|
القاهرة 30 يونيو 2026 الساعة 11:27 ص

عاطف محمد عبد المجيد
خلقت الأساطير طريقة مميزة لفهم العالم ومن هنا كان لا بد من الاطلاع على الأساطير لأنها أمر ليس شائقًا فحسب بل هي شديدة الإبهار مما يجعلنا نتعمق في فكر القدماء، وأغلب الأساطير المصرية عثر عليها على جدران المعابد والمقابر، وحاول الفنان أن يجسّد العالم الآخر وتحويله من عالم غير مرئي إلى عالم مرئي، وقد تمثلت هذه الأفكار بالفكر الأسطوري للمصري القديم في تسجيله للأسطورة.
هذه السطور هي أول ما تقع عليه أعيننا في كتاب "الفكر الأسطوري في الفن المصري القديم" الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب لمؤلفته د. إيمان الجمال، التي تهدف من خلاله إلى التعرف على الأسطورة المصرية على مر العصور في الحضارة المصرية القديمة، عبر دراسة الفكر الأسطوري المصري القديم بسماته ومراحل تطوره بداية من الفكر نفسه وصولًا إلى مراحل تطور الفكر الأسطوري بالعقيدة المصرية القديمة، ودراسة العقيدة الأوزيرية من خلال التعمق بداخل البواطن ألأساسية للفكر المصري القديم، مشيرة إلى أن التراث المصري القديم من أهم مصادر الاستلهام والإبداع وأحد منابع الرؤية التشكيلية للمصور الحديث حيث يسجل لنا تاريخ الفن كثيرًا من الفنانين المبدعين الذين استلهموا أعمالهم من التراث الفني المصري.
في كتابها الذي تتناول فيه الفكر الأسطوري والمعتقدات الجنائزية الأوزيرية لقدماء المصريين، تشير الجمال إلى أن كل أسطورة منقولة أو مقتبسة تقتبس جذورها من أسطورة أخرى وينطبق هذا على أساطير مصر القديمة في تشابه الأساطير، ذاكرة أنه عند البحث في تاريخ المصريين نجد أن الفكر يتجه نحو الشعائر الدينية الجنائزية، معتقدة أن الأسطورة اعتبرت دعامة الإنسانية وموضوعًا جديرًا بالتقدير من جانب الفلاسفة إذ نبغ من الأسطورة الفن والشعر والتاريخ، مؤكدة أن الأسطورة تتناول مجالات من حياتنا وتفكيرنا أوسع مما نتصور.
كذلك تورد الكاتبة هنا مقولة أحمد كمال زكي التي يرى فيها اندماجًا كاملًا بين الفن والأسطورة منذ كانت الحياة، تشهد بذلك أقدم النقوش عند قدماء المصريين، ويقررها علماء الإنسان حتى ليظهر أن الفن العظيم لا يخرج عن كونه مجرد آلة تعمل في خدمة التنظيم الديني، ذاكرة أن الفكر الأسطوري للمصري القديم ارتبط بالدين فكانت حياته وعاداته وأعياده وطقوسه مظهرًا من مظاهر الدين وكان شيئًا متصلًا بالحياة بل هو الحياة ذاتها بالنسبة لهم بطقوسه وأساطيره، معلنة أن سبب انتشار الفكر الأسطوري في مصر القديمة يرجع إلى أنه كان تفسيرًا كاملًا للحياة من حوله بما يتلاءم مع فكره، فالأسطورة، تقول الكاتبة، هي منبع الفكر له ووسيلته في التعبير عن مختلف حياته، والفكر الديني في نشأته لم يخل من الملامح الأسطورية ولكي نستطيع قراءة هذا الفكر لا بد من التعمق داخل الديانة المصرية والفكر الديني لدى المصري القديم.
هنا أيضًا ترى الكاتبة أنه يكفينا مجرد إلقاء نظرة على الصور والكتابات المليئة بالفكر والخيال لنعلم مدى تطور الفكر الأسطوري عند المصري القديم ومدى تأثر الأسطورة الأوزيرية بفكره، ولفهم مغزى هذا الفكر الأوزيري لدى المصري القديم لا بد من التطرق لدراسة الأساطير المصرية بداية من أساطير الخلق، خاصة وأن الفكر المصري القديم بدأ ماديًّا حسيًّا، وكانت عمليات الخلق نتيجة لأحداث تخيلها المصري القديم محاولًا بها تفسير الكون من حوله ووضع إجابات تتماشى مع ما يروق له فكره، ومن أسطورة الخلق تتفرع مجموعة من الأساطير الثانوية التي تحكي بدايات الأشياء التي تلعب دورًا أساسيًّا في حياة المصري القديم كالأسطورة الأوزيرية ومدى تغلغلها داخل العقيدة المصرية القديمة.
أيضًا نقرأ هنا أنه شاع تمثيل منظر انفصال السماء عن الأرض على أكتاف توابيت الأسرتين الحادية والثانية والعشرين، وهو يصور ربة السماء نوت امرأة عملاقة تنحني كقوس لتشكل قبو السماء، ويرفعها "شو" رب الهواء الذي يحمل العلامة التي يكتب بها اسمه على مثبتة فوق رأسه، أما رب الأرض "جب" فهو يرقد على الأرض، كذلك نقرأ إشارة الكاتبة إلى أن هذا الفكر يستوجب التأمل في كم الإبداع الخيالي للمصري القديم، فهذا الفكر التأملي أبدع هذه المناظر المصورة لتفسير العلاقة بين السماء والأرض وكيف رفعها الإله "شو" ورسم السماء امرأة منحنية فوق الأرض وقدر السماء مقلوب وهو الحد الخارجي للكون، إذ إن قبة السماء معلقة فوق الأرض بقوة رافعة وطلب المصري القديم دعم السماء بسواعدها تسند الأرض.
الكاتبة التي ترى أن المصريين القدماء كانوا أكثر شعوب العالم اعتدادًا بتاريخهم، وكانوا ينظرون إلى ماضيهم نظرات ملؤها الاحترام والتقديس، آخذة صورة التغني دائمًا بالماضي باعتباره أفضل من الحاضر الذي يعيشون فيه، تشير هنا كذلك إلى أن أسطورة أوزير عبرت عن الآمال والمثل العليا التي كانت أكثر قربًا إلى حياة المصري القديم.
|