|
القاهرة 28 يوليو 2026 الساعة 09:34 ص

حاوره: مصطفى علي عمار
• فتحي إمبابي: الجوائز حق للمبدع والقارئ وأستحق جائزة نوبل ووشاح النيل
لقاؤنا اليوم مع رجلٍ حفر الأنفاق تحت الأرض، وحفر الرواية في وجدان المصريين. مهندس مدني ساهم في بناء مترو القاهرة، وروائي التزم بقضايا الوطن والإنسان. ابن الجمالية الذي هاجرت به الأيام إلى "سدود" بالمنوفية، فامتلأت عيناه بـ"غصن المعرفة الذهبي للجماعة المصرية".
شاب من جيل 67 الذي رأى الهزيمة، وقاد التظاهرات، ودخل السجون، ثم أجبر النظام على عبور القناة. غاسل صحون في لندن، ومدير مشروعات في ليبيا والعراق، وكاتب لم يترك القلم حتى في أحلك ساعات العمل. صاحب روايات "العرس" و"نهر السماء" و"مراعي القتل" التي نالت جائزة الدولة التشجيعية، ومؤسس ما سماه "الرواية المعرفية". مفكر بحث عن "الهويات المضمرة"، وعن اللغز الإنساني للشخصية المصرية بين الماضي العريق والحاضر المأزوم.
إنه فتحي إمبابي... الروائي المهندس، شاهد على نصف قرن من تاريخ مصر، وضمير يسأل عن العدالة والحرية والكرامة..
-
من هو فتحي إمبابي في ثلاث سطور؟
فتحي إمبابي مواطن مصري يعشق وطنه، مثقف يساري، يؤمن بالعدالة والدفاع عن حقوق الفقراء، وقبلهما يؤمن بالحرية والنظام السياسي الديمقراطي، وفي هذا الإطار يثق بالشعب المصري.
فتحي إمبابي روائي ملتزم بالقضايا الكبرى، ولا يميل لمفاهيم "ما بعد الحداثة"، ويهتم بعمق بالبحث في طبيعة الهوية. وهو من أطلق مفهوم "الهويات المضمرة"، وأسّس ما أطلق عليه "الرواية المعرفية".
في روايته "شرف الله" أحدث ثورة في الشكل والمحتوى، وطور نظرية لوكاش من "النموذج الاجتماعي" إلى "النموذج الثقافي".
فتحي إمبابي كتب رواياته الفريدة: "نهر السماء" و"مراعي القتل" و"شرف الله" وأخيراً "خماسية النهر".
فتحي إمبابي مهندس إنشاءات مميز وكفء، ساهم في بناء شبكة أنفاق القاهرة الكبرى.
فتحي إمبابي حاصل على بكالوريوس الهندسة المدنية من كلية الهندسة - جامعة عين شمس، ودبلوم تخطيط النقل من المعهد القومي للنقل، ودبلوم تخطيط أنفاق من ألمانيا الاتحادية.
-
قلت إن هجرتك من شبرا إلى سدود في العاشرة منحتك "غصن المعرفة الذهبي للجماعة المصرية". لو انكسر هذا الغصن اليوم، فمن في مصر لا يزال متمسكاً به؟ هل الفلاح مات أم أننا قتلناه؟
اسمح لي بالقول إن طبيعة الشخصية المصرية من الصعب تمثيلها بالغصن الذي قد يتعرض للكسر. إنها الجذر القوي العملاق الضارب بجذوره في عمق التاريخ. إنها الشخصية والهوية المصرية التي كونتها الجغرافيا والتاريخ والطبيعة، وفي القلب منها نهر النيل الذي أعطى المعرفة والحضارة للعالم.
الأمر الثاني أن أحد أهم ملامح الشخصية المصرية على الصعيد الفردي والجمعي يتمثل في قدرتها الفائقة على التكيف. ولهذا فعلى عكس جماعات وشعوب تلاشت، بقيت الجماعة المصرية قادرة، مثل العنقاء، على البزوغ من رماد الموت.
لهذا من غير المقبول القول بأن الشخصية المصرية قد تنكسر. وهي موجودة بين جميع الطبقات والمكونات، أي "الهويات الضامرة". وثورة 25 يناير دليل ساطع وبرهان جديد على طبيعة شعبنا العظيم.
في ظل الفوضى العامة الشاملة، وضياع مقياس القيم الأخلاقية والجمالية، واختلاط الحابل بالنابل، الكل مسؤول عن نفسه، والكل مسؤول عن الكل.
لم يقتل أحد، ولا يستطيع أحد أن يقتل الفلاح المصري، إلا إذا اعتبرنا أن التطور والتكنولوجيا أدوات لقتل التخلف.
