|
القاهرة 05 يوليو 2026 الساعة 04:20 م

بقلم: محمد خضير
نعلم دائما أن الثقافة تقاس بقدرتها على الوصول إلى المواطن أينما كان.. فالثقافة الحقيقية التي تمتلك الأدوات والمنتج الذى يخرج من جدران المؤسسات، وتسير في الشارع، وتجلس في الميدان، وتشارك الناس تفاصيل حياتهم اليومية.. ومن هنا تكتسب مبادرات وزارة الثقافة، وفي مقدمتها "شارع الفن" و"الثقافة حياة"، أهمية استثنائية، لأنها تعيد صياغة العلاقة بين الثقافة والمجتمع من خلال الفن، وتؤكد أن الإبداع حق أصيل لكل مواطن.
* رعاية الفن
ومع التطور فى اغلب المؤسسات الثقافية عن الدور النمطي تقوم بدور مهم في رعاية الفنون والآداب، وفق تغيرات المجتمع وتطوير أدوات الوصول إلى الجمهور.. فإيقاع الحياة أصبح أسرع، ووسائل الترفيه أكثر تنوعًا، والمنافسة على جذب انتباه المواطن أشد من أي وقت مضى.. لذلك كان لا بد أن تتحرك الثقافة نحو الناس، وعندما يتحول أحد الشوارع إلى مسرح مفتوح، أو تصبح الساحة العامة معرضًا للفنون التشكيلية، أو تستضيف الحدائق عروض الموسيقى والفنون الشعبية، فإن الرسالة تتجاوز حدود العرض الفني نفسه.. إنها رسالة تقول إن الثقافة أسلوب حياة، وإن الفن يمكن أن يكون حاضرًا في تفاصيل اليوم العادي، تمامًا كما هو حاضر في المسارح الكبرى.
* التفاعل الجماهيري
ولعل أجمل ما يتحقق بمبادرة "شارع الفن" أنها أعادت الاعتبار لفكرة اللقاء المباشر بين الفنان والجمهور.. ففي زمن أصبحت فيه الشاشات وسيطًا دائمًا بين الإنسان وكل شيء، يعود الفنان ليقف أمام الناس وجهًا لوجه، ويعود الجمهور ليتفاعل مع العمل الفني دون حواجز أو تذاكر أو بروتوكولات، فتولد لحظة إنسانية صادقة، هي جوهر الثقافة الحقيقية.
كما أن أهمية مبادرة "الثقافة حياة"، تحمل في اسمها فلسفة كاملة.. فالثقافة هي عنصر أساسي في بناء الإنسان، وصناعة الوعي، وترسيخ قيم الانتماء والجمال.. وكل مجتمع يضع الثقافة في قلب مشروعه التنموي، إنما يستثمر في مستقبله قبل أن يستثمر في حاضره.
* العدالة الثقافية
ومن أبرز ما يميز هذه المبادرات أنها تنطلق من مفهوم العدالة الثقافية، وهو أحد أهم المفاهيم التي ينبغي أن تحكم العمل الثقافي في الجمهورية الجديدة.. فالعدالة تعني أيضًا توزيع الفرص، وإتاحة الإبداع لكل أبناء الوطن، سواء كانوا في العاصمة أو في المحافظات أو القرى والنجوع.. فالطفل الذي يشاهد لأول مرة عرضًا للأراجوز أو مسرحًا للعرائس في محافظته، ربما يكتشف داخله شغفًا بالفن يغير مستقبله.. والشاب الذي يعرض لوحاته في فعالية مفتوحة قد يجد من يؤمن بموهبته ويفتح أمامه أبوابًا جديدة.. والأسرة التي تحضر حفلة موسيقية مجانية في ميدان عام، تكتشف أن الثقافة يمكن أن تكون جزءًا من يومها العادي.
* حماية الهوية المصرية
كما أن هذه المبادرات تؤدي دورًا مهمًا في حماية الهوية المصرية.. ففي ظل التدفق الهائل للمحتوى الرقمي، تحتاج الأجيال الجديدة إلى أن ترى تراثها حيًا أمامها، لا مجرد صور في الكتب.. وعندما تقدم الفنون الشعبية، والحرف التراثية، والأراجوز، وصندوق الدنيا، والتنورة، والموسيقى المصرية الأصيلة في فضاء مفتوح، فإنها تتحول إلى تجربة معاشة، وتنتقل من الذاكرة إلى الواقع.
ولا يمكن إغفال البعد الاجتماعي لهذه المبادرات.. فالفن في الشارع يصنع حالة من البهجة المشتركة، ويعيد للمكان روحه ويربط المتلقي بالشوارع الحضارية بوسط القاهرة وغيرها ويحافظ على الهوية الثقافية والبصرية وارتباط المواطنين بالاماكن والميادين التاريخية، ويقرب بين الناس.. فكم من أسرة توقفت لمشاهدة عرض موسيقي، أو طفل شارك في ورشة رسم، أو شاب اكتشف موهبته من خلال فعالية مفتوحة.. هذه اللحظات الصغيرة تصنع في مجموعها مجتمعًا أكثر تماسكًا وأكثر إيمانًا بقيمة الجمال.
* صورة حضارية
كما تمثل هذه المبادرات أحد أهم أدوات القوة الناعمة المصرية، لأنها تقدم صورة حضارية للدولة، تؤكد أن الاستثمار في الإنسان لا يقل أهمية عن الاستثمار في البنية التحتية، وأن الثقافة شريك أساسي في التنمية الشاملة.
ورغم النجاحات التي حققتها هذه التجارب، فإن استمرارها وتوسعها يظل ضرورة وطنية، من خلال زيادة انتشارها في المحافظات، وتعزيز الشراكة مع الجامعات والمدارس ومؤسسات المجتمع المدني، وإتاحة الفرصة بشكل أكبر للمواهب الشابة للمشاركة في صناعتها، حتى تتحول إلى مشروع ثقافي مستدا.
* الرهان الحقيقي
ولذلك عزيزى القارئ فإن الرهان الحقيقي يكمن في بناء مواطن أكثر وعيًا، وأكثر انتماءً، وأكثر تقديرًا للجمال.. وهذه هي الرسالة التي تحملها مبادرات مثل "شارع الفن" و"الثقافة حياة"، فهي تزرع في القلوب قيمة الثقافة، وتؤكد أن الفن ضرورة لبناء الإنسان.
واخيرا وليس بآخر.. فعندما تصبح الموسيقى ضيفًا دائمًا في الميادين، والمسرح حاضرًا في الساحات، والكتاب قريبًا من الناس، والفنان جزءًا من الحياة اليومية للمواطن، عندها فقط نستطيع أن نقول إن الثقافة نجحت في أداء رسالتها، وأنها أصبحت تمشي بين الناس... وهناك يكمن مستقبلها الحقيقي.




|