|
القاهرة 04 أغسطس 2026 الساعة 10:07 ص

د. هويدا صالح
ستظل شخصية "زوربا اليوناني" التي كتبها الروائي نيكوس كازنتاكس هي الأكثر دهشة، يبحث عنها القراء، وتعيد ترجمتها دور النشر المختلفة للغة العربية، وما بين فيلم هوليودي تألق فيه أنتوني كوين، وشخصية روائية رسم معالمها كازنتاكي ترتسم الصورة الذهنية لهذه الشخصية المدهشة والمفارقة. تحكي الرواية قصة مثقف, اسمه باسيل, غارق في الكتب، لا يجيد شيئا سوى القراءة، رسم للحياة صورة ذهنية افتراضية من خلال ما قرأه من كتب، يلتقي مصادفة برجل أميّ بسيط لم ينل حظا من الثقافة والتعليم، لكن خبرته في الحياة كبيرة وتجاربه ثرية بخلاف المثقف المتفاخر بثقافته وعلمه. تنشأ صداقة بين الرجلين يتعلم فيها المثقف باسيل الذي ورث مالا من أبيه الكثير من زوربا عن الحياة وعن حبها وفن عيشها. رسم نيكوس كازنتاكس ملامح شخصية زوربا عبر لغة وصفية تأملية جعلت الشخصية تتحول في ذهن القارئ للحم ودم حسبما يقول أسامة إسبر في مقدمة الرواية عن شخصية زوربا، بل عن بقية شخصيات الرواية:"كانت الشخصية أمامي حية، بدم ولحم حقيقيين، تحاورني وأحاورها"، وذلك لدقة الوصف العميق والمفصل الذي أجاد رسمه الكاتب، حتى أنك تشعر لوهلة أن زوربا هو الشخص الأعظم في هذا العالم. بدا زوربا في النص محبا للحياة بكل أشكالها, لا يذكر الحزن, بل يذكر الفرح دائما في لحظات حزنه الشديد, أو سعادته الشديدة, يرقص رقصته المشهورة على أنغام موسيقى حية وصاخبة. إن هذا الرجل لم يذهب إلى المدرسة، ولكنه مر بكل أنواع التجارب، فتفتح عقله، وكبر قلبه، دون أن يفقد ذرة واحدة من جرأته البدائية. وجميع المشكلات التي تبدو لنا معقدة مستعصية على الحل، يحسمها هو كأنما بضربة سيف، ومن العسير أن يخطئ مثل هذا الرجل هدفه، لأن قدميه ثابتتان في الأرض تحت ثقل جسمه. إنه زوربا بكل صخب الحياة وقوتها، لا يدع للحزن مكانا في قلبه، ولا للكراهية مكانا في روحه.
تقف شخصية زوربا ابن الطبيعة بكل ذكائها وتوقدها في مقابل شخصية باسيل أو"الرئيس" المثقف الذي قضى وقتا كبيرا بين الكتب، لكنه لم يختبر الحياة بقسوتها وعطائها، وهو يمتلك المكانة الاجتماعية والمال، لكنه يراقب الحياة ولا يحياها. لكن من يقرأ الرواية يكتشف أن نيكوس الكاتب ينحاز لشخصية زوربا وينتصر لها، ألم يجعلها العتبة الأهم لقراءة هذا العالم ببكارته ودهشته؟ ألم يجعله عنوانا للرواية؟ إن زوربا الساخر الأبدي من الكتب يواجه صديقه باسيل: "كتبك تلك أبصق عليها، فليس كل ما هو موجود، موجود في كتبك". لقد جمعت الرواية بين هذين الشخصين المتناقضين فكرياً وعقائدياً وسلوكياً بعلاقة وشيجة لم يكن قوامها المصلحة أو تبادل المنفعة، بل هي علاقة تحكمها التكاملية فكل منهما رأى في الآخر مكملا لنفسه، وكأن كل منهما وجد في الآخر نصفه المفقود أو نصفه الذي يبحث عنه.
يصف المترجم شخصية زوربا بجمل شعرية عذبة، وخاصة في أوقات الحزن، يقول: "يتحول زوربا إلى مغنٍ مقدوني جوال وهو يحمل في يده آلة "السانتوري"، وعبر أوتارها يجعلك تحب الحزن القاسي، وتنعم بالألم العظيم، وحين يثب في الهواء برقصته المشهورة، رغم أعوامه الكثيرة تتمنى مثل باسيل الرئيس أن تقفز مثله، وربما وقفت مثله ورقصت، يرقص زوربا حتى في الفجائع، فهل تقدر على مجاراته؟ يرقص أمام جثة ابنه، فهل ترقص أنت لموت عصفور أو فراشة أو آيل؟يرقص في الحزن لكي لا يميته الحزن والأسى، يرقص لأن اللغة لا تقول شيئا، فهل تجرب في وضع مماثل؟ "مجنون هو زوربا، وحكيم في الوقت نفسه:" كلا لا أؤمن بشيء بالمرة . كم مرة يجب أن أكرر هذا . فأنا لا أؤمن بأي شيء أو بأي شخص . بل بزوربا وحده, ليس لأن زوربا أحسن من غيره, ولكن لأن زوربا هو الوحيد الذي يقع تحت سلطتي, والوحيد الذي أعرفه. أما الباقون فكلهم أشباح, فأنا أرى بهاتين العينين, وأسمع بهاتين الأذنين, وأهضم بهذه المعدة. كل الباقين أشباح أقول لك, عندما أموت, فسوف يموت كل شيء معي. كل العالم الزوربي سوف يغوص في الأعماق".
