|
القاهرة 09 يونيو 2026 الساعة 12:41 م

حوار: حسين عبد الرحيم
"أدوات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تكون مفيدة للمترجم كمساعد سريع أو مراجع أولية غير دقيقة. لكن القرار النهائي، والمسؤولية الفنية، واللمسة الإنسانية ستبقى دائمًا للمترجم الإنسان. الخوف ليس من الآلة، بل من أن نرضى نحن المترجمين بإنتاج رديء يشبه عمل الآلة".
• مقدمة تعريفية
برز اسم ميسرة صلاح الدين في مصر والعالم العربي كمترجم ارتبط اسمه بالعديد من الأعمال الإبداعية المهمة وكبار المبدعين، أمثال سيلفيا بلاث وستيفان زفايج ودولسي ماريا كارودوسا وروبرت فروست وسوزانا كلارك وناتسومي سوسيكي وغيرهم. كما عُرف بوصفه كاتبًا موسوعي التجربة، يمتد إبداعه بين الشعر والمسرح والنثر، ويجيد السباحة في ثلاثة عوالم: عالم الكلمة الأصيلة، وعالم الخشبة المسرحية، وعالم النص المترجم.
صدرت له دواوين شعرية بالعامية المصرية مثل "شباك خجل" و"أرقام سرية"، وفي المسرح قدم أعمالًا استثنائية مثل "ترام الرمل" و"مسك الليل" التي حظيت بتقدير نقدي واسع، كما أصدر كتاب "الأسطوات" الذي يُعد إضافة نوعية في تأريخ الأغنية المصرية وسيرة شعرائها المبدعين.
واللافت أن ميسرة صلاح الدين صار اسمًا مقترنًا بترجمة الأعمال الحائزةِ كبرى الجوائز العالمية، وتحديدًا جائزة البوكر. فبعد ترجمته لرواية "شوجي بين" (بوكر 2020)، بات يمتلك خبرة نادرة في فهم ضغوط هذا النوع الرفيع من الأدب وتحديات نقله إلى القارئ العربي المتعطش لمتابعة أحدث الإصدارات العالمية بلغة أمينة ومبدعة في آن. تمتاز ترجماته بالرصانة والدقة والوضوح، إذ تحافظ على نسيج النص الأصلي وروح الكاتب وأسلوبه الفريد، وفي الوقت نفسه تزخر بالإشارات المعرفية والثقافية التي تنقل القارئ إلى عوالم العمل الأصلي بأمانة وثراء، لتصبح ترجماته جسرًا حيًا إلى ثقافة أخرى.
ومع صدور أحدث ترجماته "أقمار مالي ألميدا السبعة" – الرواية التي حصلت على جائزة بوكر 2022 للكاتب السريلانكي شيهان كاروناتيلاكا، عن دار صفصافة للنشر، في 590 صفحة من القطع المتوسط – يلتقي في هذا العمل الفريد: حساسيته الشعرية، وتقنياته المسرحية في صياغة الحوار، وإدراكه العميق لتحديات الترجمة من قلب ثقافة بعيدة.
• بداية العلاقة بالترجمة
يقول ميسرة صلاح الدين إن بداية علاقته بالترجمة الأدبية تعود إلى مرحلة دراسته الجامعية، حيث اكتشف أن بعض الترجمات الكلاسيكية التي كان يقرأها لكبار الأدباء والشعراء ربما كانت غير دقيقة، أو ربما خضعت لذوق المترجم ودوافعه الذاتية.
ويضيف أنه بدأ يقرأ الأعمال الإبداعية بلغتها الأصلية، فأدرك أن لديه القدرة على المساهمة في نقل ذلك الإبداع الذي يقف أمامه مندهشًا إلى القارئ العربي، الذي ربما لم يقرأه، أو ربما يعاني من عدم دقة أو اكتمال الترجمات القديمة.
ويؤكد أن علاقته بالشعر والمسرح ساهمت إلى حد كبير في تكوينه كمترجم، وساعدته قراءاته المتنوعة وشغفه بالإبداع العالمي بشكله الموسع على أن يدقق في اختياراته أثناء الترجمة.
ويختتم قائلاً إنه يدرك تمامًا أن المترجم لا ينبغي أن يكون مبدعًا – مؤلفًا أو شاعرًا – ولكن عليه أيضًا أن يكون مترجمًا مبدعًا، مشددًا على أن الأهم من الإبداع هو الإخلاص للعمل، والحرص على بذل الوقت والجهد ليخرج بشكل لائق.