أفهم ما تقصده، وخاصة أن جماعة الفلاحين بسبب التطورات المتسارعة أصبحت في حالة يرثى لها، وهذا مسؤولية المجتمع.
-
وصفت الريف بأن "الزمن يومه كالدهر، وعامه كالأبدية". بعد ست وستين سنة، هل تبدلت هذه الأبدية بـ"ستوري 24 ساعة"؟ وهل هذا خسارة أم تقدم؟
من الصعب الجزم بأي من الحالتين. الفلاح اليوم بفضل التطور التكنولوجي واستخدام الآلات الزراعية في مختلف المجالات: الحرث، الري، البذر، التنقية، الحصاد... قد توفر له من الوقت الكثير، وأصبح في حالة تميل إلى الكسل مما كان عليه بالأمس.
هل يعود هذا على الزمن بالزيادة أم بالتهشيم؟ لا أعرف.
من جهة أخرى لم يعد الريف ريفاً خالصاً، فقد جرت غزوة من قبل المدينة. غالبية الأسر تعلم أطفالها ومن ثم يصبحون موظفين. الدور الطينية ذات الطابق الواحد تلاشت، وحلت محلها مبانٍ متعددة الطوابق من الخرسانة والطوب الأحمر القبيح. والطرقات الترابية تخترقها بفظاظة الدراجات النارية. الريف المصري صار فوضى عارمة يصعب تفسير ما صار عليه.
-
قلت إن "هذا الجيل هو من أجبر النظام على دخول حرب أكتوبر وهو يخشى نتائجها". هل يعني ذلك أن السادات خاض الحرب خائفاً؟ ومن الذي كان يمسك بمفاتيح الأمة ووضعها في يد الأعداء كما ذكرت؟
حاول السادات لزمن طويل أن ينجز استعادة الأرض المحتلة "سيناء" عبر المفاوضات دون جدوى. وقد تجاهل كل من الكيان المغتصب والولايات المتحدة عروض السادات بفتح قناة السويس وخلافه. ولم تؤخذ عروضه على محمل الجد، وشرعت إسرائيل في بناء عدد من المستوطنات في سيناء.
في المقابل لم يهدأ الشعب المصري، وفي المقدمة الحركة الطلابية، من الضغط على النظام من أجل حرب التحرير. كما أن وجود الجنود والضباط المصريين في الخنادق لسنوات طويلة، وكان قد جرى إعادة بناء الجيش المصري من جديد، ومده بالجنود من حملة الشهادات العليا، وإعادة تسليح الجيش بصورة كاملة من قبل السوفييت، كما تم بناء حائط الصواريخ وإبطال فاعلية سلاح الطيران الإسرائيلي، وبناء غطاء للجيش المصري يمكنه من عبور القناة.
وهذا شكل أيضاً ضغطاً من أجل خوض الحرب.
في النهاية، عندما شعر السادات بأنه في مأزق بين الضغط الشعبي المتواصل وتجاهل الخصم، بدا واضحاً أنه لا سبيل أمامه سوى خوض "حرب تحريك". وقد أبلغ كيسنجر حدود الحرب: تحرير 10 كم على امتداد جبهة قناة السويس، وإجبار إسرائيل على دخول مفاوضات السلام. وهو ما حدث، وهو ما يعبر أيضاً عن نظرة السادات إلى حدود التوازن العسكري بين الجيشين المصري والعدو.
هل كان السادات خائفاً؟ لا يملك أحد الإجابة على ذلك سوى أحد من رفاقه في غرفة العمليات، وأنا لم أكن هناك، ولم يحصل أن أشار أحد منهم لذلك، وبالتالي يجب أن يكون الاعتقاد بأنه لم يكن كذلك.
أما من كان يملك مفاتيح الأمة، فبالطبع كان الرئيس في ذلك الوقت. ولكن القول بأنه سلمها للعدو، فهذا أمر ينبغي الحذر في القول به. حقق السادات هدفه في تحقيق السلام مع العدو. نتائج السلام، هل كانت في مصلحة الوطن أم لا، هذه قضية أخرى.
-
كتبت: "ونحن في العشرين من العمر قادنا عشق الوطن إلى سجون النظام ومعتقلاته، والإضرابات عن الطعام، ولم يكن". أكمل هذه الجملة الناقصة. وما اللحظة التي شعرت فيها بأنك تضيع عمرك هدراً وأنت في الزنزانة؟
لم يكن هذا يؤثر سلباً علينا أو يشعرنا بالخوف. كنا، ككل مواطن، مستعدين للتضحية بحياتنا والموت وكل شيء من أجل تحرير الوطن.
