|
القاهرة 07 يوليو 2026 الساعة 10:59 ص

بقلم : حسن غريب أحمد
لماذا لا يزال الأدب في عالمنا العربي مهنة بلا أجر؟
في كل معرض كتاب عربي، وفي كل ندوة ثقافية أو أمسية شعرية، تتكرر المشاهد ذاتها: جمهور يصفق، وصور تذكارية، وشهادات تقدير، وكلمات ثناء وإعجاب.
لكن ما إن تنتهي الفعالية ويعود الكاتب إلى منزله حتى يصطدم بواقع مختلف تمامًا؛ واقع لا يعترف بالشهرة الثقافية ولا بالمكانة الأدبية، بل يعترف فقط بفاتورة الكهرباء وإيجار السكن وثمن الدواء ومتطلبات الحياة اليومية.
هنا تظهر الحقيقة التي يحاول كثيرون تجاهلها أو تجميلها: الأدب في عالمنا العربي لا يزال في أغلب الأحوال مهنة بلا أجر، أو جهدًا هائلًا بعائد هزيل، حتى باتت عبارة «الأدب لا يطعم خبزًا» أقرب إلى توصيف دقيق للواقع منها إلى مجرد حكمة متداولة.
سنوات من العمر مقابل حفنة من العائد ،حين يقرأ القارئ رواية في بضعة أيام، فإنه لا يرى السنوات التي استهلكها الكاتب في إنجازها.
لا يرى مئات الساعات التي قضاها بين الكتب والمراجع، ولا الليالي الطويلة التي عاشها في بناء الشخصيات والأحداث، ولا المعاناة النفسية والفكرية التي رافقت عملية الكتابة.
قد يستهلك الروائي خمس سنوات أو عشر سنوات من عمره لإنجاز عمل واحد، ثم يكتشف أن الطبعة الأولى لم تتجاوز ألف نسخة، وأن نسبة حقوقه لا تكاد تكفي لشراء ما أنفقه أثناء الكتابة من كتب ومراجع.
أما كاتب القصة القصيرة، فمعاناته أشد.
فهو يعمل في فن يُعد من أرقى الفنون السردية، لكنه الأقل حظًا في النشر والتسويق والجوائز والاهتمام الإعلامي.
وكأن الإبداع يقاس اليوم بعدد الصفحات لا بجودة النص.
وفي الشعر، تبدو المأساة أكثر وضوحًا..
فديوان الشعر أصبح سلعة ثقافية محدودة التداول، رغم أن الشعر ظل لقرون طويلة تاج الأدب العربي وذاكرته الحية.
في كثير من دول العالم، يحصل الكاتب على مقابل مادي لنشر كتابه، أما في أجزاء واسعة من العالم العربي فقد انقلبت المعادلة؛ فأصبح الكاتب هو الذي يدفع.
فيتحمل تكاليف الطباعة والتصميم والتدقيق والشحن والتوزيع، ثم يُطلب منه أن يشكر دار النشر لأنها منحت كتابه فرصة الظهور.
والأسوأ أن بعض الدور لا تقدم تقارير واضحة عن المبيعات، ولا تلتزم بمعايير احترافية في حفظ حقوق المؤلف.
وهكذا يجد الكاتب نفسه ممولًا للعملية كلها، من الفكرة الأولى إلى النسخة الأخيرة، بينما تتوزع الأرباح ـإن وجدت ـ بين أطراف أخرى.
-
القرصنة... العدو الذي يسرق الحلم
ما أن يحقق كتاب ما قدرًا من النجاح حتى تبدأ نسخ إلكترونية مقرصنة بالانتشار عبر مواقع وصفحات ومنصات مختلفة.
وفي غضون أيام قد يصل الكتاب مجانًا إلى آلاف القراء، بينما لا يحصل مؤلفه على شيء.
المفارقة المؤلمة أن بعض من يمارسون القرصنة يبررون فعلتهم بنشر الثقافة، متناسين أن الكاتب الذي أمضى سنوات في إنجاز عمله له حق مادي وأدبي لا يقل أهمية عن حق القارئ في الوصول إلى المعرفة.
فكيف يمكن أن يستمر الإبداع إذا كان المجتمع يطالب الكاتب بالإنتاج المستمر، ثم يحرمه من أبسط حقوقه المادية؟
-
المرض لا يعترف بالشهادات التقديرية
المشكلة لا تتوقف عند ضعف الدخل فقط، بل تمتد إلى غياب الحماية الاجتماعية للمبدعين.