• فلسفة الترجمة في جوهرها
يؤكد ميسرة صلاح الدين أن الترجمة في جوهرها ليست عملية إعادة كتابة أو صياغة لنص أصلي ليصبح نصًا موازيًا مكتوبًا بلغة جديدة، بقدر ما هي عملية نقل ثقافة ومرجعية وتجربة حياتية. يجب على المترجم ألا يتحول إلى كاتب ثانٍ للنص، بل ينطلق من نقطة الحفاظ على اللغة والأسلوب والرواية السردية للمؤلف الأصلي، ويخفت صوته الخاص، وتختفي ذائقته وتقنياته الإبداعية خلف تقنيات وتفضيلات المؤلف الذي اختار أن يترجم عمله.
وهذا ما يمثل تحديًا كبيرًا: الحفاظ على التوازن الدقيق بين دقة وحرفية النص الأصلي، وإضافة الجمال والجاذبية المتعلقة باللغة الجديدة التي تُعتبر هدفًا لها.
وتزداد صعوبة هذه المهمة بشكل واضح عند ترجمة رواية حصلت على جوائز عالمية، وطُرحت بالفعل للقراء في أنحاء العالم المختلفة بترجمات متعددة. حيث يتحتم على المترجم في هذه الحالة أن يحافظ على خصوصية النص ولغة المؤلف وهويته الفكرية والثقافية وتراكيبه المميزة، بنفس درجة حفاظه على تفاصيل حكايته وترتيب أحداثه. فهذه العوامل مجتمعة هي السبب في حصول الرواية على الجائزة، لأن الجائزة قُدمت للرواية كنص محكي، وقُدمت لطريقة السرد وبراعته على حد سواء.
• تحديات ترجمة "أقمار مالي ألميدا السبعة"
يؤكد ميسرة صلاح الدين أن ترجمة رواية "أقمار مالي ألميدا السبعة" شكّلت تحديًا من نوع خاص بالنسبة له، فالرواية مكتوبة بطريقة فريدة تجمع بين أزمنة مختلفة، فبعض أحداثها يدور في الماضي وبعضها الآخر في الحاضر والمستقبل. كما أن المؤلف اعتمد على تقنية سردية غير مألوفة، حيث يتحدث عن نفسه في بعض الأحيان بصيغة الغائب، وفي أحيان أخرى بصيغة الحاضر، وفي أحيان أخرى يتكلم بنفسه، وأحيانًا أخرى يتحدث ناقلاً عن نفسه – وهي تقنية شديدة الإرباك، ولكنها تتناسب مع الحبكة الأصلية للرواية التي تدور في عوالم فوضوية ومثيرة، تبدأ باكتشاف البطل أنه قُتل في ظروف غامضة، وأنه في مكتب سماوي غامض يجب عليه أن يحل لغز مصرعه خلال سبعة أيام (أو سبعة "أقمار") حتى يحصل على الخلاص.
في عالم أسطوري تكثر فيه الأشباح والأرواح، وتتشابك فيه الأساطير البوذية والسريلانكية القديمة مع أهوال الحرب الأهلية والحوادث التاريخية الحقيقية الموثقة. تدور أحداث الرواية في إطار من التشويق والطرافة لا يخلو من لمسة من الحزن والألم المعقد.
فالمصور الصحفي مالي ألميدا، الذي استطاع أن يوثق بكاميراه جرائم الحرب، تحول بدوره إلى ضحية من ضحايا تلك الجرائم، وأصبح هائمًا في عالم الأرواح. ونظرًا لكثرة الأحداث التاريخية المرتبطة بأحداث الرواية، وكثرة الإشارات الثقافية والتراثية والفلكلورية التي برع الكاتب في توظيفها، ألزم ميسرة نفسه بوضع العديد من الهوامش والشروحات الفرعية التي تمكن القارئ العربي من قراءة النص الخفي وفهم العلاقات المستترة بين الأحداث الواقعية والأسطورية، وإن كان على القارئ أن يبحث بنفسه في تلك الأحداث والأساطير لو كانت لديه الرغبة في الاستزادة من هذه الثقافة الخاصة، ولا سيما أنها تختلف جذريًا عن ثقافتنا العربية.
• الفكاهة السوداء والديستوبيا
ومن الملامح المهمة في هذه الرواية الفكاهة والسخرية السوداء، وعالم الديستوبيا الذي يدمج الرعب بالمرح.
يضرب ميسرة مثالاً على هذه الفكاهة قائلاً: "حيث يملأ الموتى الاستمارات ويحصلون على التوقيعات من مجموعة من الموظفين في نظام بيروقراطي صارم، لاستكمال إجراءات تنقلهم في الحياة الأخرى". هذا المزج بين الموت المأساوي والروتين الحكومي السخيف يخلق ضحكًا مريرًا يعكس عبثية الحرب.