أما اللحظة التي شعرت فيها بأنني أضيع عمري هدراً وأنا في الزنزانة... هذه اللحظة لم تأتِ قط. أقسم بالله كنا نشعر بالسعادة، كنا نشعر بأننا أبطال. عندما يصبح الوطن في حاجة لأبنائه... فمن هو ذاك الخائن عديم الشرف الذي لا يفعل؟
-
مارست "أعلى مظاهر التمرد" في السبعينيات. لو نزل طالب في كلية الهندسة جامعة عين شمس اليوم في مظاهرة، هل سيعامله الأمن كما عوملتم أم أصبح أكثر حناناً؟
في هذا الصدد يجب أن نكون منصفين وموضوعيين. فمن الصعب المقارنة بين موقف السلطة من المعارضة إبان زمن الحرب، وحيث يكون هناك خصم وعدو يحتل جزءاً من الوطن، وبين موقف السلطة من المعارضة عندما يكون الصراع حول الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان وكرامته، وأيضاً عندما يعاني الشعب من الظلم والفساد والفقر والبطالة وغيرها الكثير.
السلطة تكون أضعف عندما يتعلق الوضع بالقضية الوطنية، وتكون شرسة في الحالة الثانية.
سجون ومعتقلات الستينيات كانت مرعبة وأشد قسوة، بينما كانت سجون ومعتقلات السبعينيات، في ظل احتلال إسرائيل لسيناء، اعترف أنها كانت "لحد ما" نزهة بالنسبة لما قبلها وما بعدها.
نعم، أذكر أننا عانينا من حفلات ضرب جماعية، وأنا رأيت كيف تم سحل رفاق مثل كمال خليل ومحمد فتيح وآخرين. ورغم ذلك فالأمر يظل مختلفاً.
كما ينبغي التأكيد أن جيل السبعينيات حظي بدعم شعبي كاسح، وهو ما كان يغل يد أي نظام عن البطش به، بينما لم يكن لدى الشيوعيين والإخوان قبل وبعد السبعينيات ظهير شعبي مساند لهم. بالطبع دعنا نخرج من السلسلة ثورة 25 يناير.
والآن، كيف يعامل الأمن طالباً من كلية الهندسة جامعة عين شمس خرج في مظاهرة الآن؟ هذا متعلق بإيمان النظام وسلوكه، ومن ثم الأمن، بالحرية والكرامة والعدالة والمساواة والقانون والدستور، أي النظام الديمقراطي.
ولكن المؤكد أيضاً أن مصطلحات مثل "حنان" لفرط كونها كوميدية تعد مضحكة ومثيرة للسخرية، وهي خارج القاموس اللغوي والثقافي والسياسي لدى أجهزة الأمن، ليس في مصر وحدها وإنما في كل أنحاء العالم.
-
وصفت البدو في ليبيا بـ"جلافة وفظاظة وقساوة البدو وغلظتهم" على المصريين. هل ما زال هذا الواقع قائماً إلى اليوم؟ ولو جلس أمامك سفير ليبي الآن، هل ستقول له الكلام نفسه في وجهه؟
أولاً: هناك حقيقة ساطعة وهي أن الشعوب العربية كافة ومن بينهم الشعب الليبي الشقيق يعشقون مصر ويقدرون فضلها حق قدرها.
ولهذا أربأ بنفسي أن أكون شخصاً متعالياً على أي شعب في العالم، ومن بينهم الشعوب العربية الشقيقة.
ثانياً: معاناة المصريين في بلاد النفط كان أحد أسبابها الرئيسية تخلي الحكومة المصرية عن دورها في حمايتهم والدفاع عن مصالحهم.
ثالثاً: هذا الوصف الذي جاء في رواية "مراعي القتل" يتحدث عن ظروف تاريخية معينة. الجماعة المصرية كانت قد خرجت منهكة من حروب طاحنة وأزمة اقتصادية واجتماعية وثقافية جعلت المصريين يعانون من لحظة فقدان ثقة في النفس والذات.
في وقت جعل النفط بعض المجتمعات وخاصة البدوية يتحولون فجأة إلى سادة وأصحاب قوة وسلطة هائلين على الشعوب العربية الفقيرة. وهذا أثار الارتباك بين الشعبين.
وقد ذكرت في الرواية أن أحد أسباب ظهور "مخالب الذئاب" هو تحول المصريين إلى قطيع من الأغنام، فدفع الذئاب إلى إشهار أنيابها.
وفي المقابل ذكرت في الرواية متى وكيف عشق الشعب الليبي مصر.
رابعاً: لو واجهت السفير الليبي لطلبت منه هو ووزير الخارجية المصري تقديم اعتذار للعمال والفلاحين المصريين الذين تم انتهاك حقوقهم في ليبيا في سبعينيات القرن الماضي، وأولئك الذين نهبت أموالهم تجار العملة السوداء، وأولئك الذين قتلوا على الحدود المصرية الليبية ونهبت أغراضهم أثناء رحلة العودة من ليبيا الشقيقة.
