|
القاهرة 01 يوليو 2026 الساعة 09:11 م

بقلم: د. هويدا صالح
ما إن انطلقت الموسيقى حتى انساب صوت شادية يغني:: "يا بلادي يا أحلى البلاد يا بلادي..ياحبيبتي يا مصر"، وفي قلب المسرح أخذ صبي صغير يدور بتنورته الملونة في حركة دائرية لا تهدأ..
كانت الألوان تتسع ثم تنكمش مع كل دورة، فيما كانت كلمات الأغنية الوطنية القديمة تملأ القاعة بحنين يعرفه كل مصري. لم يكن المشهد مجرد فقرة فنية في افتتاح ملتقى ثقافي، بل بدا وكأنه استعارة بصرية لمعنى الوطن نفسه؛ وطنٌ تتغير حوله الأزمنة، لكنه يظل محتفظًا بمركزه، تمامًا كما ظل الصبي يدور حول نقطة ثابتة لا يغادرها..
وكأن التنورة تدور في اتساع الساحة كأنها ترسم دائرة الزمن، فيما كانت الفرق النوبية تستدعي ذاكرة الجنوب بخطواتها الواثقة، كما أن رجال التحطيب بعصيهم الطويلة أعادوا تقديم واحد من أعرق الفنون الشعبية في صعيد مصر. لم يكن المشهد مجرد افتتاح احتفالي، بل بدا كأنه البيان الأول للملتقى: الهوية لا تُقرأ في الكتب وحدها، بل تُرى في الجسد، وتُسمع في الموسيقى، وتعيش في الذاكرة الجمعية.
بهذا المشهد انطلقت فعاليات الملتقى الإقليمي الحادي عشر لأدباء جنوب الصعيد بمدينة الغردقة تحت عنوان: "الخصوصية الثقافية في زمن التحولات". وهو عنوان لم يأتِ ليصف برنامجًا ثقافيًا بقدر ما جاء ليطرح سؤالًا يفرض نفسه بقوة على الثقافة العربية اليوم: كيف يمكن أن ننفتح على العالم دون أن نفقد أنفسنا؟
كان واضحًا منذ الجلسات الأولى أن الملتقى لا ينظر إلى الخصوصية الثقافية بوصفها انغلاقًا على الذات، ولا إلى العالمية باعتبارها قطيعة مع التراث. ففي الجلسة الافتتاحية التي ناقشت "الخطاب النقدي العربي بين الخصوصية والعالمية"، حيث طُرحت واحدة من أكثر الإشكاليات إلحاحًا في الثقافة العربية المعاصرة: أزمة الخطاب النقدي العربي في علاقته بالمناهج الغربية.
لم تكن الدعوة إلى رفض المناهج النقدية الحديثة أو الارتياب منها، بل إلى إعادة التفكير في كيفية تلقيها. فالأزمة، كما طُرحت في النقاش، لا تكمن في الاستفادة من منجز النقد العالمي، وإنما في استيراده بوصفه نموذجًا جاهزًا، يُنقل إلى السياق العربي دون مساءلة أو إعادة إنتاج. وهنا ينشأ ما يمكن تسميته بـ"الاغتراب المنهجي"، حين يفقد النقد صلته ببيئته الثقافية والتاريخية، ويصبح مجرد صدى لنظريات وُلدت في سياقات مغايرة.
هذه الفكرة لم تكن بعيدة عن سؤال الملتقى نفسه؛ إذ إن الخصوصية الثقافية لا تتحقق برفض الآخر، وإنما ببناء وعي نقدي قادر على الحوار معه من موقع الندية، بحيث يتحول التراث إلى مصدر للإبداع، لا إلى عبء، وتصبح الحداثة أفقًا للتجديد، لا وسيلة لطمس الهوية.
وفي الاتجاه نفسه، ناقشت الجلسة البحثية الافتتاحية وقد ناقشت كاتبة هذه السطور مفهوم العلاقة بين المحلي والعالمي، مقدمة رؤية أكثر اتساعًا لفكرة الحداثة. فالعولمة، رغم ما تفرضه من تحولات متسارعة، لا تعني بالضرورة ذوبان الثقافات المحلية في نموذج واحد، بل تمنح كل مجتمع فرصة لإعادة صياغة ما يستقبله من أفكار وتقنيات وفق منظومته القيمية وتاريخه الخاص.
إن الحداثة ليست نسخة واحدة تُستورد، وإنما حداثات متعددة، تتشكل بحسب خصوصية المجتمعات وتجاربها التاريخية. ومن هنا تبرز أهمية ما يمكن وصفه بإعادة التشفير الثقافي؛ أي قدرة الثقافة على استقبال العناصر الوافدة، ثم إعادة إنتاجها في صورة تنتمي إلى بيئتها، بحيث لا تتحول إلى عناصر دخيلة، بل إلى جزء من نسيجها الحضاري.
ولعل اللغة والسرد كانا من أكثر المفاهيم حضورًا في هذا السياق؛ فهما ليسا مجرد وسيلتين للتعبير، بل مستودع الذاكرة الجماعية، والأداة التي تحمي الهوية من التآكل في مواجهة التحولات الرقمية والثقافية المتسارعة.
ولم تكن هذه الأفكار النظرية معزولة عن المشهد العام للملتقى، بل تجسدت في فعالياته المختلفة.
