القاهرة 23 يونيو 2026 الساعة 12:38 م
د. هويدا صالح
منذ بدايات السينما العالمية احتلت مصر القديمة مكانة استثنائية في المخيلة الغربية. فالأهرامات، والمعابد، والمومياوات، والكتابة الهيروغليفية، كلها عناصر تمتلك قدرة هائلة على إثارة الدهشة البصرية. غير أن هذه الدهشة لم تُترجم دائماً إلى معرفة حقيقية بالحضارة المصرية، بل كثيراً ما تحولت إلى مادة لإنتاج صورة متخيلة عن مصر، صورة تتجاوز التاريخ لتدخل عالم الأسطورة والخرافة والغموض. ولعل سلسلة أفلام "المومياء" تمثل النموذج الأشهر لهذه الظاهرة السينمائية التي لا يمكن فهمها اليوم إلا من خلال مقاربات ما بعد الاستشراق.
في مرحلة سابقة كان النقد الثقافي، منذ كتاب إدوارد سعيد "الاستشراق"، يركز على الكيفية التي صوّر بها الغرب الشرق باعتباره فضاءً للغرابة والسحر والاختلاف. لكن مقاربات ما بعد الاستشراق ذهبت أبعد من ذلك، فلم تعد تكتفي بتحليل صورة الشرق في الخطاب الغربي، بل راحت تدرس الآليات البصرية والثقافية التي تجعل هذه الصورة تبدو طبيعية ومقنعة للجمهور العالمي. وهنا تكمن أهمية النظر إلى أفلام المومياء وغيرها من الأفلام التي تتخذ من الحضارة المصرية القديمة خلفية لأحداثها.
ظاهرياً تبدو هذه الأفلام احتفاءً بالحضارة المصرية. فهي تقدم المعابد الشاهقة والتماثيل الضخمة والكنوز المدفونة والمدن القديمة في صور مبهرة. لكنها، على مستوى أعمق، تعيد إنتاج صورة نمطية تجعل مصر القديمة مرادفاً للسحر واللعنات والموتى العائدين من قبورهم. فالمشاهد لا يخرج من الفيلم متذكراً إنجازات المصريين في الهندسة أو الطب أو الفلك أو الإدارة، بل يتذكر اللعنة، والكتاب السحري، والكاهن الشرير، والمومياء المنتقمة.
هذه النقلة من الحضارة إلى الأسطورة ليست بريئة من الناحية الثقافية. فحين تُختزل حضارة استمرّت آلاف السنين في مجموعة من الطقوس الغامضة، يصبح التاريخ نفسه مادة للفرجة لا موضوعاً للمعرفة. وتتحول مصر من مركز لإنتاج إحدى أقدم الحضارات الإنسانية إلى مسرح للمغامرات الخارقة.
من منظور ما بعد الاستشراق، لا تكمن المشكلة في الأخطاء التاريخية وحدها، بل في بنية السرد نفسها. ففي معظم هذه الأفلام نجد أن المعرفة الحقيقية لا يمتلكها أبناء الحضارة، بل يمتلكها المغامر أو الباحث الغربي. أمّا المصريون المعاصرون فيظهرون عادة في أدوار هامشية: حراس، أدلاء، لصوص آثار، أو شخصيات ثانوية تساعد البطل الأجنبي على اكتشاف أسرار الماضي. وهكذا تُفصل مصر القديمة عن المصريين أنفسهم، ويُقدَّم التراث المصري وكأنه ملكية ثقافية مفتوحة للخيال الغربي.
الأخطر من ذلك أن هذه الأفلام تعيد إنتاج علاقة استعمارية قديمة في ثوب جديد. فكما كان المستكشف الأوروبي في القرن التاسع عشر يدخل المقابر والمعابد بوصفه مكتشفاً ومفسراً ومؤولاً للتاريخ، يظهر البطل السينمائي الحديث بوصفه الشخص القادر وحده على فكّ الشفرات وفهم الأسرار وإنقاذ العالم من الأخطار القادمة من الشرق القديم. هنا لا يعود الشرق موضوعاً للمعرفة فقط، بل يصبح أيضاً مصدراً للتهديد الذي يتطلب تدخلاً غربياً لاحتوائه.
وتزداد خطورة هذه الصورة حين ندرك أن السينما أصبحت لدى ملايين المشاهدين مصدراً أساسياً للمعرفة التاريخية. فالكثير من الجمهور العالمي لم يقرأ عن مصر القديمة في الكتب الأكاديمية، بل تعرّف إليها عبر الشاشة. وحين تتكرر صورة المومياء الشريرة واللعنة القاتلة والكتاب المحرم عبر عشرات الأفلام والألعاب الإلكترونية والروايات المصورة، فإنها تتحول تدريجياً إلى جزء من الوعي الجمعي العالمي.
لا يعني ذلك إنكار الأثر الإيجابي الذي حققته هذه الأعمال. فمن الإنصاف الاعتراف بأن أفلام المومياء وغيرها ساهمت في لفت انتباه أجيال كاملة إلى الحضارة المصرية. وقد دفعت كثيرين إلى زيارة المتاحف، وقراءة الكتب التاريخية، والاهتمام بعلم المصريات. كما أن نجاحها التجاري أكد أن الحضارة المصرية لا تزال تمتلك قوة رمزية هائلة تتجاوز حدود الزمان والمكان.
لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الصورة السينمائية بديلاً عن الحقيقة التاريخية. فالإعجاب بالحضارة شيء، واختزالها في مجموعة من الخرافات شيء آخر. وقد نجحت هوليوود، بدرجات متفاوتة، في الجمع بين الأمرين: تمجيد عظمة مصر من جهة، وتجريدها من واقعها التاريخي والإنساني من جهة أخرى.
لهذا فإن التحدي الحقيقي اليوم لا يتمثل في مهاجمة هذه الأفلام أو الدعوة إلى منعها، بل في إنتاج سرديات بديلة قادرة على استعادة الحضارة المصرية من قبضة الخيال الاستشراقي. فالمطلوب ليس أفلاماً دعائية تمجد الماضي، بل أعمالاً فنية تقدم المصري القديم باعتباره إنساناً حقيقياً عاش وصنع وفكر وابتكر، لا مجرد كاهن غامض يحرس لعنة أبدية داخل مقبرة مهجورة.
لقد آن الأوان للانتقال من صورة "المومياء" إلى صورة "الإنسان". فالحضارة المصرية لم تبنها اللعنات، بل بناها البشر. ولم تصنع مجدها الأساطير وحدها، بل صنعته المعرفة والعمل والخيال الإنساني. وما لم تستطع السينما العالمية إدراك هذه الحقيقة، ستظل مصر القديمة حاضرة على الشاشة بوصفها أسطورة جميلة، وغائبة بوصفها واحدة من أعظم التجارب الحضارية في تاريخ الإنسانية.