وأسمح لي أن أطلب أيضاً من الحكومة المصرية أن تبني شاهداً ضخماً على الحدود بين البلدين يخلد ذكرى الشهداء الذين ماتوا أو قتلوا، تخليداً لذكراهم وحتى لا تتكرر تلك الفظائع المأساوية والخسائر المادية.
-
عملت غاسل صحون وشيف ومدير في لندن ونشرت "يوميات غاسل صحون". متى بالضبط وأنت تغسل صحناً قلت لنفسك: "أنا مهندس دكتور روائي.. ما الذي جاء بي إلى هنا؟" ومن كسرك أكثر: الزبون الإنجليزي أم الزميل العربي؟
لم أسأل نفسي قط: "أنا مهندس وروائي... ما الذي جاء بي إلى هنا؟" إذ كنت سعيداً بالأوقات الجميلة والرائعة التي أمضيتها في أوروبا. أما العمل كغاسل صحون ونادل ومدير مطعم في حوانيت ومطاعم لندن فهي تجربة يتمناها الروائي الشاب، وأنا كنت مستمتعاً بالتجربة التي حلم بها كل شاب من جيلنا في مطلع حياته.
كما أن أحداً لم يكسرني، لا الزبون الإنجليزي ولا الزميل العربي. نعم كان هناك خلافات سياسية عميقة فيما بيننا، وليتها لم تكن، لكن تلك كانت طبيعة الأمور للأسف الشديد.
-
تركت عملك ستة أشهر متفرغاً من أجل "مراعي القتل". ماذا قال لك أهلك؟ هل اتهموك بالجنون أم دعمك؟ ولو أراد ابنك اليوم أن يترك عمله ليكتب، هل ستشجعه أم تأمره بالعودة؟
منذ طفولتي المبكرة وأيام المراهقة قدمت لي أمي ثقة لا حدود لها. لم تسألني يوماً أين كنت ولماذا تأخرت حتى هذا الوقت من الليل. كانت لدي منها خصوصاً، ومن كل الأهل، ثقة هائلة لا حدود. وأنا لم أخيب ظنها يوماً. وربما لكوني لم أتخلَ يوماً عن كوني مهندساً، وقمت دائماً بتحمل مسؤولياتي المادية والمعنوية دوماً تجاه الأسرة، لم أتلقَ توبيخاً ما. كانت أمي تقرأ رواياتي بمحبة، ولكني أيضاً لم أتلقَ الدعم من البقية. لقد اكتفوا بالمشاهدة، وخاصة أنني لم أحصل على مكاسب معنوية أو مادية من كتابة الروايات، وهي مهنة مكلفة جداً تنتهي بك إلى خسائر مفجعة.
ولا شك أنني سوف أدعم ابني وكل شاب لديه رغبة في أن يمارس حقه الطبيعي في الإبداع أو هواياته.
-
بنيت مترو الأنفاق وأنت ترى القاهرة "خرائب تغطيها عمارات حديثة من الخارج" و"خراب النفوس". بعد أربعين سنة، هل عالج المترو خراب النفوس أم أخفاه تحت الأرض فقط؟
لا هذا ولا ذاك.
شبكة المترو مشروع حضاري تفرض طبيعته المتطورة وإدارته بالتكنولوجيا الحديثة نمطاً مسيطراً على السلوك البشري.
بمعنى:
1. تنقل شبكة المترو ملايين الرحلات يومياً. الخط الأول ينقل أكثر من 60 ألف راكب في الساعة.
2. جوهر فلسفة المترو هو "زمن التقاطر" بين كل قطار والذي يليه، ويبلغ من 1.5 إلى 2 دقيقة. وهذا الزمن قليل جداً ولا يمكن المحافظة عليه بالإدارة البشرية، لذلك هناك:
أ: عزل كامل للمسار.
ب: لا توجد مزلقانات أو تقاطعات على طول المسار، فالقطارات تسير في مسار حر.
ج: تتم إدارة حركة القطارات من خلال غرفة عمليات مركزية، موجودة في الطابق الأخير بمبنى رمسيس.
النتيجة والمقصود هو أن فلسفة شبكة المترو هي التي تسيطر على السلوك البشري. وإذا لم تتمكن من ذلك وفشلت، فهذا يعني انهيار المشروع انهياراً كاملاً "فضيحة"، وهو بالطبع لم ولن ينهار.
تحدد القواعد مسؤولية المواطن منذ لحظة عبور خط التماس مع المحطة، أما قبل ذلك فهو يتصرف على طبيعته.
