|
القاهرة 04 أغسطس 2026 الساعة 07:57 م

بقلم: محمد خضير
المؤسسات الثقافية على قدر ما تقاس بعدد فعالياتها أو حفلاتها، تقاس بقدرتها على تحويل الثقافة إلى أسلوب حياة، وإلى قوة ناعمة تمس وجدان المجتمع وتعيد تشكيل ذائقته الجمالية.. ومن هذا المنطلق، تبدو دار الأوبرا المصرية نموذجًا لمؤسسة ثقافية تدرك أن رسالتها تتجاوز حدود المسارح وقاعات العرض، لتصبح شريكًا حقيقيًا في بناء الإنسان المصري ومشروع للحياة الإبداعية والحفاظ على الهوية الثقافية المصرية الأصيلة.
* مشروع ثقافي
ومع انطلاق فعاليات المهرجان الصيفي للموسيقى والغناء لعام 2026، تتجسد هذه الرؤية على أرض الواقع، باعتبار المهرجان يحمل برنامج فني موسمي، وبوصفه مشروعًا ثقافيًا متكاملًا يعكس حيوية المؤسسة، ويؤكد أن الإبداع قادر دائمًا على أن يكون البداية الأجمل لعام ثقافي جديد.
ولعل إختيار المهرجان الصيفي ليكون أولى المحطات الكبرى مع انطلاق أنشطة العام المالي الجديد لوزارة الثقافة يحمل دلالة مهمة، فحين تبدأ المؤسسة الثقافية عامها بالموسيقى، فإنها تعلن بوضوح أن الإستثمار في الوعي لا يقل أهمية عن أي استثمار آخر، وأن الفن الراقي سيظل أحد أهم أدوات التنمية الإنسانية وصناعة المستقبل.
* منارة للفنون
لقد نجحت دار الأوبرا المصرية، عبر تاريخها الطويل، في ترسيخ مكانتها باعتبارها منارة للفنون الرفيعة في الوطن العربي، لكن المحافظة على هذا المكان لا تتحقق بالاعتماد على التاريخ وحده، بل تحتاج إلى رؤية متجددة قادرة على تطوير الأداء، والانفتاح على الجمهور، ومواكبة التحولات التي يشهدها المجتمع.
* رؤية «الوكيل» الفنية
ومن هنا تأتي أهمية الرؤية التي يقودها الدكتور رضا الوكيل، رئيس دار الأوبرا المصرية، والتي تقوم على تجديد الخطاب الفني دون التفريط في هوية المؤسسة، وتوسيع قاعدة الجمهور، وتقديم محتوى يوازن بين الأصالة والتجديد، وبين احترام التراث والانفتاح على التجارب الموسيقية المعاصرة.
هذه الرؤية تظهر في طبيعة البرنامج الفني للمهرجان الصيفي، الذي جمع بين نجوم الغناء والموسيقى العربية، والفرق المستقلة، والمشروعات الشبابية، والعروض التي تستلهم التراث بروح حديثة.. فالتنوع هنا يعد رسالة تؤكد أن الفن الحقيقي يتسع للجميع، وأن دار الأوبرا المصرية بيت لكل ألوان الإبداع الجاد.
* أهمية المهرجان الصيفي
كما أن توزيع الفعاليات بين المسرح المكشوف بالقاهرة ومسرح سيد درويش بالإسكندرية يعكس إدراكًا لأهمية الوصول إلى جمهور أوسع، وترسيخ مفهوم العدالة الثقافية، بحيث لا تبقى الفنون حكرًا على العاصمة، وإنما تمتد إلى مختلف المحافظات، في إطار رؤية وطنية تجعل الثقافة حقًا متاحًا للجميع.
ومن المؤشرات الإيجابية أيضًا، ما شهدته الأوبرا من تطوير في الجوانب التنظيمية والتقنية، عبر رفع كفاءة تجهيزات المسارح، وتحديث أنظمة الصوت والإضاءة، وتحسين الخدمات المقدمة للجمهور، إلى جانب التوسع في خدمات الحجز الإلكتروني، وهي خطوات تعكس فهمًا عميقًا بأن تجربة المتلقي تبدأ منذ لحظة التفكير في حضور الحفل، ولا تنتهي بانتهاء العرض.
