|
القاهرة 11 أغسطس 2026 الساعة 11:41 ص

بقلم: د. هويدا صالح
تعد رواية " شبح شفاف " للكاتب أسامة رقيعة عملاً روائياً طموحاً يتقاطع فيه الواقعي مع المتخيل، والتاريخي مع المعاصر، ليقدم نسيجاً سردياً معقداً ينهض على تداخل الأزمنة وتشابك الأمكنة. صدر العمل عن دار فضاءات للنشر والتوزيع في عمّان عام 2025، محمّلاً بهاجس وجودي يبحث في طبيعة الحياة والموت والروح، متخذًا من الموروث الثقافي الخليجي والتراث الشعبي منصة للانطلاق نحو آفاق روائية جديدة.
يمثل البناء السردي في الرواية تجربة مغايرة في الكتابة الروائية العربية، حيث يعمد رقيعة إلى تكسير الخط الزمني التقليدي، ليمنح النص بنية موزاييكية متداخلة. تتقاطع في الرواية ثلاثة أزمنة رئيسية: زمن الحكاية الشعبية في الفريج الخليجي، وزمن الرواية الداخلية "مامبا سوداء" التي تُقرأ ضمن النص، وزمن الحاضر المعاصر في دبي. هذا التداخل الزمني يخلق إحساساً باللازمنية، حيث يصير الماضي حاضراً، والحاضر ممتداً نحو أفق أسطوري.
يتجلى هذا التشظي في الانتقال السلس بين حكاية موت "عافية" و"فارس" في الماضي البحري الغارق في تفاصيل صيد اللؤلؤ، وبين حياة المهندس أحمد المغربي وعائلته في دبي المعاصرة. ويمثل هذا الانتقال أكثر من مجرد تقنية سردية؛ إنه رؤية للوجود تخلخل الحدود المتوارثة بين الحياة والموت، بين المادي والروحي، بين الواقع والحلم.
يعالج الكاتب المكان بوصفه كائناً حياً فاعلاً في تشكيل الأحداث والشخصيات. يبرز مكانان رئيسيان يكتسبان دلالة رمزية واضحة: الفريج الخليجي التقليدي ببساطته وخيمته وشواطئه التي تعبق برائحة البحر واللؤلؤ، ومدينة دبي المعاصرة بأبراجها الشاهقة ومراكزها التجارية الفخمة. لكن المفارقة تكمن في أن كلا المكانين يختزنان نفس الهواجس الروحية، وتتقاطع فيهما ظواهر غامضة لا تفسير لها.
المكان في الرواية يحمل طاقة خاصة، فهو ليس مجرد خلفية للأحداث، بل عنصر فاعل يتفاعل مع الشخصيات ويؤثر في مصائرها. خيمة العزاء في الفريج تتحول إلى فضاء للتأمل والذكرى، تماماً كما تتحول فيلا أحمد في دبي إلى مسرح للظواهر الخارقة التي تثير الدهشة وتفتح آفاقاً جديدة للتأمل في ما وراء الطبيعة.
يمثل توظيف الكاتب لتقنية التناص واحدة من أبرز السمات الجمالية في الرواية. فمن خلال إدراج رواية "مامبا سوداء" كتناص أدبي مع عمل الكاتب نفسه، يعكس الهاجس الوجودي الذي يسيطر على الشخصيات سواء كانت شخصيات قادمة من الماضي وشخصيات تعيش اللحظة المعاصرة، لساعد التناص الكاتب في خلق لعبة ة مرايا سردية متقنة. فما يقرؤه أحمد وسامح عن الجن والعوالم الخفية في "مامبا سوداء" يصبح واقعاً معاشاً في حياتهما اليومية، مما يذيب الحدود بين القراءة والتجربة، بين التخييل والوجود.
كما يستثمر الكاتب الأساطير الشعبية والحكايات التراثية، كأسطورة "بابا درياه" وجن البحر، معيداً صياغتها في سياق روائي جديد. هذا التوظيف للتراث لا يقتصر على كونه استلهاماً شكلياً، بل يمثل رؤية نقدية تتساءل عن جدوى الأساطير القديمة في تفسير الظواهر المعاصرة، وعن قدرة الإنسان على مواجهة المجهول بأدوات معرفية متجددة.
تطرح الرواية تساؤلات عميقة حول طبيعة الوجود الإنساني في زمن ترفع فيه المادة إلى مرتبة القيمة العليا. من خلال شخصية العم سعيد، ذلك المرشد الروحي القادم من مراكش، تعبر الرواية عن نزعة صوفية واضحة تنظر إلى الحياة بوصفها رحلة روحية يتعين فيها على الإنسان أن يتجاوز مادياته ليصل إلى جوهر وجوده.
يتجلى هذا البعد الثقافي في ثنائية "النجاح الظاهري" التي تناقشها الرواية من خلال شخصية أحمد وصراعه مع مديره حسن بوعيون. فالنجاح المادي الذي تحققه الشركات لا يعني بالضرورة نجاحاً روحياً، بل قد يكون غطاءً لفساد أخلاقي وانهيار قيمي. وهنا تلتقي هموم العصر بهموم الماضي، فكما كان الغواصون يبحثون عن اللؤلؤ الطبيعي، يسعى الإنسان المعاصر إلى لآلئ المعرفة والروحانية في بحر المادة المضطرب.