المدهش أنك تستطيع أن ترى سلوكين متناقضين للشخص نفسه خارج شبكة المترو وداخلها. وهذا لا يعيب الإنسان أو المواطن المصري إذا تمعنت في الأمر جيداً.
بمعنى: داخل الشبكة، بدءاً من المحطات، تتوفر للمواطن:
أولاً: كل الوسائل والتسهيلات التي يحتاجها وتُمكّنه من احترام القواعد والقوانين المنظمة للمكان واحترام نفسه.
ثانياً: داخل حدود الشبكة توقع العقوبات الفورية العادلة طبقاً للقانون فور ارتكاب الخطأ.
وكما ذكرت في البداية، إنه غير مسموح داخل الشبكة بالفوضى نهائياً.
والآن ماذا يرى خارج شبكة المترو، أي ماذا يجري فوق سطح الأرض؟ إنها الفوضى العارمة.
حقيقة دامغة ورائعة: شبكة المترو دليل ساطع على عظمة المواطن المصري وقدرته على التماهي مع العالم العصري، وهو غير مسؤول عن فساد الإدارة وفوضى القانون التي تجري فوق سطح الأرض.
-
قلت بالنص: "في ظل الانفتاح تندت أخلاق الغالبية من المصريين.. وتحولت الهيئات الحكومية وشركات القطاع العام إلى مرتع وبيئة خصبة للفساد". كنت مديراً عاماً. هل رأيت ذلك بعينيك وقدمت استقالتك أم واصلت وسكت من أجل "اللقمة"؟ احكِ واقعة فساد واحدة شهدتها ولم يعرفها أحد.
الانتقال من الاقتصاد الاشتراكي إلى اقتصاد السوق "الانفتاح الاقتصادي" لو تم بشفافية ونزاهة ودون فتح الطريق للفساد على الغارب، كان يمكن أن يكون مبرراً وممكناً. لكن السادات كان يبحث عن طبقة وقاعدة اجتماعية جديدة تسانده، ومن ثم كان الفساد هو الوسيلة لخلق طبقة اجتماعية فاسدة.
في رواية "مراعي القتل" ذكرت أن عبد الناصر وضع ثروة مصر في القطاع العام، وكان القطاع الخاص يعمل على الهامش وفي حدود ضيقة. وكان هناك عيوب جسيمة في القطاع العام مثل التكاسل وانعدام المنافسة، ولكن بنسب فساد ضئيلة لا تقارن بما حدث فيما بعد.
للأسف جرى تدمير وتشويه كل التاريخ السابق. كانت البداية بتلويث أهمية الديمقراطية الوفدية، وفيما بعد بمنجزات مصر الصناعية، والترويج لمصر بلد زراعي، ومجانية التعليم، والسد العالي. وبجوار إطلاق جيوش الفساد جرى أيضاً، بمنطق يصل إلى حدود الخيانة، إخراج شيطان التعصب الديني من الجحيم، وإعطاء الضوء الأخضر للجماعات الدينية المتشددة. لم يقتصر الأمر على الصراع بين قوى وجماعات التعصب ورجال الأمن، وإنما قاموا بالتهام المخزون الحضاري لدى الجماعة المصرية، وجرى التلاعب بالفتن الطائفية من أجل بقاء "الرئيس المؤمن" على سدة الرئاسة.
لم يتعلق الأمر فقط بالخسائر المادية، ولكن التشوه القيمي المجتمعي ربما كان أشد فداحة من تلك المادية.
-
اقتطع الناشر منك ألف جنيه من "نهر السماء" وأنت تبني أنفاقاً بمليارات. من السارق الأخطر: الذي سرق ألف جنيه أم الذي سرق وطناً؟
الغالبية لصوص يا عزيزي.
لكن بخصوص مليارات الأنفاق يجب توضيح الآتي:
1. علينا أن ندفع ثمن جهلنا وما يملكه الآخرون من تكنولوجيا متطورة.
2. تم تقدير الأرباح المنتظرة من مشروع الأنفاق في "توفير وقت المواطن".
3. حصلت على دبلوم تخطيط النقل عام 1986، وكنت الأول على الدفعة، وكان موضوع البحث "نقل تكنولوجيا الأنفاق"، وكان تقديري امتيازاً، ولم يهتم له أحد.
