|
القاهرة 09 يونيو 2026 الساعة 12:29 م

متابعة: سماح ممدوح حسن
ضمن فعاليات الاحتفاء بالذكرى الحادية والثمانين لميلاد الأديب جمال الغيطاني، نظم "نادي السيرة للكتاب" أمسية ثقافية بعنوان "في حضرة قاهرة الغيطاني.. نحكيها كما رآها"، استضافها متحف ومركز إبداع نجيب محفوظ بتكية محمد أبو الدهب بالغورية، وشهدت مناقشة موسعة لبعض من أبرز أعماله الروائية والفكرية، ككتاب التجليات، ويوميات شاب من ألف عام.
وركزت المناقشات على الدلالات الفكرية والجمالية لأعماله، حيث رأى المشاركون أن عنوان كتاب"التجليات" على سبيل المثال، تمثل مدخلًا أساسيًا لفهم عالم الغيطاني. فمصطلح "التجليات" ذو جذور صوفية يرتبط بالكشف والظهور وانكشاف الحقائق، وهو ما يعكس رغبة الكاتب في تجاوز المناهج التقليدية لقراءة التاريخ والواقع، والبحث عن مستويات أعمق من الفهم والمعرفة.
وأكد المتحدثون أن القاهرة تحتل موقعًا محوريًا في هذا العمل، ليس باعتبارها مجرد مكان للأحداث، بل بوصفها صورة مكثفة لمصر بأكملها. فالغيطاني لا يتوقف عند مرحلة تاريخية بعينها، بل يستدعي المدينة عبر مختلف عصورها، لتغدو القاهرة سجلًا حيًا للذاكرة المصرية ومختصرًا لمساراتها الحضارية المتعاقبة.
كما تناولت المناقشات العلاقة بين أجزاء "التجليات"، حيث أوضح المشاركون أن الجزء الأول ينشغل أساسًا برحلة اكتشاف الذات، بينما يتجه الجزء الثاني إلى اكتشاف العالم والمكان من خلال هذه الذات التي أصبحت أكثر وعيًا بنفسها وبما يحيط بها.
وأشار المتحدثون إلى أن الفاصل الزمني الطويل بين أجزاء العمل أتاح للغيطاني إعادة تأمل المكان والإنسان من منظور أكثر عمقًا ونضجًا، وهو ما انعكس في طبيعة الأسئلة الوجودية والفلسفية التي يطرحها النص.
ومن أبرز القضايا التي توقف عندها الحضور رؤية الغيطاني للزمن، حيث لا يظهر الماضي والحاضر والمستقبل بوصفها مراحل منفصلة، بل تتداخل جميعها في بنية زمنية دائرية، تجعل التاريخ حاضرًا باستمرار داخل اللحظة الراهنة.
كما ناقش المشاركون حضور المدينة في أعمال الغيطاني، مؤكدين أنه تعامل مع القاهرة ككائن حي يمتلك ذاكرة وروحًا خاصة. فالأزقة والشوارع والمباني والحجارة ليست مجرد عناصر جامدة، بل شخصيات فاعلة داخل النصوص، تشارك الإنسان تجربته وتحتفظ بآثار الأزمنة المتعاقبة.
وتطرق النقاش أيضًا إلى رؤية الغيطاني للعمارة، حيث اعتبرها لغة ثقافية وفلسفية تعبر عن تاريخ المجتمعات وأفكارها، وليس مجرد تشكيلات هندسية أو جمالية. لذلك احتلت المباني التاريخية والحجر مكانة خاصة في مشروعه الإبداعي.
واختتمت الأمسية بالتأكيد على أن من أهم السمات الفكرية في كتابات جمال الغيطاني تداخل مفهومي الحياة والموت، إذ ينظر إلى الموت بوصفه امتدادًا للحياة ومرحلة من مراحل الوجود، وهي رؤية تستلهم جانبًا من التراث المصري القديم الذي لم يفصل بين العالمين بقدر ما رأى بينهما حالة من الاستمرار والتواصل، الأمر الذي منح أعمال الغيطاني طابعها التأملي والروحي المميز.
|