ولذلك عزيزى القارئ نري أن المؤسسة الثقافية الحديثة تنجح بالطريقة التي تستقبل بها جمهورها، ومدى إحترامها لوقته وراحته، وهو ما يبدو حاضرًا بوضوح في الاستعدادات التي صاحبت انطلاق المهرجان الصيفي لهذا العام.
وكذاك ليس من المبالغة القول إن المهرجان الصيفي يعد أحد أهم المواسم الفنية المنتظرة كل عام، لما يقدمه من حالة استثنائية تجمع بين جودة المحتوى، وتنوع المشاركين، والإقبال الجماهيري، وهو ما يؤكد أن الجمهور المصري ما زال يمتلك شغفًا كبيرًا بالفنون الراقية متى وجدت المؤسسة القادرة على تقديمها بصورة تليق به.
كما يأتي المهرجان هذا العام متزامنًا مع الاستعداد لإطلاق الدورة الرابعة والثلاثين من مهرجان قلعة صلاح الدين الدولي للموسيقى والغناء، وهو ما يعكس وجود أجندة ثقافية متكاملة، لا تعتمد على فعالية واحدة، وإنما تصنع موسمًا فنيًا متواصلًا يرسخ حضور القوة الناعمة المصرية على مدار العام.
* صناعة الوعى
وفي ظل ما يشهده العالم من تغيرات ثقافية متسارعة، تزداد الحاجة إلى مؤسسات قادرة على حماية الهوية الوطنية عبر الفن، وإعادة الاعتبار لقيم الجمال، وتقديم بدائل إبداعية راقية للأجيال الجديدة.. وهنا يبرز الدور الحقيقي لدار الأوبرا المصرية، باعتبارها مؤسسة تنتج حفلات فنية، وتصنع وعيًا، وتبني ذائقة، وتحافظ على إرث موسيقي وثقافي يمثل جزءًا أصيلًا من الشخصية المصرية.
كما أن ما تشهده دار الأوبرا المصرية اليوم يؤكد أن الإدارة الثقافية الناجحة ليست مجرد إدارة للفعاليات، وإنما إدارة للرؤية، وللإنسان، وللمستقبل. وعندما تتوافر الإرادة، ويتكامل التخطيط مع التنفيذ، تتحول المؤسسة إلى منصة للإبداع، ومركز إشعاع حضاري يعيد الثقة في دور الثقافة داخل المجتمع.
ويبقى الرهان الأكبر دائمًا على الجمهور.. فكل ليلة تمتلئ فيها مقاعد المسرح المكشوف بعشاق الموسيقى، وكل أسرة تصطحب أبناءها إلى حفل فني راقٍ، وكل شاب يكتشف لأول مرة جمال الأوركسترا أو روعة الطرب الأصيل، هي في حقيقتها انتصار جديد لمشروع التنوير الذي تؤمن به الدولة المصرية، وتعمل مؤسساتها الثقافية على ترجمته إلى واقع ملموس.
واخيرا وليس بآخر.. وكل عام انتم بخير، وفي فصل الصيف، حيث تزداد الحاجة إلى فضاءات تجمع بين الترفيه والمعرفة، يقدم المهرجان الصيفي نموذجًا حضاريًا لما ينبغي أن تكون عليه الفعاليات الثقافية؛ مساحة مفتوحة للجمال، وملتقى للأجيال، وجسرًا يصل الجمهور بأرقى أشكال الإبداع..
ومن هنا، فإن نجاح دار الأوبرا المصرية في تقديم هذا الموسم الفني المتكامل لا يمثل نجاحًا لمؤسسة بعينها، بل يعكس نجاحًا لرؤية تؤمن بأن الثقافة ضرورة وطنية، وأن الموسيقى، حين تُدار بفكر ورؤية، تصبح لغة للحياة، ورسالة أمل، وأحد أهم ملامح الجمهورية الجديدة التي تضع الإنسان في قلب مشروعها التنموي.

|