فعندما يمرض الكاتب، لا تشفع له قصائده ولا رواياته. وعندما يحتاج إلى عملية جراحية أو علاج باهظ الثمن، لا تنفعه الصور التذكارية التي التقطها في المؤتمرات والمهرجانات.
كم من أديب عربي كبير رحل وهو يعاني المرض والفقر في آن واحد؟!
وكم من شاعر عاش سنواته الأخيرة معتمدًا على مساعدات الأصدقاء ومحبيه؟ وكم من روائي أفنى عمره في خدمة الثقافة ثم وجد نفسه عاجزًا عن توفير احتياجاته الأساسية؟!
إن المجتمع الذي يحتفي بالمبدع في المهرجانات ثم يتركه وحيدًا في مواجهة المرض والشيخوخة، يمارس نوعًا من التناقض الأخلاقي والثقافي لا يمكن تجاهله.
-
نجيب محفوظ لم يعش من الرواية وحدها
غالبًا ما يتصور الشباب أن الشهرة الأدبية كفيلة بتأمين الحياة المادية، لكن الواقع يثبت العكس.
فالأديب الكبير نجيب محفوظ ظل موظفًا حكوميًا حتى تقاعده.. وطه حسين شغل مناصب أكاديمية وإدارية، والعقاد عمل بالصحافة، وتوفيق الحكيم شغل وظائف حكومية متعددة.
ولم يكن ذلك لأنهم يفتقرون إلى الموهبة أو الانتشار، بل لأن الأدب وحده لم يكن كافيًا لتأمين الحياة.
وفي الغرب أيضًا، عاش كثير من الأدباء الكبار حياة صعبة قبل أن يتحولوا إلى رموز أدبية خالدة.
ففرانز كافكا كان موظفًا، وإدغار آلان بو عانى الفقر، وأبو حيان التوحيدي في تراثنا العربي ظل نموذجًا للمثقف الذي طحنه الحرمان.
يرى البعض أن الجوائز الأدبية عوضت هذا الخلل، لكن الحقيقة أنها استفاد منها عدد محدود من الكتّاب، بينما بقيت الأغلبية خارج دائرة الضوء.
ثم إن الجائزة مهما بلغت قيمتها تبقى حدثًا استثنائيًا لا مصدر دخل دائمًا، فالكاتب يحتاج إلى منظومة ثقافية عادلة، لا إلى ضربة حظ عابرة.
إن بناء صناعة نشر حقيقية، واحترام حقوق الملكية الفكرية، وتطوير شبكات التوزيع، وتوفير التأمين الصحي والاجتماعي للمبدعين، أمور أكثر أهمية من عشرات الجوائز الاحتفالية.
-
لماذا يواصل الأدباء الكتابة إذن؟!
لأن الكتابة بالنسبة للمبدع الحقيقي ليست وظيفة فقط، بل ضرورة وجودية.
إنه يكتب لأنه يرى العالم بطريقة مختلفة.
يكتب لأنه يؤمن أن الكلمة قادرة على مقاومة النسيان والجهل والقبح.
يكتب لأنه يشعر أن لديه ما يستحق أن يُقال.
ولذلك استمرت الكتابة رغم الفقر، واستمر الشعر رغم التهميش، واستمرت القصة القصيرة رغم تجاهل السوق، واستمرت الرواية رغم ضعف العائد.
قد لا يصنع الأدب ثروة، لكنه يصنع أمة..
وقد لا يملأ جيوب أصحابه، لكنه يملأ ذاكرة الشعوب ووجدانها.
غير أن هذا لا يمنح المجتمع حق الاستمتاع بثمار الإبداع ثم ترك المبدعين فريسة للفقر والمرض والنسيان، فالكاتب الذي يمنحنا الوعي والجمال والمعرفة، يستحق أكثر من تصفيق عابر أو شهادة تقدير مؤطرة على جدار.
يستحق الأديب حياة كريمة، وعلاجًا لائقًا، وحماية اجتماعية تحفظ له كرامته.
وإلى أن يتحقق ذلك، سيظل كثير من الأدباء العرب يكتبون للخلود، بينما يخوضون معركة الخبز وحدهم!
|