4. قد تلعب الارتباطات السياسية وربما المصالح الشخصية دوراً سلبياً في اختيار عروض مالية وفنية أفضل. حضر إلى القاهرة مسؤول ياباني رفيع المستوى من وزارة النقل اليابانية، ومعه عرض لتنفيذ الخط الثاني أو الثالث من شبكة الأنفاق "لست متأكداً" بتمويل بقرض يسدد على أربعين عاماً بفائدة 4% أو 5%. كما أن ماكينة الحفر اليابانية كانت تملك خاصية فريدة: إذا لزم الأمر تتسع عرضياً عند موقع محطة المترو لتنفيذ أرصفة المحطات. وهي خاصية غير متوفرة في ماكينة الحفر التي يستخدمها الفرنسيون، ولهذا يتم تنفيذ المحطات من سطح الأرض وبعمق يتجاوز 30 - 55 متراً مما يسبب خطورة على المباني المجاورة ويزيد من التكاليف المالية.
من المؤسف أن يكون على رأس الإدارة مسؤولون لا يعلمون أن مصالح الوطن أهم من مصالح الأشخاص. أذكر أن أحد كبار رجال الإدارة وهو شخص ومهندس شديد الذكاء والكفاءة كان دائماً يردد مقولة تثير الخزي:
"لا تقل لي الله ولا تقول لي الوطن".
مقولته الثانية:
`“Give and take”`
هذا المسؤول كان على رأس الإدارة الهندسية المدنية. في المقابل كان هناك المهندسة شويكار البدوي، وكانت مهندسة مميزة شديدة الذكاء على رأس الإدارة الفنية، منتهى الشرف، حاربت الجميع لفرط نزاهتها وشرفها. أذكر اسمها تقديراً لهذه المهندسة العظيمة التي تشرف مصر وكل المصريين. مصر بها الكثير من أولئك العظماء.. لكن وجودهم ليس متاحاً بسهولة، ولو أتيح مصر تتغير.
-
حصلت "مراعي القتل" على جائزة الدولة 1995 وقلت "كان هذا أول وآخر عهدي بالجوائز". لماذا قاطعت الجوائز؟ هل أدركت أنها مجاملة أم اكتشفت أنك أكبر من الجائزة؟
بشكل عام أنا لم أقاطع الجوائز، إلا أنني قاطعت جائزتين بصورة قطعية وامتنعت عن التقدم لنيلهما:
الأولى: جائزة نجيب محفوظ للجامعة الأمريكية.
الثانية: جائزة التفوق، والتي أعتبر نفسي أكبر من أن أتقدم لنيلها.
أنا الآن أستحق وعن جدارة جائزة الدولة التقديرية ووشاح النيل، وخاصة بعد كتابة "خماسية النهر". ولن أكون مبالغاً إذا قلت: نوبل.
الجوائز في حد ذاتها حق للمبدع والقارئ. من ينكر الدور الذي لعبته جائزة نوبل "قبل تسييسها" سواء لكبار الكتاب العالميين وللقارئ العالمي، وأعني كل أرجاء العالم، كدليل موثوق به لقراءة النصوص الأدبية الرائعة الجديرة بالقراءة؟
المشكلة ظهرت في العقود الأخيرة عندما أصبحت الجوائز الأدبية وسيلة للتركيز على نماذج للأدب ضعيفة، أو تدافع عن سياسات، أو تخدم سياسات الممول.
على العموم تقدمت للغالبية العظمى بنصوصي للجوائز وتم تجاهلها. مؤخراً حصلت على جائزتي اتحاد الكتاب وجائزة ساويرس لكبار الكتاب، وهذا أسعدني جداً. ولكني أيضاً امتنعت عن التقدم لجائزة نجيب محفوظ التي تصدر عن الجامعة الأمريكية وذلك خلال عامي 2003 "الغزو الأمريكي للعراق"، وعام 2023 بسبب موقف الولايات المتحدة من فلسطين.
كما امتنعت عن التقدم لنيل جائزة التفوق بعد أن فشلت في الحصول عليها عام 2002 وربما 2003 لا أذكر، وحصل عليها آخرون. وكانت مبرراتي أنني كبرت من الناحيتين العمرية والقيمة الفنية، ولا يصح لي أن أتقدم لنيل جائزة تخص الشباب، وأن هذا يقلل من قيمتي الشخصية ومن قيمة أعمالي.
ومن المؤكد أن هناك قدراً كبيراً من المجاملات والتدخلات من قبل كل من مانحي الجوائز ولجان التحكيم بصورة تتجاوز المعقول، وتمثل انحرافاً صارخاً عن النزاهة والاستقامة، وتُعادي معنى وقيمة الجائزة لأسباب متعددة على رأسها سياسة ممولي الجوائز وضعف مستوى لجان التحكيم وميولهم وانحيازاتهم.
أما أنني اكتشفت أنني أكبر من الجوائز، فأخبرني بربك من أنا حتى أكون أكبر من وشاح النيل؟ نعم أستحقه حتى ولو بعد رحيلي عن عالمنا المعتم.
