|
القاهرة 04 أغسطس 2026 الساعة 10:04 ص

عاطف محمد عبد المجيد
في كتابها "من الحداثة إلى ما بعد النسوية" الصادر عن دار شهريار، تذكر الكاتبة والمترجمة الفلسطينية أماني أبو رحمة أن النقاشات الحداثية قد تركزت حول الحقيقة والواقع والعقل والخبرة والحرية والعدالة والمساواة والجمال والتقدم، ولكن ضمن الإطار ما بعد الحداثي، مشيرة بداية إلى أن كتابها هذا يضم مجموعة من الدراسات متنوعة الأغراض، لكن خيطًا رفيعًا ينظمها، كما تبرز في الكتاب أصوات حادة تنهل من دريدا وفوكو ولاكان مثل النسويات: جوديث بتلر ولوس اريغاري وجوليا كريستيفا اللواتي يعدن تثيم مصطلحاتهن الخاصة التي تمتد جذورها لتجد تربتها الخصبة في باريس السبعينيات والثمانييات من القرن الماضي.
ومن المفارقات التي تراها الكاتبة هنا أنه على الرغم من احتفاء ما بعد الحداثة العالي بالانفتاح والتعددية والاختلاف، إلا أن ما بعد الحداثيين لا يتمتعون بالتسامح أو مراعاة التعددية الفكرية والثقافية، لا سيما حين يتعلق الأمر بالأديان والغيبيات.
كذلك يمكن القول، تقول الكاتبة، إن احتفاء ما بعد الحداثة بموت القصص الكبرى أو ما وراء السرديات وادعائها المفارقي أن الحقيقة العالمية الوحيدة هي أنه لا توجد حقيقة عالمية.
هنا ترى المؤلفة أن الحداثة حركة ثقافية وفلسفية شاملة حددت هدفها ولهذا شحذت سيوفها وسلطت ألسنتها الحادة وصبت جام غضبها على العناصر الأساسية في الحداثة، كما ترى أن وجود أي حركة ثقافية رائدة يطرح أسئلة عن التاريخ الفكري، وفي حالة ما بعد الحداثة فإن التطورات المستقلة في المجالات الفكرية جاءت معًا في منتصف القرن العشرين تقريبًا، وفهْم هذه التطورات يعد أساسًا لفهم ما بعد الحداثة مؤكدة عبر صفحات هذا الكتاب أن التنوير أعاد تشكيل الفكر الإنساني برمته، وتأْمل ما بعد الحداثة أن تفعل الشيء نفسه في عصرنا هذا.
هنا تقول أبو رحمة إنه قد كُتب الكثير عن العلاقة بين الحداثة وما بعد الحداثة التي لم تكشف إلا عن مزيد من التوقعات التي لم تتحقق وعديد من الصعوبات التي علينا تجاوزها، كما تذكر أن هناك من رأى أن ولادة ما بعد الحداثة تمثل قطعًا نهائيًّا مع الماضي، وهناك من رأى أنها تضخيم للاتجاهات الكامنة في الحداثية، وآخرون رأوا أنها موقف نقدي راديكالي، وهناك من يراها مسارًا رجعيًّا.
هنا أيضًا تذكر الكاتبة أن النظريات الثقافية والابستمولوجية الحداثية تهتم بالتمييز بين أشكال الثقافة وصيغ المعرفة الحداثية وما قبل الحداثية، وتموضع هذه النظريات الانتقال من المجتمع التقليدي إلى الحداثة في عصر النهضة. أما النظريات المؤسسية للحداثة فتركز، تقول أبو رحمة، على الهيكل الاجتماعي والمؤسسي والمجتمعات الحداثية، وتميل إلى تحديد موقع التحول إلى الحداثة في القرن الثامن عشر، مع صعود المجتمع الصناعي في أوروبا.
هنا أيضًا تقول الكاتبة إن مفهوم ما بعد الحداثة قد أثار مخيلة العديد من الفلاسفة والنقاد في زمن الرأسمالية المتأخرة، ذاكرةً أن فرانسوا ليوتار يصف ما بعد الحداثة بأنها حركة تتكرر دائمًا في التاريخ وتحدث بالتتابع والتوالي مع الحداثة، خاصة وهو يرى أن التاريخ عبارة عن حلقات من متتاليات الحداثة وما بعد الحداثة، مؤكدًا أن مرحلة ما بعد الحداثة الحالية شهدت نهاية أسطورة مجتمع التقدم والليبرالية الذي سيقود الإنسانية جمعاء إلى مرحلة التحرر المطلق والرخاء والرفاهية تحت راية العلم والعقل. أما فريديريك جيمسون فيعتبر أن ما بعد الحداثة يعتبر نوعًا من أنواع الهيمنة الثقافية المتزامنة مع الرأسمالية المتعددة الجنسيات والتوسع غير المسبوق في السوق العالمية، واختراق وسائل الإعلام كل جوانب الوجود الإنساني ومستوياته.
