|
القاهرة 07 يوليو 2026 الساعة 10:51 ص

قصة: محمد مبارك
عاد إلى الوطن بعد غيابٍ طويل.. ظن أن طول السفر سيُنسيه الماضي. كان متأكدًا أنه لن ينسى قصة الحب التي لم تكتمل، مهما حاول، لكنه كان يقاوم.. مسح الزمن من ذاكرته أشياء كثيرة، لكن قلبه أبَى أن ينسى حبه لها.. دخل البيت وأنزل الحقائب، جلس على أريكته القديمة المفضلة دون حتى أن ينفض عنها غبار السنين.. راح ينظر إلى كل ركن في المنزل ويقول متعجبًا: ماذا فعل بنا الزمن؟! كأنني كنت هنا بالأمس، عندما عُدت للمنزل حزينًا بعد اللقاء الأخير..
سمع صوتًا من داخله يقول: افتح باب الغرفة، ألقِ نظرة على الذكريات.. حاوَل أن يقاوم، ما زال يقنع نفسه أنه تجاوز الماضي، لم يستطع الهروب من أفكاره، ربما حان الوقت أن يتوقف عن خداع نفسه.. اندفع نحو باب الغرفة، دفع الباب ودخل مسرعًا ليفتح الخزانة.. أخرج نسخة من أول رسالة أرسلها إليها، شعر بأنه يقرأها للمرة الأولى، مع أن كلماتها محفورة في قلبه.. استمَر في طريق الاستسلام للشوق القديم الذي لم ينطفىء.. فتح هديتها الأولى له، كأنه فتح نافذة إلى الماضي.. تعب َمن زحام الذكريات التي بلا أمل..
خرج من الغرفة ولا يزال قلبه مستغرقا في الذكريات، كأنه سافر بالزمن إلى الخلف وعلق هناك.. نسي أن يبدل ملابسه، نسي عناء الرحلة، حتى أنه نسي نفسه.. حاصره النعاس فنام على أريكته كالطفل بعد أن أنهكته عواصف الأفكار.. استيقظ على صوت المطر الغزير في الصباح، يضرب بشدة زجاج النافذة القديمة.. استعاد وعيه، وأول ما تذكر كان سيرهما معًا تحت الأمطار، وحديثهما الدافئ الذي كان يقهر برودة الطقس.. وقتها لم يكن يتوقع أن الزمن يخفي نهاية للقصة.. لطالما كان يسأل نفسه طوال فترة الاغتراب، هل حقًا كان وداعنا هو نهاية القصة؟! كان يُقنع نفسه أن عليه أن يستمر في ادعاء النسيان، فليس أمامه إلا الصمود وعدم التراجع، لكن قلبه ظل متمسكًا بالأمل..
كان صوت الرعد يهز قلبه من الداخل.. شعر بشيء من القوة يسرى في جسده.. فجأة، أخذ قرار المواجهة مهما كانت النتائج، كأن صاعقة من البرق قد أصابت قلبه وحررت روحه الأسيرة.. لقد تحرر قلبه أخيرًا ومزق قيود الماضي.. بدَّل ملابسه وخرج مسرعًا من المنزل، كان الكل حوله يجري بحثًا عن مكان للاحتماء من شدة المطر.. لم يشعر حتى بغزارة الأمطار، كان قلبه يُسيره، والشوق الملتهب يدفعه دفعًا. لم ينتبه إلا عندما وجد نفسه أمام حديقة منزلها.. رآه حارس حديقتها، فتذكره وسلّم عليه.. أخبره الحارس أنه لم يكن يتوقع أن لقصة حبهما نهاية.. سأله عنها بلهفة شديدة، فأخبره الحارس أنها صارت وحيدة بعد وفاة والدتها، غابت الابتسامة عن وجهها وفارق الأمل حياتها..
لم ينتظر حتى يُكمل الحارس كلماته، فجرى نحو باب المنزل كأنه طفل تائه يبحث عن أمه.. طرق الباب، ولم يسمع صوت الطَرقات من شدة صوت نبضات قلبه.. فتحت الباب، رآها للمرة الأولى بعد سنوات.. غيّر الزمن ملامحها قليلًا، لكنها في عينه كما كان يراها دائمًا، جميلة الوجه والروح.. تبادلا النظرات في صمتٍ عجيب، كأن الكون قد توقف عن الحركة.. شعر أنه فقد القدرة على الكلام، وظلت هي على صمتها.. لم يُسمع في المكان سوى صوت قطرات المطر وهي تصفع الأرض من شدتها..
كانت العيون تتكلم، وتبوح بما عجزت عنه الألسنة.. كان في شوقٍ رهيب لأن يسمع صوتها الحنون.. آن الأوان أن يُكسر الصمت، نطق أخيرا وقال لها: ماذا فعل بكِ الزمن؟! ردت بصوتٍ حزين: توقف بي منذ أن افترقنا.. سألته: وماذا فعل بكَ أنت؟! قال لها: أنساني كل شيء إلا أنتِ.. حانت اللحظة التي ينتظرها ليعرف الإجابة.. سألها بنبرة خائفة وكأن الكلام لا يريد أن يخرج من فمه، هل انتهت قصتنا معًا؟! لم تُجبهُ، وحاولت أن تهرب بنظراتها الحزينة.
سكت قليلًا ونظر في الأرض، شعر بأنه خائر القوى، لم يشعر حتى بقدميه على الأرض.. رفع رأسه إلى السماء كأنه يطلب العون.. نظر إليها مرة أخرى وكأنه هزم اليأس في أعماقه، ثم قال لها: هل يمكن لقصتنا أن تبدأ من جديد؟! ابتسمت له، وحركت رأسها بخجل.. عاد البريق إلى عينيها.. شعر أن الشمس قد عادت لتنير حياته بعد أن انطفأت لسنوات، كأن الربيع قد حل أخيرًا على قلبه ليزهر الأمل فيه من جديد.. مدَّ يده إليها، فأمسكت بها بشوقٍ، وكأنها كانت تنتظر تلك اللحظة.. أذاب دفء يديها الدم المتجمد في عروقه..
ظل يُحدث نفسه متعجبًا: ماذا فعل بنا الزمن؟! لعله أدرك أن هذا السؤال سيبقى بلا إجابة، فالمهم أن القصة لم تنتهِ بعد.. فمهما بلغت قسوة الشتاء، فالربيع سيأتي في موعده، لتهدأ العواصف، ويحيا الأمل في النفوس من جديد..
|