|
القاهرة 30 يونيو 2026 الساعة 11:15 ص

بقلم: محمود يسري حلمي
(ميهي والبلورة السحرية) رواية صادرة عن المركز القومي لثقافة الطفل في سلسلة روايات للناشئة. الرواية من تأليف الدكتورة هويدا صالح ورسوم مريم فريد. وعدد صفحات الرواية ست وتسعون صفحة.
استلهمت الكاتبة التراث المصري القديم وقدمت للناشئة رواية تصور الحياة في مصر القديمة. وزمن الرواية هو عندما غزا الهكسوس مصر. وقد أسمتهم الكاتبة (الغرباء) .
تقول: "الغرباء أعداء أتوا من الشمال وامتلكوا سلاحًا جديدًا لم يعرفه المصريون؛ فتمكنوا من السيطرة على الشمال، لكنهم لم يتمكنوا من مواصلة الزحف للجنوب، فرجال مصر وشبابها تمكنوا من الوقوف لهم وردهم عن الجنوب" .
وفي وصف آخر: "الغرباء الذين لا يخشون حورس ولا يخافون من حساب أوزير، ولا يهابون ريشة ماعت، ولا يأملون أن يسجل تحوتي أعمالهم الخيرة ، ولا يفزعون من الوحش الذي سيلتهم قلوبهم إن غلبهم الشر في محكمة أوزير " .
وشخصيات الرواية تتمثل في ميهي الصبي ؛ وهو بطل الرواية الذي يحلم أن يذهب إلى بيت الحياة يتعلم الحساب وبعض مبادئ المعرفة. وهو يأتي كل يوم إلى مرسم والده يساعده في عمله، يعد له الألوان، يخلط الأعشاب ليحصل على ألوان متعددة .كذلك يساعده في حمل جرار الفخار التي أحرقت في فرن جارهم آنوب.
أما حور بتاح والد ميهي؛ فهو يملك كوخًا يتخذه مرسمًا يعلم فيه الصغار الرسم وتشكيل الطين لصنع تماثيل صغيرة لطيور وحيوانات . ورغم أن تلاميذه من أبناء الفقراء؛ فإنه يرضى بما يناله منهم من أجر قليل، وأحيانًا يكتفي ببعض الوجبات التي ترسلها الأمهات وبعض الحنطة أو الفاكهة.
يتفانى حور بتاح في تعليم الصغار ويحلم أن يصيروا فنانين مثل أبناء الأغنياء، وأن يتمكنوا من الذهاب إلى المدرسة الملحقة بالمعبد؛ حيث يعلمهم كبار الفنانين النحت والرسم .
والشخصيات الأخرى هي شخصية ملك المصريين وابنته وملك الغرباء والكاهن والحكيم رنسي، والساحر، والفلاح وابنه وبعض الفتية .
تبدأ أحداث الرواية عندما أتى ساحر عجوز من بلاد كوش؛ عيناه ممتلئتان بالشر . اقترح على الملك أن يجهز تعويذة سحرية؛ تنزع عن المصريين روح الحياة وتقضي على روح البهجة.
يقول: "إن المصريين يكرهون السحر الأسود بأمر أوزير، لكنني سأصنع لهم سحرًا تعلمته في معبد ست ".
أطلق الساحر نيرانه وقرأ تعاويذه ، ثم مد يده بلفافة صغيرة تحوي نصف تعويذة ، وطلب أن يذهب بها أحد جنود الملك سرًّا إلى الجنوب ؛ حيث ينحدر النيل حاملًا معه الحياة لأرض مصر.
أوصى الساحر الرجل أن يلقي بالتعويذة السحرية في مياه النيل حتى تصل لكل مصري يشرب من مائه.
أما النصف الآخر من اللفافة ؛ فسوف يدفنه في مغارة بعيدة في الجبل حتى لا يعثر عليها أحد ويبطل مفعولها.
وكانت نتيجة ذلك السحر الأسود أن كانت الناس تمشي تائهة . اختفت من عيونهم البسمة والفرح . حتى صخب الصغار وهم يلعبون في الطرقات اختفى . الطرقات خالية من بهجتهم وذهبت الفرحة التي تتفجر بالبهجة والمرح. وحتى الحانات التي يذهب إليها المصريون للتسلية والتخفيف من وطأة العمل تبدو غارقة في الصمت والحزن .
ولقد حلم كاهن عجوز أن الربة حتحور والربة إيزيس أخبرتاه أن فك السحر لن يتم إلا على يد فتى مستعد للتضحية بروحه من أجل مصر. وعندما أخبر الملك بذلك وسمعته ابنة الملك؛ ذهبت إلى بيت الحياة لتلتقي الفتيان .
قالت الأميرة للفتيان: "إن ساحر الأعداء سرق روح الحياة وسعادة المصريين وخبأها في بلورة سحرية، ولا يعرف أحد أين أخفاها ". وسألتهم إن كان واحد منهم مستعدًّا للتضحية من أجل الوطن وإسعاد الناس.