أبو رحمة تكتب هنا قائلة إن الدادئيين قد رفضوا الأخلاق والتماسك في الفن وأكدوا الثيمات غير التقليدية التي كانت تعد تابوهات كالرغبات المقموعة والجنسانية والتداعي الحر للأفكار والفرصة والتجزئة، وقد طورت السريالية هذه الأفكار. وحين تتحدث عن روايات الخيال العلمي تقول إنها قد ناقشت أفكارًا يوتوبية وديستوبية وتضمنت رؤى فانتازية للمستقبل واهتمت بالآثار السلبية المرتبطة باستخدام التكنولوجيا والعلوم. مضيفة أن روايات الواقعية السحرية التي ظهرت في أمريكا أكدت سلطة الحكي وجعلت الفرق بين الواقع والخيال نسبيًّا.
كما تقول إن الثقافة الشعبية وخاصة الموسيقى قد ساعدت في القضاء على الحدود بين الثقافة العليا والدنيا، وبين الأدب الجاد والشعبي، وبالتالي أكدت المحفزات الإبداعية وأشكال الأدب الدنيا.
هنا ترى أبو رحمة أن العمل الأدبي ما بعد الحداثي لا يدعي الجدة والابتكار، لكنه يستخدم الأشكال الأدبية القديمة وأنواع الفن والأدب والفن الهابط والاقتباس والإشارة ووسائل أخرى لإعادة سيقنة معناها في سياقات لغوية وثقافية مختلفة لإظهار الفرق بين الماضي والحاضر، وكذلك بين أشكال التمثيل الماضي والحاضر كما يقول جون بارث في مقالته الشهيرة أدب الاستنزاف، والتي يشير فيها إلى استنزاف الأشكال القديمة للفن، ويقترح إمكانات إبداعية في توظيف الأشكال والأنواع والأساليب القديمة.
في هذا الكتاب نقرأ أيضًا أنه في الأعمال الأدبية ما بعد الحداثية يتداخل غالبًا التمثيل الواقعي المحاكاتي للواقع مع التخييل والفانتازيا والأحلام وأحيانًا الهلوسة، وفي اختلاف واضح عن الأعمال الحداثية، كما نعرف أن الأدب ما بعد الحداثي يعكس، في رأي ستيوارت سيم، حالات جنون العظمة أو البارانويا بطرق شتى، كما تظهر حالات عدم الاستقرار وعدم اليقين والنسبية، كما تكشف الفوضى وجنون العظمة عن نفسها من خلال توظيف موتيفات كالمتاهة والقناع والمرآة.
وفي سياق حديث الكاتبة عن النص الإلكتروني تقول إنه لا يميز بين المؤلف والقارئ والنص نفسه، ولكن ينظر إليهم جميعًا بوصفهم أجزاء من نظام، وأن استبعاد أي منهم يعني عدم عمل النظام بالكفاءة المطلوبة.أما الصورة الأخيرة التي يرسمها الأدب الإلكتروني فهي مجموعة كبيرة من الأفراد يتصرفون بوصفهم قراء ومؤلفين في شبكات التغذية المرتدة المعقدة. كما تقول إن الأدب الإلكتروني قد انتقل من الهامش إلى المركز ومن الضجيج إلى الموسيقى، وقد تزايد عدد الفنانين والنقاد والمهتمين والمتابعين الذين يحاولون مأسسته بطريقة مشرفة، من خلال الكتابات والاجتماعات والمؤتمرات والجوائز والمنافسات.
هنا أيضًا تقول الكاتبة إن معظم النظريات النسوية استجوبت رأي ديكارت حول الذات، كما كشفت المناقشات النسوية والماركسية حول الذات عن الآثار السياسية العميقة للتخلص من افتراضات ديكارت حول الفردية والعقلانية والاستقلالية والجوهرية الإنسانية. كما تكتب عن إشكالية الذات والمعرفة الموضوعية في سياق ما بعد البنيوية، وعن نسوية التحليل النفسي اللاكانية وما بعد اللاكانية، وعن الديموقراطية الراديكالية وغيرها من موضوعات تدخل في سياق الحداثة وما بعدها والنسوية وما حولها من آراء ونظريات.
|