|
القاهرة 26 يونيو 2026 الساعة 07:15 م

بقلم: أحمد فاروق بيضون
منذ عتبة الاستهلال القصصي في المجموعة القصصية "لحظات قلقة" للكاتبة مها الخواجة، نجد إهداء يوحي بلحظة ترقب للحظات الوجع التي تنذر بوجود فرصة أخيرة ممن مروا بتلك الحكايات الملأى بالعبر على الرغم من دروسها القاسية وغصة النهايات؛ إلا أنها علمتنا الكثير والكثير لتحيُّن الفرصة أن نتأمل...
القلق الوجودي هو الثيمة السائدة المهيمنة في تصاعد المشهد وترسيم الشخوص التي اتصفت في معظمها بالقوارير من النساء، معللةً سمات (التعلق القلق) مهيضة الجناح الناعمة وحاجتها إلى السند.
(نوبة بكاء أخيرة) كانت بادئة السفين السردي لتمخر في يم الحكايا وقصص العشاق لتلك التي تتيمم بأناهيد عشق يبدو من طرف واحد (من غيره كنت أبحث عنه) في مقابل فاجعة من لامبالاة وتخلي وخذلان، لتتكشف ثيمة الخضوع والانكسار في ذاك النمط الأنثوي الذي يمني النفس بلمسة من المعشوق، جلد الذات من جانبها واستمراء الغياب من جانبه، لما وظفت القاصة الهاتف الجوال وبرامج التواصل عبر الفضاءات الوهمية الافتراضية كوصلة أثيرية بينهما؛ بين إنسانة لاهثة وراء استجابة أو رجع ليس بالإمكان، ومستقبلٍ متغافل غرر بها لا تهزه نوبة بكاء أو نحيب، لم ينصت لخزانة لومها وألوان عتابها، الأدهى من ذلك أنها لم تزل تواقة لسجانها الذي زج بها في زنازين الغرام دونما هوداة أو افلات لقيود تُكبلها...
تفزعنا (الجدران) هذه المرة بين الحبيبين؛ لكن بهذه الكرّة يكمن الحب المفقود بين عاشقة تهدهد روع حبيب يتواصل معها، ولكنه ينخرط في إيعاز من هلاوس من رهاب وجلوسوفوبيا (رهاب التحدث أمام الجمهور) وكلوستروفوبيا (رهاب الأماكن الضيقة) أو ألكسيثيميا (العجز عن تحديد المشاعر ووصفها)، فهي تحاول أن تبث في نفسه الطمأنينة، برزت المشهدية الفائقة في تأطير الحوارية والاستجداء المثير للبيئة المكانية ورمزية تلك الجدران المحيطة بالعاشق المكلوم، بينما كانت المراقبة العتيدة المتجاسرة والباحثة عن كنف وحاضنة لعزلتها هي الفارقة في حياته البائسة، لما رأى بأن الجدران وعالم من وحوش يتألبون على أهبة الاستعداد للفتك به، ولما هرعت المنتظرة إلى مسكنه صدقت كل ما سمعته من خزعبلات وسط ضجيج وعبثية أبت اجتماعهما في سلام، ومازالت فانتازيا الظلال العابثة تعيث في مسرح القص.
(سيمفونية الحزن) قصة مثخنة بلواعج النباح وصخب الضحكات، وانزياحات دلالية لشخصية تحاول الطيران وتضرب بجناحيها وسط الاضواء الباهتة؛ إلا أن ذاك الكائن الهائم في استلابه الوجودي يفصله عن البشر حاجز غير مرئي لا يمكن اختراقه، ويبقى أزيز المطير هو الصوت الذي ينذر بتدهور حالته، فيفر بعيداً بمنأى عن أشباح تلاحقه بهذه الأرض المتآمرة، ليقفز محلقاً نحو المجهول.
