن استعداد المكان لاستقبال الفنانين والجمهور على مدار أيام المهرجان.
* هاني شنودة.. تحية تليق برحلة فنية استثنائية:
ومن أجمل التفاصيل التي تحملها بداية الدورة الجديدة، الاحتفاء بالموسيقار الكبير هاني شنودة خلال حفل الافتتاح، من خلال عرض إسقاط مرئي مدته خمس دقائق، يجمع الصورة بالموسيقى في معالجة فنية تستعيد جانباً من رحلة أحد أبرز رموز الموسيقى المصرية الحديثة.
وتكمن أهمية هذه اللفتة في أنها لا تقدم تكريماً تقليدياً، وإنما تحاول تحويل سيرة الفنان إلى لغة بصرية وموسيقية تصل إلى الجمهور في لحظة افتتاحية تحمل دلالة خاصة.
فالمهرجان الذي يحتفي بالموسيقى لا ينبغي أن ينسى رموزها، والاحتفاء بهاني شنودة في افتتاح هذه الدورة يمثل رسالة واضحة بأن الذاكرة الموسيقية المصرية جزء من الحاضر، وليست مجرد صفحات في الماضي.
* الجمهور هو بطل المهرجان:
اللافت أيضاً أن المؤشرات الأولية للإقبال الجماهيري تعكس حالة استثنائية من الاهتمام، مع اكتمال أكثر من 70% من حفلات الدورة وفق ما أعلنته إدارة دار الأوبرا.
وهذه النسبة تعد نجاحاً تسويقياً، وتكشف عن حقيقة أكثر أهمية: الجمهور ما زال يبحث عن الفن الجيد، وما زالت الأغنية والموسيقى قادرتين على صناعة حالة جماعية من البهجة، إذا وجدتا المكان المناسب والتوقيت المناسب والمحتوى الذي يحترم ذائقة الناس.
ومن هذا المنطلق، فإن قرار تخصيص منافذ إضافية لبيع التذاكر المتاحة عند مدخل القلعة، اعتباراً من الخامسة مساءً، يمثل خطوة عملية في اتجاه التعامل مع حجم الإقبال، وتسهيل إجراءات الحجز والدخول والحد من التكدس.
* القلعة.. مهرجان للفن والمكان:
ربما تكون خصوصية مهرجان القلعة في أنه يقدم حفلاً موسيقياً في مكان مميز؛ فالجمهور يأتي إلى القلعة قبل أن يصل إلى المسرح، ويشاهد التاريخ قبل أن يسمع الموسيقى.
وهذه المعادلة تمنح المهرجان خصوصية لا تتكرر بسهولة.. فالموسيقى هنا تتحاور مع الحجر، والأضواء تلتقي بأسوار التاريخ، والجمهور يعيش تجربة تتجاوز زمن الحفل نفسه.
ولهذا فإن الحفاظ على جودة التنظيم، وحسن إدارة حركة الجمهور، ورفع كفاءة المسرح والخدمات، لا يمثل مجرد متطلبات تشغيلية، وإنما جزء من الحفاظ على صورة المهرجان ومكانته.
* عشر نصائح لجمهور القلعة:
ولأن الجمهور هو شريك أساسي في نجاح المهرجان، فمن الأفضل الاستعداد للحفل قبل الوصول إلى القلعة. البداية تكون بالوصول مبكراً، خاصة مع توقع الزحام، مع مراجعة جدول الحفلات وحجز التذكرة مسبقاً كلما أمكن، أو التوجه إلى منافذ البيع المتاحة عند بوابات القلعة.
كما يفضل استخدام المواصلات العامة قدر الإمكان لتجنب أزمة انتظار السيارات، وارتداء ملابس وأحذية مريحة، خاصة أن الوصول إلى مسرح المحكي يتطلب قدراً من الحركة والانتظار.
وفي ظل ارتفاع درجات الحرارة، من المهم الاهتمام بالمياه والترطيب، مع تجنب حمل حقائب كبيرة أو متعلقات غير ضرورية لتسهيل إجراءات التفتيش والدخول.
والأهم هو الاحتفاظ بالتذكرة حتى انتهاء إجراءات الدخول، ومراعاة احتياجات الأطفال وكبار السن، والاستفادة من وسائل النقل الداخلية المتاحة عند الحاجة.
ولا تنسوا أن القلعة نفسها جزء من الحكاية؛ فالوصول المبكر يمنح الزائر فرصة للاستمتاع بالمكان والتقاط الصور قبل بدء الحفل.
أما في نهاية الليلة، فمن الأفضل التخطيط للعودة مبكراً، خصوصاً لمن يعتمدون على المواصلات العامة، لأن لحظة انتهاء الحفلات عادة ما تشهد كثافة كبيرة في حركة الجمهور.
* دار الأوبرا أمام مسؤولية أكبر:
الدورة الرابعة والثلاثون من مهرجان القلعة تأتي في وقت أصبح فيه الجمهور أكثر اهتماماً بالتفاصيل، وأكثر قدرة على تقييم التجربة كاملة، من التذكرة إلى البوابة، ومن جودة الصوت إلى مقاعد المشاهدة، ومن تنظيم الدخول إلى لحظة مغادرة المكان.
وهنا تظهر أهمية الرؤية الإدارية التي تضع الجمهور في قلب الحدث، وتتعامل مع الثقافة باعتبارها خدمة عامة راقية، لا مجرد برنامج حفلات.. وإذا كانت الموسيقى هي روح المهرجان، فإن التنظيم هو جسده الذي يحمل هذه الروح إلى الجمهور.
ولذلك عزيزي القارئ فالرسالة الأهم التي يمكن قراءتها من الاستعدادات الحالية أن دار الأوبرا المصرية تراهن على دورة استثنائية تقوم على النجوم وحدهم، وإنما على تكامل عناصر التجربة: مكان تاريخي، ومحتوى فني متنوع، وتجهيزات تقنية، وتنظيم دقيق، وجمهور ينتظر عشر ليالٍ من الموسيقى والغناء.
وأخيرا وليس بآخر.. يبقى مهرجان القلعة واحداً من تلك الفعاليات التي تثبت أن الثقافة تستطيع أن تكون قريبة من الناس، وأن الفن الراقي لا يحتاج إلى أبواب مغلقة أو مسافات بعيدة عن الجمهور..
وعندما تفتح القلعة أبوابها في الخامس عشر من أغسطس، لن يبدأ مجرد موسم جديد من الحفلات، بل ستبدأ حكاية جديدة تكتبها الموسيقى تحت سماء القاهرة، بين جدران التاريخ ودفء الجمهور..
وهنا تحديداً تتجدد قيمة المهرجان: أن تتحول القلعة من أثر شاهد على الماضي إلى مساحة حية تحتفي بالحاضر، وأن تصبح الموسيقى جسراً يصل بين الاثنين.
|