مساءلة العالم والقلق الوجودي
إن النص يطرح أسئلة فلسفية عميقة، يتساءل عن ماهية الروح؟ وما علاقتها بغيرها مما يشكل هذا الوجود؟ ما الذي يجري في الأعالي؟ من صنع كل هذه الأشياء؟ ولماذا يموت الناس؟ إن زوربا مثل زراديشت، إنها رواية تتحرك داخل نظام فلسفي، رغم أن زوربا كان شغوفا بالحياة والنساء والنبيذ، فحتما هو لم يتوقف عن عيش الحياة؛ ليطرح أسئلة الوجود، ربما طرحها القارئ وهو يقارن الحوارات التي كانت تدور بين باسيل وزوربا، وكأن الكاتب أراد أن يبسط أسئلة الفلسفة، ويقرب عملية التفلسف من عوام القراء، وكأن الرواية سعت ـ بحسب المترجم ـ إلى أن :"تقهر المتعالي الفلسفي، والمتعالي اللاهوتي، وأي متعال آخر، تصبح فيه النفس البشرية سفينة نوح، لإنقاذ الجوهر، لا القشرة، القشرة تحملها المياه، أما الجوهر،فإنه يتمسك بتأملاته، بإرثه، بتراثه، بأسئلته، ضاحكا أو باكيا يعيد الجوهر ترتيب كونه الخاص، ليس مهما اللون، وليست مهمة الديانة، وليس مهما الجنس وليس مهما السن، المهم هي الروح".
يرحل زوربا في الحياة مثل كل العظماء في التاريخ البشري، لا من أجل المال، بل من أجل الإنسان، يأخذ سانتوره، آلته الموسيقية ويعيد تمجيد القمر العالي في سمائه، لأنه يدرك بفطرته أن العالم لا يحتاج لعمال فقراء يكدون في المناجم، ولا لرأسماليين أثرياء يستغلون هؤلاء الفقراء، إنما العالم يحتاج إلى روح وثابة وقلب ذكي يعرف كيف يقطر الحياة قطرة قطرة، فلا تأخذه الحياة من إنسانيته، إنما هو يمنح الحياة ألقا بهذه الروح الضاجة بالحياة الشغوفة بالمتعة التي تهدر مثل سيل، يتألق مثل نجم، أو ربما ـ بحسب تعبير المترجم ـ مثل" كويكب صغير معلق من أشفاره في سجن الفضاء، غامض خصب ملتبس، قادر على اختزال الأبدية في كلمة، وقادر على زرع حب الحياة وعدم الخوف من الموت".
إن نيكوس كازنتاكس يعلن أنه التقى زوربا، فلفت نظره بتلقائيته وعفويته، فقرر أن يخلده بهذا العمل الذي يضج بكثير من الدهشة والتمايز، فقرر أن يصنع منه شخصية ورمزا، لأن الكاتب ببساطة رأى أنه ليس وجها وقسمات، بل يصلح لأن يصير علامة، علامة بكل مفهومها التأويلي، فهو شخصية فاضت على كل حد، وهربت من سجن الرواية؛ لتصبح رمزا للمهمشين، للذين يتعلمون من الحياة، فيلسوف يستقي حكمته من خبرات المعيش ومعترك الوجود الإنساني. صارت رقصته رؤية للكون، رؤية تسخر من المعارف المتطاولة على الدنيا، المتعالية على الأرض. زوربا يعلمنا أن نثور على كل قيود الروح، نثور، ونكسر كل قالب، ونخرج على كل نمطي.
ينتصر نيكوس في هذا النص للثقافة الروحانية الصوفية التي تعلو وتسمو حد العرفانية، وتهبط وتدنو لتغرق في لذائذ الجسد والمتعة حد المادية، إنها الضدية في أبهى تجليها، وفي الحالتين نتعاطف مع شخوص الرواية، وننصت لهسيس أرواحهم دون إدانة لطرف ضد الآخر. إن الكاتب يعلي من المعرفة الحدسية العرفانية على حساب المعرفة المادية العقلانية.
|