|
القاهرة 28 يوليو 2026 الساعة 09:18 ص

بقلم: أمل زيادة
سكان كوكبنا الأعزاء،..
ها نحن نلتقي من جديد..
لم أكن أعلم أن أغنية قديمة قد تعيدني لسنوات وسنوات مضت وخبى ضوؤها.. تمكنت تلك الأغنية التي سمعتها بالصدفة من أن تأخذني في جولة للماضي بهدوء مقارنة بأيامنا هذه..
حين كنا نعيش بعيد عن سطوة الكاميرا وهوس التريند.
حيث الخصوصية واحترام مساحة الآخرين الخاصة لا لشيء، لكن لأن كل منا يعلم أن الدنيا لا مقياس لها ومن يخطئ اليوم يعود غدا للطريق الصحيح وبريء اليوم خاطئ الغد وهكذا...
لم يكن عالمنا مثاليًا لكنه كان هادئًا حيث كان مصدر الأخبار واحد، ومصدر المتعة واحد وأماكن الترفيه محدودة.
وسيلة التثقيف الوحيدة مكتبة الآباء وكتب الأصدقاء التي نتبادلها سرًا.
لم تكن حياتنا نقية وبلا مشاكل لكنها كانت محدودة، لم يكن هناك انفتاح مزعج على ما يخص ولا يخص كهذه الايام.
كانت الرياضة واللعب في الشارع والجلوس بالحدائق العامة مصدر التسلية الوحيدة أمامنا، لم يكن لدينا نوادي وساحات رياضية بل ساحات شعبية ونوادي تعد على أصابع اليد الواحدة وليست متاحة إلا لطبقة معينة.
وعلى الرغم من ذلك كانت حياتنا أبسط والتفنن في إيجاد السعادة وخلقها أكثر سهولة ويسر. لم يكن لدينا محلات تبيع لعب الأطفال مثلا فكنا نخترع الألعاب التي أخذها المستثمر وحاول إعادة تدويرها بشكل يبدو متقدما نوعًا ما.
مثل الاسكوتر والنحلة، لا تزال هذه الألعاب موجودة في الأحياء الشعبية كان يتقن أخي لعبة النحلة والقطان.
شاهدته يقيم وأصدقائه مسابقات خاصة بها من يتلقفها وهي تدور على كف يده دون أن تقف، شاهدت أخي وهو يقوم بصناعة الاسكوتر مع أصدقائه لحظة بالحظة مستخدمين أغطية زجاجات المياه الغازية (الكازوزه) بعد طرقها بصخرة أو شاكوش وفتحها جميعا لتبدوا جميعها بلا حواف ومبسطه ثم يقوم بثقبها بمسمار يفعلون ذلك مع العديد من الأغطية، ويقوم بتجميعها من المنتصف بسلك، وبذلك يكون قد صنع أول إطار في منظومة صنع الاسكوتر.
يواصل عمله حتى يحصل على الثلاث عجلات والباقي سهل؛ قطع خشبية ملقاة هنا وهناك، ويقوم بتوصيل كل ذلك وربطه ليصبح لديه لعبة يسير بها ويلعب بها هو وأصدقاؤه .
لم تكن صناعة العرائس منتشرة كهذه الأيام كانت الأمهات تقوم بصناعتها من بواقي القماش وترسم وجهها بالقلم، وكانت هذه العروسة صديقتنا المخلصة وكاتمة أسرارنا.
لم تكن أيامنا بريئة بل كانت أقل صخبا، محدودة المشاكل، لذا نراها أكثر هدوءاً لكن بها سلبيات بلا شك، وحوادث شهيرة أرّقت المجتمع وشكلت صدمة كبيرة لنا آنذاك، مثل حادث اغتصاب فتاة المعادي وفتاة العتبة وغيرها من فواجع جيلنا التي تركت أثرا لا يُمحى. الآن ورغم بشاعة المواقف وكثرة الأحداث لا شيء يعلق في الأذهان ربما لتسارع الأحداث وتفنن السوشيال ميديا في تضخيمها.
إلا أنه بقدر التضخيم يكون النسيان.
سكان كوكبنا الأعزاء،..
يقومون بأعمال تطوير في منطقتنا بعد أن كنت أطل من شرفة منزلي على وحدة عسكرية لسنوات جاوزت العشرين أصبحت أطل على طريق عمومي.