ففي معرض الفن التشكيلي الذي أقيم على هامش الملتقى، حضرت البيئة الخاصة بمحافظة البحر الأحمر بكل ما تحمله من خصوصية بصرية؛ الجمل، السمكة، الحصان، والضوء الذي يميز المدينة الساحلية. غير أن اللوحات لم تتوقف عند حدود المكان، بل انفتحت على القضايا الإنسانية الكبرى، ففي إحدى الزوايا، التقطت اللوحات مشاهد من الحياة اليومية البسيطة؛ عمال يفترشون الأرصفة، يضعون إلى جوارهم مطارقهم وأزاميلهم وأدواتهم الحديدية، ينتظرون من يستدعيهم إلى عمل عابر يقتاتون منه ويؤمّنون به قوت أطفالهم. وقد نجح الفنان في أن يحفر على الوجوه المتعبة أخاديد الزمن، كاشفًا عن سنوات طويلة من الكدح والصبر.
وفي أعمال أخرى، اتسعت الرؤية لتتجاوز حدود المكان؛ صبي إفريقي يحمل طفلًا أصغر منه في صورة تختزل أوجاع القارة السمراء، ووجه شيخ فلسطيني ارتسمت على ملامحه سيرة طويلة من الصمود، وأطفال من غزة يحاولون الاحتماء بالجدران من رصاص آلة القتل الإسرائيلية. هنا لم تعد الخصوصية الثقافية حبيسة الجغرافيا، بل غدت بوابة إلى الهم الإنساني؛ فالفنان ينطلق من بيئته المحلية، لكنه ينتهي دائمًا إلى الإنسان، حيثما كان، وحيثما كان الألم.
أما الرقصات الشعبية التي افتتحت الملتقى، فقد بدت وكأنها التطبيق العملي لكل ما ناقشته الجلسات الفكرية. فالتنورة، والرقص النوبي، والتحطيب، لم تُقدم باعتبارها مشاهد فولكلورية للاستهلاك البصري، وإنما باعتبارها تجليات حية لذاكرة ما زالت تقاوم النسيان، وتؤكد أن التراث لا يعيش في المتاحف، بل في الممارسة اليومية وفي الوجدان الشعبي.
ولذلك جاءت التوصيات الختامية منسجمة مع الروح العامة للملتقى. فقد جدد الأدباء موقفهم الرافض لكل أشكال التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، مؤكدين دعمهم الكامل للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ورفض مخططات التهجير، انطلاقًا من إدراكهم أن الثقافة لا تنفصل عن الضمير الوطني والإنساني.
كما شددت التوصيات على أن الثقافة تظل خط الدفاع الأول في مواجهة التطرف والإرهاب وتزييف الوعي، لما تمتلكه من قدرة على ترسيخ قيم الانتماء والاعتزاز بالوطن وبناء الإنسان.
ودعت التوصيات إلى مواصلة دعم العمل الثقافي في إقليم جنوب الصعيد، ولا سيما في محافظة البحر الأحمر، بما تمثله من أهمية استراتيجية وثقافية، مع تكثيف الجهود الرامية إلى توثيق التراث الشعبي وصون الفنون التقليدية، وتعظيم الاستثمار في البنية الثقافية القائمة، وإزالة العقبات التي تحول دون الاستفادة الكاملة من المؤسسات الثقافية.
كما أكدت أهمية الدور الذي تضطلع به الهيئة العامة لقصور الثقافة بوصفها المؤسسة الأكثر انتشارًا في المحافظات، والقادرة على الوصول إلى الجمهور في المدن والقرى والنجوع، فضلًا عن دور قصور الثقافة ونوادي الأدب في اكتشاف أجيال متعاقبة من المبدعين وصقل مواهبهم..
غادرت الفرق الشعبية خشبة المسرح، وأُسدلت الستارة على الجلسات، وطُويت اللوحات في صناديقها، لكن السؤال الذي طرحه الملتقى ظل مفتوحًا: كيف نصنع حداثتنا دون أن نفقد ذاكرتنا؟
ربما كانت الإجابة كامنة في ذلك المشهد الأول، حين دارت التنورة في فضاء الغردقة. فقد كانت تدور مع الزمن، لكنها لم تخرج لحظة واحدة عن مركزها. وهكذا تبدو الثقافة الحية؛ تنفتح على العالم، وتتحاور معه، وتتعلم منه، لكنها لا تنسى أبدًا النقطة التي بدأت منها.
وحين أسدل الستار على الملتقى، بقي في الذاكرة ذلك الصبي الذي ظل يدور على أنغام" يا حبيبتي يا مصر"
لم يكن مجرد مؤدٍ لرقصة التنورة، بل بدا وكأنه يلخص الفكرة التي اجتمع حولها الأدباء والنقاد والفنانون في الغردقة: أن الهوية الحقيقية ليست حجرًا ساكنًا نخشى عليه من الزمن، بل دائرة تتسع باستمرار، تستقبل الرياح القادمة من كل الجهات، لكنها لا تفقد أبدًا مركزها..
وربما لهذا السبب بدا المشهد الافتتاحي أكثر بلاغة من كثير من الكلمات؛ فقد اختصر، في دقائق قليلة، ما حاولت جلسات الملتقى كلها أن تقوله: يمكن للثقافة أن تتحاور مع العالم، وأن تتغير، وأن تتجدد، لكن عليها دائمًا أن تتذكر الأغنية التي بدأت منها..


|