تتنوع الشخصيات في الرواية بين الخليجية التقليدية والمعاصرة، لتشكل شبكة من العلاقات والدلالات. "عافية" و"فارس" و"حمدة" و"حمدان" و"مترف" و"سعدة" والنوخذة أبو مسعود وغيرها من الشخصيات التي تمثل الماضي البسيط المتصل بالطبيعة والبحر، بينما يمثل أحمد وسامح ويونس وأسامة رقيعة نفسه كشخصية روائية داخل النص الحاضر المعقد المتصل بالتكنولوجيا والعولمة. لكن هذا التباين لا يؤدي إلى قطيعة، بل إلى حوار خفي بين الأزمنة، حيث تتداخل مصائر الشخصيات وتتقاطع أحلامها وقلقها الوجودي.
ثم تأتي شخصية العم سعيد الصوفي المغربي لتمثل حلقة الوصل بين العوالم، فهو الحامل للأسرار، والمرشد الروحي الذي يملك مفتاح الغيبيات. كما تبرز شخصيات مثل النوخذة أبو مسعود وابنه مسعود كتجسيد للتوترات الأخلاقية التي تعصف بالمجتمع التقليدي، حيث تختلط الأنانية بالخوف والرغبة في التملص من المسؤولية.
تمتاز اللغة السردية في الرواية بقدرتها على التكيف مع طبيعة المشاهد والأزمنة. في أجزاء الماضي الخليجي، تميل اللغة إلى الطابع الشعري الممزوج بالمفردات التراثية المرتبطة بالبحر والغوص وصيد اللؤلؤ، مما يمنح النص دفئاً تاريخياً. بينما في أجزاء الحاضر، تقترب اللغة من الواقعية اليومية، مع لمحات من السخرية والتهكم التي تعكس تناقضات الحياة المعاصرة.
كما تأتي الحوارات حاملة لمسحة من التنوع اللهجي بين الخليجية والمصرية والمغربية، مما يعكس تعدد الأصوات الثقافية في النص، ويعزز الطابع الكوني للرواية التي تتجاوز حدود المكان الواحد لتقدم صورة بانورامية للعالم العربي في تنوعه الثقافي.
رغم نجاح الرواية في بناء عوالم سردية متداخلة، فإن ثمّة إشكاليات قد تثقل النص أحياناً. فالانتقال بين الزمنين الماضي والحاضر، وإن كان مقصوداً لإنتاج الدلالة، قد يخلق تشتتاً لدى القارئ في بعض المقاطع، خاصة مع تعدد الشخصيات والأصوات. كما أن الطابع الفلسفي المباشر في بعض المواضع، خاصة في المونولوجات الروحية، قد يقترب من الخطاب التعليمي أكثر من الجمالي.وخاصة في مساحة البرزخ التي تحكي منها" عافية" وهي تسبح بين الأكوان في مساحة برزخية بين العالم الدنيوي والعالم الأخروي، فمساحة البرزخ باعتبارها عتبة عبور بين الهنا والهناك منحت الكاتب فرصة أن يكتب عوالم شعرية مميزة، لها بلاغتها الخاصة، لكن في بعض الأحيان كانت تثقل النص بالحديث الأخلاقي حول ماضي الشخصيات التي تنتظر العبور.
كذلك، يظل حضور الشخصيات الثانوية محدوداً في بعض المقاطع، ما يجعل بعض الحبكات الفرعية تبدو غير مكتملة، كخط سعدة مثلاً الذي ينتهي دون أن يستوفي دلالته الكاملة في النسيج السردي العام. ومع ذلك، قد تكون هذه النقاط جزءاً من استراتيجية الكاتب الذي يراهن على الترقيع السردي وتعدد القراءات، مما يفتح النص على تأويلات متعددة.
ورغم ذلك حققت الرواية جرأة والضحة في في الاشتغال على الشكل والمضمون، ورغبة في تجاوز حدود الكتابة الواقعية نحو آفاق تخييلية مغايرة. إنها رواية عن البحث عن المعنى في عالم تتداعى فيه اليقينات، عن الإنساني في مواجهة الآلي، عن الروح في زمن استبدت به المادة. بقدر ما تحقق من نجاحات، تظل الرواية مثيرة للجدل ومفتوحة على النقد، مما يجعلها إضافة حقيقية لمشهد الرواية العربية المعاصرة، ودليلاً على قدرة هذا الجنس الأدبي على التجدد والاستمرار.
يبقى أن نشير إلى عنوان الرواية "شبح شفاف" الذي يُربك القارئَ قبل أن يفتح الصفحة الأولى. الجمع بين الشبح والشفافية تناقض ظاهري يُخفي توتراً دلالياً عميقاً: الشبح غائب ومع ذلك حاضر، والشفافية ترى من خلالها دون أن تُمسك. هذا التوتر بين الحضور والغياب، بين الجسد والروح، بين اليقين والالتباس، هو العمود الفقري الذي تقوم عليه الرواية كلها، ويتجلى في كل مستوياتها السردية والدلالية
|