ويصف هذا الإطار بأنه شديد الخصوبة، نجح المؤلف شيهان كاروناتيلاكا في نسجه برهافة وإتقان، ليصبح الهيكل العميق الذي يحمل أحداث الرواية. إنه مزج بين الواقعية السحرية وأدب الجريمة، ولكن في إطار أدبي بلغة مرموقة وحبكة قوية، لينأى بالرواية عن الانتقادات التي عادةً ما تُوجه لأدب الجريمة من السطحية والابتذال لمجرد مداعبة خيال القارئ دون الحفاظ على العمق الأدبي.
• تجربة "شوجي بين" كتحضير لهذه الترجمة
يشير ميسرة صلاح الدين إلى أن تجربته السابقة في ترجمة رواية "شوجي بين" للكاتب الأسكتلندي دوغلاس ستيوارت – الحاصلة على بوكر 2020 – ساهمت في اكتسابه خبرة كبيرة في التعامل مع النصوص المعقدة والطويلة. فقد تجاوزت صفحات تلك الرواية 600 صفحة، ودارت في أجواء ثقافية وتاريخية مختلفة تمامًا، في مدينة "جلاسكو" الأسكتلندية، وتحديدًا في الأحياء المعذبة التي أنهكها الفقر والبطالة، وتُروى الأحداث على لسان طفل صغير يعيش مع والدته مدمنة الكحول، ويجد نفسه مضطرًا لرعايتها وتحمل المسؤولية.
ويؤكد أن هذا الاختلاف الواضح بين الروايتين في الشكل والمضمون وتقنيات الكتابة، إلى جانب انتمائهما لمدارس أدبية حديثة، يُشكل دلالة كبيرة على توجه الرواية العالمية وتطور تقنياتها السردية في كل من الشكل والمضمون.
ويختتم ميسرة صلاح الدين حديثه قائلاً إن السرد وتقنياته تشهد على المستوى العالمي تطورًا كبيرًا، وخصوصًا مع تدخل أدوات جديدة وظهور موضوعات مختلفة لها علاقة بالتطور التكنولوجي وانتشار الأوبئة والأمراض التي يمكنها أن تنهي العالم كما نعرفه. وهذا ما يفتح آفاقًا جدية للخيال وللتنظير في آن واحد.
ويؤكد أن على الكاتب والمبدع العربي عمومًا، وعلى المترجم خصوصًا، أن يطلع على حركة الأدب والفن العالمية، وأن يختار منها ما يضيف للمجموع والذائقة العربية.
ويشدد على أن المترجم لا ينبغي أن يسعى إلى بصمة صوتية تعلو على النص، لأن بصمته الحقيقية تكمن في اختفائه خلف الكاتب الأصلي. ويضيف: "من يقرأ ترجماتي سيجد أن القاسم المشترك بينها هو الجهد المتواصل لفهم روح النص، ثم إعادة إنتاجها بلغة عربية واضحة، دون خيانة للسياق الأصلي. ربما بصمتي هي الهوامش والشروحات التي أصر عليها حين تحتاج الثقافة الجديدة إلى جسر، وهذه أصبحت سمة من سمات عملي.
ويضيف قائلاً إن بصمته لا تتشكل عبر إضافة أسلوبه الخاص، بل من قدرته على التلاشي ليترك الكاتب وحده يتحدث إلى القارئ العربي.
• الترجمة في عصر الذكاء الصناعي
وفيما يخص الجدل الدائر حول الترجمة وتطور أدوات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الرقمية، يرى ميسرة صلاح الدين إن الترجمة الآلية والذكاء الاصطناعي حققا قفزات هائلة في مجال الترجمة التحريرية والفورية، ويمكنهما اليوم إنجاز نصوص تقنية أو قانونية أو إدارية بدقة متناهية وسرعة فائقة. لكنه يؤكد أن الترجمة الأدبية عالم مختلف تمامًا.
كما يضيف: "الآلة تنقل كلمات وجملاً بصيغة حرفية محسنة، لكنها لا تترجم روحًا. ولا تفهم السخرية الخفية، ولا تستطيع أن تشعر بنبرة الحزن الكامنة خلف جملة تبدو عادية. ولا تدرك مرجعية ثقافية تتعلق بأسطورة بوذية قديمة أو إشارة عابرة إلى أغنية شعبية سريلانكية. الآلة لا تتألم مع شخصيات الرواية، ولا تضحك بمرارة مع فكاهة الموت".
ويؤكد أن الترجمة الأدبية تظل حكرًا على الإنسان، لأنها تحتاج إلى من يعيش النص ويتخذ قرارات جمالية لا تستطيع الخوارزميات فهمها.
ويختتم: "أدوات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تكون مفيدة للمترجم كمساعد سريع أو مراجع أولية غير دقيقة. لكن القرار النهائي، والمسؤولية الفنية، واللمسة الإنسانية ستبقى دائمًا للمترجم الإنسان. الخوف ليس من الآلة، بل من أن نرضى نحن المترجمين بإنتاج رديء يشبه عمل الآلة".

|