(صدى الضحكات) قصة تُقلنا في نوستالجيا الصبا وأهازيج أم كلثوم (يا حبيبي كل شيءٍ بقضاء.... لا تقل شيئاً فإن الحظ شاء)، أما في (قبل الحادث) قصة تماهت في فسيفسائية المشهد مع منمنمات الواقع الأليم لحكايات تناهت لأسماعنا هذه الأيام؛ بعدما انتهبت أمّ لعيادة جراح للعيون لمعالجة فلذتها الصغير وهي تتأبط رضيعا آخر، فتتركه مع ممرضة وثقت بها لمعرفتها المسبقة، لتكتشف بأن تلك التي أمّنتها وأمَّلتها قد تركته لامرأة مجهولة الهوية تسربت إلى الخارج، لتفطن الأم الموقف وتفزع على إثر تلك الهاربة وتقتنص ابنها المريض زاعقة صارخة، معلنةً قضية شائكة تغلغلت أصداؤها هذه الأحايين ممن شيعوا الضمائر لوجود رادع وزاجر يحتوى ذلك الموقف وذاك الخلل والتحيوُن الانساني.
(بعضُ الحب) أقصوصة بنكهة الورد حتى ولوكان بلاستيكياً؛ بدت تلك الزهرة المنغرسة في الرمال الذهبية باعثة لمباهج الأمل بعد تلك (السوداوية) وتلك التراجيديا القاتمة في سريان الأحداث، كتلطيف للأجواء بأن هناك جمال وسط هذا القبح والعالم القحل، كم كانت عبقرية.
(مع الفجر) مطير منساب منسدح على خد الأرض وهجيع ليل يتصدر المشهد، تزامن بين صحوة فجر ولحظة ميلاد عسيرة لامرأة تستقبل طفلها مع زوجها الذي غرزت عربته في الوحل، تأتيه يد الغوث من بين الزراعات إيذاناً بصبح جديد.
تظل ابتسامة تعاند الواقع مع (ظل المرآة)؛ حتى تنبري (صافرة إنذار) تصدح عبر أبواق إسعاف تنقذ امرأة ولم تلحق رضيعها، يتعاظم الحدث بعد استفاقة الجريحة وهي تحاول استقصاء اخبار عن طفلها الذي لم تعلم شيئاً عن مصيره ومثواه، لكنها تفزع بعد ولوج طليقها الذي انقض عليها بعنف وسط صمت ممضّ وتعتيم قائلا: (مات بسبب اهمالك وتصميمك على حضانته وانتزاعه مني بقوة القانون.. لن أتركك حية)، هكذا أدركت مآل ابنها المتشح بكفنه ولحده الأبيض بدلاً من قماطه، لكن طيفه مازال يراودها على قيد الحياة، وهذه القصة تثير قضية وتلتمس من العدالة الناجزة اعادة النظر في قانون الأحوال الشخصية ومحاولة لم الشمل ووجود طائلة تشريعية تلزم كل طرف من الأزواج على ثقافة التخلى والاستغناء في مواجهة أمور حياتية ملحة تضمن توفير الأمن والأمان من أجل الأبناء.
(الصفقة) صيحة في وجه الأعراف والتعنت الأبوي تجاه بناته لإتمام زيجتهن وتسليعهن كصفقة تجارية ولمصالح شخصية، لم تتفرس تلك الفتاة لتلك النظرة الباكية وغرغرة الدموع في محجري والدتها، مرثية تسردها الأم لابنتها وكأنها تخبرها بأن التاريخ يعيد نفسه كما حدث معها، ثم تصدح: (صفقة خاسرة يا ابنتي!) في دلالة على استشراف رفض تلك الفتاة تتمة عقد قرانها مهما كلفها الأمر.
يستمر الإبحار السردي (بين الفقد والأمل) و(نفسٌ واحد أخير) و(لصٌّ صغير) زائر وهو الفأر الذي شارك تلك الفتاة مضامير الحياة، ثم تلمعُ (إشارات حمراء) مثخنة بعذابات الحب القاتل؛ في استلهام لبيت قصيد للشاعر الانجليزي الرومانسي روبرت بيرنز My love is a red red rose (الحب كأزاهير بالغة الحمرة) فالحمرة تحمل ثنائية متناقضان بين الألم والأمل وبين الحياة والموت.