-
تشوّه مسلسل "طيور الشمس" بحذف عشرين بالمئة من رؤيتك وأنت تجري عمليات حرجة في شبكية العين. لو التقيت بالشخص الذي بدّل الأحداث، هل ستسامحه أم ستعتبر ذلك جريمة كما وصفتها؟
يدور المسلسل حول مدرستين: الأولى حكومية والأخرى خاصة، ويظهر المسلسل التباين بين العالمين من الناحيتين الاجتماعية والطبقية. وكان المسلسل يدور في زمن انتشار المخدرات والهيروين وبيعها في الأكشاك والمحلات المواجهة أمام المدارس، حيث الزبائن هم تلاميذ الابتدائي وطلبة الثانوي.
تصل ذروة المسلسل مع قرار أولياء الأمور، أي الآباء، بمواجهة تجارة وتجار المخدرات. يخرج عقيد في الجيش وهو ولي أمر طالب، مسدسه ويضعه أمامه وهو يقول: "أأنا قاتلنا من أجل حماية الوطن ضد العدو الإسرائيلي، وأن لنا أن نخرج من أجل القتال من أجل أطفالنا لحمايتهم من تجار الموت الأسود".
عندما تقرر أجهزة الأمن مواجهة عصابات المخدرات، ولحماية الصغار من أخطار المواجهة المرتقبة، يقررون نقل طلبة المدرسة الخاصة إلى المدرسة الحكومية عبر الأسوار الخلفية بين المدرستين.
تحتضن المدرسة الحكومية أبناء الوطن الواحد، ويجتمع كل فصل في الفصل الموازي، ويتلقون دروسهم معاً، في مغزى عميق حول وحدة الوطن بكافة طبقاته في مواجهة الخطر المحدق به.
هذا المعنى العميق والذي يشبه النبوءة التي حدثت في ثورة 25 يناير 2011 تم إزالته من دراما المسلسل، وتم الاستعاضة عنه بشخصية لواء "أبله" يحمل في يده حفنة من تراب سيناء ويدور يلف بها وهو ينوح ويولول.
شعرت بالخزي الشديد وأنا أرى هذا الشخص وقد تم زرعه في عملي الدرامي.
بالنسبة لهذا الأحمق التافه المنحط البليد لا أعرف من هو، ولا أفهم كيف قبل المخرج هاني لاشين بهذه التفاهة والمنتج أيضاً. لن أسامح شخصاً جاهلاً وعديم الشرف. لن أسامح شخصاً تلاعب في دراما تخصني ونزل بها من عنان السماء إلى مستنقع التفاهة. كان لدي فرصة هائلة لأن أكتب باسمي تاريخ دراما تدعو للتعايش بين أبناء الوطن الواحد.
يمكن للمرء أن يسامح في أمور مادية، لكن لا يمكن أن يسامح في التلاعب في أفكاره ورؤيته الفنية. كان يمكن لمن تلاعب بنهاية المسلسل أن يتصل بي أو يستشيرني في التغيرات التي يرغب فيها، وكان هذا ممكناً حتى ولو باتصال تليفوني.
المثير للدهشة والقرف معاً أن حلقات المسلسل كافة كانت مجازة رقابياً، كما أن التلاعب الذي قام به مجهول لم يكن له أي ضرورات لا فنية ولا إنتاجية. كان الأمر "في ظني" تدخلاً يتسم بالحقد والغيرة وبلا أي مبرر.
هناك مسلسلات جميلة حري بإعادة إنتاجها بصورة عصرية، وأتمنى لو يحظى مسلسل "طيور الشمس" بإعادة إنتاجه يوماً ما.
-
عمرك ست وسبعون سنة وقلت: "الحياة ليست نزهة على شاطئ". فما أكثر نزهة على الشاطئ حرمت منها من أجل الكتابة والأنفاق؟
فكرت كثيراً في سؤالك، ولهذا دعني أقول إن ممارسة فعل الإبداع الروائي وأشياء أخرى، والعمل مهندس تنفيذ في شبكة أنفاق مترو القاهرة الكبرى، كانا نزهة شديدة الإمتاع في حد ذاتهما.
ولكن أيضاً كنت أتمنى أن تتوفر لي "تراس" شرفة ذات واجهة بحرية واسعة الأرجاء في طابق علوي تطل على حديقة واسعة، فضلاً عن "شاليه" في الطابق الثاني يطل مباشرة على البحر.
مثل هذين الموقعين يجعلان الإبداع نزهة تتوفر خلالها للمبدع الفرصة الذهبية للخوض في بحار من جماليات الإبداع.
وكي أزيد من الشعر بيتاً، فأنا معرض في هذا السن إلى الطرد من منزلي الذي أمضيت فيه عقوداً وأنفقت عليه الكثير والكثير من أموالي طبقاً لقوانين الإيجار الجديد.