في بادئ الأمر قلت لأسرتي لنودع الهدوء والرقي والخصوصية والحرية كوننا نسكن الطابق السادس، نحن الأعلى من أي مبنى موجود في الوحدة التي نطل عليها. لم نهتم بالشرفة ولا الجلوس بها حيث لا شيء مميز في الإطلالة.
الآن وبعد 25 عاما تغيرت الإطلالة وجاء التطوير بالحياة للمنطقة، ظننتها ستظل هكذا للأبد، لكن جراءة التنفيذ هي التي أبهرتني، تحول الصمت لصخب وحياة ومعدات، وأصبحت الشرفة مكان نتسابق على الجلوس فيه، وكلما رأينا شيئا مبهجًا ننادي على الموجود ليرى أو نصوره لنريه ما فاته كونه خارج المنزل حينها.
أجمل ما في شارعنا الجديد أنه أصبح وجهة للجميع هذا يوقف سيارته ليلتقط الصور، وآخرون يقفون للصلاة في منتصفه يريدون ترك أثرٍ أو سماع همس الطريق وتسبيحه، والأجمل على الإطلاق أنه أصبح وجهة لهواة التعلم، هذا الأب يعلم ابنته كيفية ركوب الاسكوتر يركبها وهي أمامه يحاول مساعدتها على التغلب على مخاوفها، وهؤلاء الذين يتدربون على القيادة وهؤلاء الصبية الذين يأتون كل يوم يحضرهم والدهم بسيارته يلعبون الكرة ويعود ليأخذهم في موعد محدد، أعاد إلينا ذكرياتنا وأيامنا الحلوة حيث أكبر همنا هو التخطيط للعبة الغد لا متابعة تريند الغد.
سكان كوكبنا الأعزاء،..
لاحظت أن الشوارع عادت تمتلئ بالأطفال الذين يلعبون في الشارع، لم يصبحوا أسرى الهواتف الذكية، لدينا جيل واعٍ من الآباء أدرك حجم الكارثة التي أصابت الجيل السابق الذي استسهل التربية بإسكات الطفل بالهاتف والألعاب الإليكترونية، ما أدى لانتشار أمراض مثل التوحد وما شابه.
عادت الحياة لشارعنا كما عاد الوعي للبعض وهي ظاهرة جميلة.
أحدث أبنائي عن أجمل ما في طفولتنا اخبرهم أن الطرق كانت تقفل بعد فوز النادي الأهلي في المباريات، لا لإشعال الشماريخ بل لتوزيع الشربات على المارة احتفالا بالفوز.
كنا نسهر نصنع زينة رمضان من ورق الكراريس ونقوم بلصقها بالنشاء لا نشتريها جاهزة كهذه الأيام.
كنا نرى العيد لا نستشعره بالقرب من المساجد كأيامنا هذه.
نراه في الملابس الجديدة التي نتفنن في شرائها، فستان العيد وحذاء العيد وحقيبة العيد ونظارة شمس العيد.
لم تكن فساتين العيد كأيامنا هذه. العيد يعني اللبس الجديد وتكبيراته ورؤية الشارع بعيون مبتهجة نرى السعادة في الوجوه حتى الأشجار لونها يختلف.
كما نراه في الدراجات المزينة بأشرطة ملونة نرى العيد بصوت بهجة أغنية أهلا بالعيد، حياتنا كانت أبسط، وأهدأ، وحياتكم هي الأسرع ورغم سرعتها وضجيجها إلا أن ما يجملها أنتم وكل من تحبون.
أعاد الشارع الجديد الحياة لحينا وأعاد إليّ ذكريات تتجدد كل يوم مع مظاهر الحياة التي نلاحظها، رغم أنه لا زال قيد الإنشاء لم يفرغوا بعد منه.
أدرك أنه بتمام تشغيله سيصبح لدي العديد والعديد من القصص، بت أخصص مكانا في الشرفة أجلس به كل مساء ينقصني فقط أن أقتني راديو لأسمع الإذاعة وأرى من يحاول التشبث بالسعادة مثلي.
لكل هؤلاء، ولكم،.. كونوا على الموعد لأن لدي الكثير لأخبركم به.
|