تتحفنا القاصة المبدعة بأقصوصة مكثفة بالغة في الدلالة السيميائية والحمولة الرمزية التي تفتح العديد من التأويلات، ففي رائعتها (دماء جديدة) تظهر بين السطور عبارة (الباب يتسع للجميع) التي تكتبها تلك الكائنة خلف الأبواب الموصدة، وكأنها (الدنيا متاع الغرور) أو (دوامة العُمر) وهي تبصر مومياوات يرفلن للمشهد ويخرجن من توابيتهن، آنذاك يمرُّ عابر وهو (الإنسان) يأمن جانبها ويقرر أن يلج عبر الأبواب تأسياً بهنّ ولا يكاد يبين كيدهنّ، حتى يلتهمنه ويفتك من براثنهنّ بشق الأنفس، وكأنها مدلول آخر وهي (النفسُ الأمّارة)...فليتعظ ذوي الألباب وليفطن الكيسُ لعمره فيما أفناه ولا يتبع أهواءه بهاته الدنيا الفانية ببهرجها الخداع حتى ولو فتحت الأبواب على مصراعيها.. ما عاد يجديه الندم بعد قيامته وبعثه من جديد وليغتنم شبابه قبل هرمه حتى لا يقول: (ما أضعناه لكنه أغوانا) هكذا تفرست عين النقادة ومطياف الكاميرا الذي استقى من تلك الدماء ولم يبق إلا لون الغرَق.
(انعكاسات وشظايا) يذكرها شاهد وحيد عانى الخذلان، ويبقى (الباب الخلفي) سرداً قصصياً مثيرا لقضية الابتزاز السيبراني، تتخلل (لحظة ووجبة باردة وأنا وأنت) ممرات السيل المستساغ في شاعريته وتصويره المشهدي العميق ، وصولاً إلى (حضور وانصراف) الذي يشي بمعاملات البنوك لعميل كهل يتوكأ على عكاز استمر ما يناهز الأربعين عاماً، ثم يتصدر (انسلاخ) وهو نص يصف المفارقة بين وميض البقاء وأبواب الضوء المبهر للرحيل، ثم يأخذنا لواج (تآكل).
حينئذ – ندرك (لحظات قلقة) في آخر المحطات الانسانية، وسط حالة من الترقب لزوج وزوجة طال انتظار فرحتهما بمولود، أدلجة تصويرية وحبكة متصاعدة بين بؤرة صراعات داخلية وخارجية وانفراجة بعد ظهور الخطين الحمراوين، لكن الأمر ازداد سوءاً ومرارة باغتت الجميع بولادة طفل بكبد ناقص النمو، دعت الحاجة للبقاء قيد الحياة على إتاحة متبرع لفصٍّ يمنحه الرجاء أن يشق دربه في الدنيا مع والديه البائسين، وقد انبرى عن خط النهاية بأن الأم هي الملائمة والمتبرعة التي ستمنحه صرخة الوجود، وثالثهما يقف خلف الأبواب يلهج بالدعاء، أيَّما دبق وأيما قلق عشناه معهما.
(سعاد) تتلألأ عند عتبة النهايات (مفيش زي سعاد في الأكل) وهي تستحضر في فلاشباك ذكريات زوجها صبري الذي تأزم بقاؤه إلى جوارها فيما تبقى من عمرها، في نوستالجيا لما تقدم لخطبتها حتى وصلت إلى (أرخى جفنيه) وكأن الموت هو الحقيقة الحتمية المؤلمة وتبقى ذاكرة الفقد.
في الختام (عقلي الباطن) منطقة اللاوعي التي تتقابل مع الهوة الإدراكية- لما يصبح الرجل أسيراً لفتنة أو اغواءات امرأة تعمل لديه كسكرتيرة بمحل عمله؛ لتضعه في مأزق بين مطرقة الفضيحة وسندان الانفصال عن شريكة روحه وأم أولاده؛ فهل سيستطيع التخلص من أشباحها التي تغزو بيادر أحلامها أو سيُروض أضغاثه؟!
خلال الرحلة السردية مازالت معاول القدر هي الفاصلة الحاسمة في المشهد، مع استحالة عاطفية في واقعنا الذي بات على المحك، ترفُل القصة إلى تلك المشاهد الحياتية برونق لغتها الخاصة وشريعة استنتها لعلاج هول الموقف من خلال صيحة وسارد ضمني آخر عوضاً عن العليم والمتكلم، يهاتفنا هو الآخر عبر هاتف وجودي عملاق عنوانه القلق ولا نسمع من ضوضائه إلا عبارة حبيسة: إلى متى؟!
|