انشغل ميهي بالتفكير في أمر البلورة، وجاءه الإله تحوتي وأخبره بأنه سيكون هو وجميع الآلهة حامين له وسيرعونه.
وقرر ميهي أن يقوم بمهمة إحضار البلورة السحرية. وافقه أبواه، وبدأ رحلته من طيبة متجهًا إلى منف في الشمال.
أوصاه أبوه بأن يضع كل يوم حصاة في الكيس لكي يعرف عدد الأيام .
سار ميهي بمحاذاة النيل، وعندما وصل إلى منف أحصى الحصوات في الكيس ليعرف كم يومًا استغرقت رحلته؛ فوجد أنه قد مرت عليه أشهر ثلاثة.
وجد جنود الغرباء في كل مكان يترصدون لكل مصري يتعبد لآلهة المصريين. والتقى فلاحًا مصريًّا خبأه عن أعين جنود الغرباء. وبمعاونة ابن الفلاح وبعض الفتية استطاع أن يصل إلى المغارة المخبأة فيها البلورة السحرية، وحصل على البلورة، وبدأ رحلة العودة إلى طيبة.
كانت أبعد نقطة يتدفق فيها النيل نحو أرض كيميت تبعد عن مدينته طيبة أيامًا ثلاثة؛ فقرر أن يذهب إليها ويلقي بالبلورة هناك؛ حيث ينحدر حابي نحو الشمال. بعد ذلك عاد إلى مدينته وبيته.
في هذا الوقت؛ كان هناك شاب آخر يفوق ميهي في السن. كانت أمه تعده منذ سنوات حتى يقود جيشًا كبيرًا ليبدأ رحلة أخرى تسير على خطوات ميهي نفسها باتجاه الشمال؛ برفقته السلاح الذي أربك جيش أبيه وجده، وجعلهما يخسران معركتهما ضد أعداء الوطن؛ مما أدى إلى احتلال شمال مصر وفصله عن جنوبه.
كان الفتى يقود جيشه معتليًا أكبر عجلة من العجلات الحربية؛ متجهًا نحو الشمال محررًا مصر من أعدائها.
تتداعى الأحداث في نمو طبيعي ومنطقي والرواية بناؤها متماسك، لكن الكاتبة تفاجئنا بهذا الشاب الذي سيحرر شمال مصر؛ والمقصود أحمس وإن كانت لم تذكره صراحة.
أما اللغة فقد جاءت مباشرة سهلة، وتتناسب مع المستوى اللغوي للمرحلة العمرية الموجهة إليها الرواية.
وتطعم الكاتبة روايتها ببعض المعلومات؛ فتعرفنا – على سبيل المثال – كيف كان المصري القديم يصنع الألوان؛ فالأزوريت والملاخيت لصنع اللون الأزرق والملاخيت المضاف إليه المغرة الصفراء للون الأخضر. أما اللون الأحمر فمن خام الحديد الأحمر، ويضاف عليه اللون الأسود المأخوذ من فحم خشب السنط لصنع المزيج البني. وعندما يضاف مسحوق الجير إلى مسحوق الجبس وإضافة الماء إليهما يصنع لونًا أبيض ناصعًا.
وتعرفنا أيضًا الكاتبة كيف كانوا يبردون الماء في الجرار. وهناك العديد من المعلومات التي تتضمنها الرواية، وهذا أمر جيد ومحمود يبرز البعد المعرفي المطلوب في أدب الأطفال.
إجمالا فإن موضوع الرواية شيق وجاد، والفكرة تكرس في وجدان الأطفال قيم الانتماء وحب الوطن والتضحية من أجل عزته..
ويتبقى لي بضع ملاحظات ..
الملاحظة الأولى: تقول الكاتبة: "كان الحكيم رنسي يصلي للإله ويخاطبه قائلًا : أنت أعظم شخص في السموات وأقدم شخص على الأرض وسيد كل المخلوقات" .
هل يليق وصف سيد كل المخلوقات بأنه شخص؟
والملاحظة الثانية: هل يليق أن ينادي الحاكم أحد رعاياه؛ حتى لو كان الحكيم رنسي ؛ قائلًا : "تفضل سيدي الحكيم الجليل".
أما الملاحظة الثالثة: عندما تقول الكاتبة: كان الفتى يقود جيشه معتليًا أكبر عجلة من العجلات الحربية؛ يمسك في يمينه سيفه ... " . والسؤال هنا هل كان المصريون القدماء يستخدمون السيف ضمن أسلحتهم الحربية؟
وأما الملاحظة الأخيرة أن الكاتبة أخبرتنا بأن التعويذة السحرية كانت في لفافة صغيرة احتفظ الساحر بنصفها ليخبئها في مكان لا يصل إليه أحد . وإذا بنا نفاجأ بأن السحر في بلورة مسحورة . كيف حدث هذا التغير؟
|