|
القاهرة 05 يوليو 2026 الساعة 10:53 م

?متابعة: نهاد إسماعيل المدني
شهدت فعاليات المهرجان الختامي لفرق الأقاليم المسرحية في دورته الـ48، وعلى خشبة مسرح السامر بالعجوزة، حالة من الاشتباك الفكري والجمالي، حيث قدمت فرقة قومية الفيوم العرض المسرحي "ال?تارين". العرض الذي يأتي في إطار المهرجان الذي تنظمه الهيئة العامة لقصور الثقافة، لم يكن مجرد عرض مسرحي عابر، بل محاولة جادة لفك شفرات الصراع بين الموروث الحقيقي والانبهار بالمظاهر الزائفة في عالمنا المعاصر.
* ?بين نص رومان ورؤية زين: إعادة صياغة للواقع
استلهم المخرج عزت زين عرضه من نص "الزجاج" للكاتب المسرحي القدير ميخائيل رومان، وهو النص الذي كُتب في أواخر ستينيات القرن الماضي. ورغم التباعد الزمني، وجد "زين" في مفردات رومان أرضية خصبة لمناقشة أزمات المثقف الراهن، ذلك الذي يقف حائراً بين رغبته في الانخراط في نبض المجتمع وميله للانسحاب من عالم تسيطر عليه "الترندات" والقشور.
?ولم يكتفِ المخرج بالتقديم التقليدي للنص، بل أقدم على عملية "دراماتورج" شاملة بالتعاون مع أسامة سند، حيث أعاد كتابة النص بالكامل. شملت هذه الرؤية الإخراجية إعادة صياغة العلاقات الدرامية وتحديث المفردات لتصبح أكثر ملامسة للواقع المعيش، مع الحرص التام على الحفاظ على الجوهر الفلسفي الذي أرساه رومان، وهو ما خلق توازناً بين كلاسيكية النص وروح العصر.
* ?ال?تارين كرمز للاغتراب
وظف صناع العرض عناصر السينوغرافيا لتعميق الفكرة؛ حيث صمم مصمم الديكور مصطفى فكري "ال?تارين" كرموز لنوافذ تطل على العالم، ومن خلالها تتسرب المؤثرات الخارجية لتغزو الهوية. فكل "فاترينة" أصبحت تجسد جانباً من تأثير الثقافات الوافدة على نسيجنا الاجتماعي، بينما لعبت إضاءة محمود يس دور الراوي البصري، خاصة في المشاهد التي تباينت فيها صور الأب "التقليدي" بالأبيض والأسود مع صور الأم "التكنولوجية" الملونة، في إشارة ذكية للشرخ القيمي الذي يعيشه المجتمع.
* ?شخصيات في مواجهة المرآة
تجسدت أزمة الهوية من خلال أداء أبطال العرض؛ فقد جسدت الفنانة جيهان رجب ثنائية متناقضة بين "فريدة" الزوجة الطموحة، و"سيدة ال?تارين" التي ترمز للقوة والسيطرة. في حين قدم الفنان محمود عبد المعطي شخصية "حمدي"، المثقف الذي يعاني من ضغط التحولات، محاولاً نقد التطور الذي تحول إلى أداة لهدم الذات. بينما أضفى الفنان عيد عثمان طابعاً تعبيرياً على شخصية "الشيخ" الذي يسعى لفرض نفوذه دون وعي حقيقي بجوهر ما يدعو إليه.
?لقد قدمت فرقة قومية الفيوم من خلال "ال?تارين" عرضاً يطرح تساؤلات ملحة حول مصير الهوية في زمن العولمة، مؤكدة أن المسرح لا يزال هو المرآة الأكثر صدقاً لتعرية زيف المظاهر، ومساحة حرة لإعادة اكتشاف الذات وسط صخب الحياة المعاصرة.



|