فأي معاناة وألم وقلق لمواطن أحب وطنه وفعل ما يمكنه في خدمته؟
-
ما تقييمك للنشاط الثقافي والمشهد الثقافي العربي؟
أعتقد أن هناك مأزقاً عميقاً في المشهد الثقافي العربي، وهناك أمرين:
الأول: أن المشهد السياسي العربي، والحرب الأمريكية الإسرائيلية التي يشنها الكيان المغتصب في غزة والضفة وجنوب لبنان وبيروت، هي المسيطرة على العقل العربي وتبرز عجزه عن الفعل، فما بالك بالمواجهة.
الأمر الثاني: أعتقد أن المسيطر على المشهد الثقافي العربي الآن هي المؤسسات المانحة والممولة للجوائز، وهي في توجهاتها تحتل موقعاً لا يتسم لا بالنزاهة ولا بتقدير الجدارة.
ولكن في ظل الظلام يطل طاقة نور من بعيد، والغريب أنها تأتي من النشاط الرياضي. إذ أن نجاح المنتخب المصري في مباريات كأس العالم أطلق طاقة هائلة لدى الشعب المصري والشعوب العربية.
مثل هذه الطاقة الكامنة تستطيع أن تظهر وتؤثر في مجالات الحياة الأخرى؛ الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية. فقط نحن في حاجة ماسة إلى الإيمان بالذات، بالشعب، بالقضاء على أوجه الفساد كافة، بتوقير قيم الشرف ومبادئ الجدارة. وأيضاً نحن في أمس الحاجة إلى الديمقراطية، إلى قادة من طراز رفيع.
-
هل ترى تراجع دور مصر الثقافي كما يُشاع؟
عندما تغيب قيم العدالة والحرية والديمقراطية يتراجع كل شيء.
-
ما هي الرسالة التي تود أن ترسلها للمسؤولين عن الثقافة والإبداع في مصر؟
على المستوى الشخصي والإنساني لهم كل الاحترام.
على المستوى المهني فأعتقد أنه منذ عقود قام على إدارة الثقافة في مصر موظفون عملهم الأساسي هو تنفيذ السياسة التي يفرضها النظام السياسي.
"الثقافة في خدمة الشعب والمصريين" مصطلح غائب عن الجميع. حتى سياسة التنوير التي قادها الدكتور جابر عصفور وآخرون، والتي كانت ناجحة في مواجهة التيارات الدينية المتشددة، تجاهلت أهم الأسس الخاصة بالتنوير في الثورة الفرنسية، وهي القيمة العظمى لمفهوم الحرية: حرية الأفراد... حرية الشعب. والكارثة المخيفة تمثلت في أن فرسان التنوير المصري في التسعينيات كانوا يعملون في خدمة "الجمهورية الوراثية"... كانوا يؤسسون لعودة العبودية للشعب باسم التنوير.
يتضمن السؤال: ما هي الرسالة التي يمكن أن أوجهها للمسؤولين عن الثقافة في مصر؟
أقول إنه لا فائدة منهم في صناعة عهد ثقافي جديد. لا قدرة لديهم على تحديث المستقبل. أقول إنهم بلا رؤية ولا منهج ولا عقيدة تمكنهم من فهم الواقع أو التفكير في صناعة المستقبل لأجيالنا من الأطفال والشباب، والذين أصبحوا فريسة لسيطرة ثقافات أخرى تبدل أفكارهم وتجعلهم عرضة لفوضى ثقافية ونفسية واجتماعية. وليكن الله في عوننا وعونهم. وكل ما يقال في هذا الصدد "للأسف" عبث لا طائل منه.
-
ما هي النصيحة التي تود أن تنصح بها شباب الكتاب؟
1. الثقة في الذات.
2. الإيمان بالوطن.
3. عدم القبول بالسلوك "الدوني" أمام الفكر الغربي، وإنما التعامل معه بنديّة واحترام، والتفرقة بين ما هو إيجابي وما هو سلبي.
4. الثقافة والفكر والأدب مسؤولية على المستوى الفردي والاجتماعي والوطني.
5. جوهر الرواية هو المعرفة والوعي بالحياة، والبحث في طبيعة الهوية المصرية والعربية في ظل التخلف العام.
6. قلب الرواية النابض هو الترويج للحب والحرية والكرامة الإنسانية.
7. مهمة الروائي والفنان هي الوقوف خلف الجدارة، والدفاع عن الشرف والنزاهة.
8. الجوائز مهمة، لكن اتبع عقلك وقلبك ومسؤوليتك ومنظومتك القيمية والأخلاقية والفنية دائماً.
9. الكلمة مسؤولية فردية ووطنية وأخلاقية.
|