|
القاهرة 02 يوليو 2026 الساعة 07:26 م

بقلم: أحمد محمد صلاح
ولد رينية ديكارت بمدينة لاهي من أعمال تورين بفرنسا وتوفي عام 1596، وما بين الميلاد والوفاة كانت حياة صاخبة، حياة أهلته أن يكون أحد رواد الفلسفة الحديثة.
كان أهله من الأغنياء، فأدخل مدرسة اليسوعيين في "لافليش" التي أسسها هنري الرابع، ولكنه غادرها ويبدو انه غادرها ناقما وكارها، حيث لم يستفد من ذلك المعهد -بالرغم من حداثة سنه- من النظم الفلسفية التي درست له ورفضها عقله، يقول ديكارت:
«لم تكد تسمَح لي سِنِّي بالإفلات من رقابة مُعلمي، حتى هجرتُ دراسة الآداب هجرًا قاطعًا، وأزمعتُ ألا أنشُدَ من العلم إلا معرفة نفسي، أو الإلمام بسِفر الكون العظيم، فأنفقتُ ما بقِيَ من عهد الشباب، في الارتحال: أزور الملوك في قصورهم، وأنخرط في سلك الجيوش، وأبادل الحديث رجالًا من ذوي المناصب المُتفاوِتة والطبقات المُتبايِنة، وأجمع من التجربة ألوانًا شتَّى، ولقد كنتُ أغوص بفكري فيما أصادف من تجارب لعلِّي أفيد علمًا جديدًا.»
غادر ديكارت المدرسة في سن السادسة عشر، درس فيها الفلسفة وخاصة أرسطو، كذلك اهتم بالرياضيات والفيزياء فيها، ولكن وجد أن المسائل الفلسفية بها أكثر من رأي فلم تستهوه الفلسفة في بداياته، وفي عام 1616 تقدم لامتحان القانون ونال الشهادة.
ثم بدا يغير من نمط حياته فتطوع في جيش الأمير موريس دي ناسو بهولندا والتي كانت حليفة لفرنسا ضد أسبانيا، وفي تلك المرحلة تعرف على طبيب شاب يدعي "اسحق بكمان" يقول عنه ديكارت أنه ايقظه من سباته، حيث بدأ معه في عرض عددا من المسائل الرياضية والفيزيائية ويعالجانها معا، وفي سنة 1619 ترك جيش الأمير إلى أمير آخر ثم آخر.
ويحكي ديكارت أنه في ليلة شتاء في قرية مجاورة لمدينة "أولم" حلم بثلاث أحلام في ليلة واحدة، اعتقد هو -ديكارت- أنها نبؤة، ووضعت أمامه الأحلام الثلاثة بداية "ادأسس علم عجيب"، واعتقد أنه وضع ما يعرف بالمنهج الكلي.
بدا ديكارت يطوف اوروبا لمدة تسع سنين كاملة، لم ينقطع عن معالجة المسائل الطبيعية بالطريقة الرياضية أي بتجريد المسائل من النظرة الفلسفية، وتطبيق الجبر والهندسة على كل المسائل، بالرغم من أن البعض قد سبقه في هذا المضمار إلا أن أن ديكارت قد وضع منهجة "المنهج الكلي"، فرأى ديكارت "السبب" في المسائل الذي من أجله يتم تفسير المسألة.
ويقول يوسف كرم: إذ أنه نظر إلى العلم بعين الفيلسوف، فبلغ إلى كلياته، ووسع مدى تطبيقه، ولعل الهندسة التحليلية ذلك العلم العجيب. كانت الهندسة مقصورة على النظر في الأشكال، وكان الجبر كثير الصيغ معقدها، ولم يكن بين العلمين اتصال، فبدا لديكارت أن الهندسة والحساب يقومان في الترتيب والقياس، وأن المطلوب من الجبر التعبير عن أعم قوانين الترتيب والقياس، وأنه من الممكن وضع علم تكون صيغة أبسط من صيغ الحساب وأكثر تجريدًا من أشكال الهندسة، فتطبق على الأعداد والأشكال جميعًا، أي على كل ما هو مرتب وقابل للقياس، فرمز بأحرف لخطوط الشكل الهندسي وعلاقات الخطوط، ومثل الشكل بمعادلة جبرية تعبر عن خصائصه الأساسية، حتى إذا ما وضعت هذه المعادلة، كان استخراج نتائجها بالجبر كافيًا لاستكشاف جميع الخصائص، وإلى هذا الدور أيضا يرجع كتابه «قواعد تدبير العقل» وهو بمثابة منطق جديد مستمد من مناهج الرياضيين، ولكن ديكارت لم يتمه، فبقي مطويًّا إلى أن طبع بعد وفاته بنصف قرن 1701.
أما أشهَر مؤلَّفاته فهو كتاب «العالَم Le monde»، لم يكد يفرَغ من كتابته حتى جاءه نبأ اتِّهام البابا لجاليليو لنظريته الفلكية، وكان كتاب ديكارت قائمًا على أساسها، فذُعِر وهم بتمزيقه، ولكنه ضنَّ به فأبقاه على أن يظلَّ من غير نشْر.
وفي سنة 1638م نشر «مقالات فلسفية». وقد ألحق بهذا الكتاب ثلاثَ رسائل تطبيقًا على ما جاء به من نظريات، وعلى الرغم من أن «ديكارت» قد أصدر هذا الكتاب، ومُلحقاته الثلاثة غفلًا من اسمه، إلا أنَّ أحدًا في أوروبا لم يَرْتَبْ في أنَّ مؤلِّفه هو «ديكارت» وفي سنة 1641م أصدر مؤلفه «تأمُّلات في الفلسفة الأولى» كتبه باللاتينية، وهو أهم كتُبه كلها، وقد تداوله كثير من العلماء قبل طبعه، وأبدوا بعض اعتراضاتٍ عليه، فنشرها ونشر ردَّه عليها مع الكتاب نفسه، ثم أخرج بعد ذلك كتاب «المبادئ الفلسفية» كتبَه باللاتينية ايضًا، وله كتُب أخرى غير ما ذكرْنا.
|