القاهرة 02 يونيو 2026 الساعة 10:29 ص

د. هويدا صالح
يثير ديوان "رأيت بروك شيلدز" للشاعر عبد الرحمن الشهري(دار أدب للنشر والتوزيع ـ 2023) الفضول منذ الوهلة الأولى، ويدفع القارئ إلى التساؤل: من هي بروك شيلدز، ولماذا اختارها الشاعر عنواناً لعمله؟
غير أن العنوان لا يُستدعى هنا بوصفه إحالة مباشرة إلى الممثلة الأمريكية الشهيرة بقدر ما يؤدي وظيفة رمزية تتجاوز الشخص إلى المعنى. فهو ليس مجرد عتبة نصية تشير إلى محتوى الديوان، بل مفتاح تأويلي يختزل رؤيته الشعرية العميقة. فالشاعر يستحضر صورة امرأة كانت في الذاكرة رمزاً للجمال والشباب والفتنة، ثم يراها بعد سنوات وقد ترك الزمن بصماته عليها، لتتحول تلك اللحظة إلى مواجهة مؤلمة مع حقيقة التغيّر الإنساني.
من هذا المنظور، لا يكتب الشهري عن بروك شيلدز ذاتها، بل عن الزمن حين يبدد أوهام الخلود، وعن الذاكرة حين تكتشف أن صورها الأكثر رسوخًا ليست بمنأى عن التحول. إن الاسم يتحول إلى رمز لفقدان البراءة الأولى، وللشرخ الذي يصيب يقين الإنسان عندما تتهاوى الصور المثالية التي احتفظ بها طويلاً، وإلى استعارة للحنين الذي يرافق إدراك هشاشة كل ما نظنه ثابتاً ودائمًا.
يضم الديوان أكثر من ستين نصًا نثريًا، تتشكل جميعها من هذه الحساسية الوجودية المرهفة التي تتأمل الزمن والغياب والذاكرة والحب والخسارة. وفيها يقدّم عبد الرحمن الشهري تجربة شعرية تعتمد لغة يومية حميمة وقريبة من تفاصيل الحياة، لكنها لا تتخلى عن عمقها الدلالي وكثافتها الشعورية. وهكذا ينجح الشاعر في الموازنة بين بساطة التعبير وثراء الرؤية، مقدماً نصوصًا تبدو سهلة الاقتراب، لكنها تفتح أمام القارئ مساحات واسعة من التأمل والأسئلة الإنسانية الكبرى.
تنهض رؤية العالم في هذا الديوان على ما يمكن تسميته بـ "شعرية الخسارة المُعترف بها"، وهي رؤية لا تتعامل مع الفقد بوصفه مناسبة للرثاء أو استدرار التعاطف، بل بوصفه حقيقة وجودية يجري تأملها والإقرار بها بوعي وهدوء. فالشاعر لا ينوح على ما ضاع، ولا يسعى إلى استثارة شفقة القارئ، وإنما يواجه خساراته مواجهة مباشرة، متأملاً آثارها في النفس والذاكرة والزمن.
ومن هنا يختلف صوت عبد الرحمن الشهري عن الصوت الرثائي التقليدي؛ إذ يتحدث من موقع المراقب الذي يرصد تحولات حياته وانكساراتها بقدر من الصفاء المؤلم، وكأنه يقف داخل محكمة رمزية يؤدي فيها أدوارًا متعددة في الوقت نفسه: المتهم الذي يراجع أخطاءه، والشاهد الذي يسجل الوقائع، والقاضي الذي يصدر أحكامه القاسية على ذاته والعالم من حوله.
تتبلور هذه الرؤية في صياغة ذات طابع فلسفي عميق، حيث يتحول الزمن من مجرد إطار للأحداث إلى قوة فاعلة تشارك الإنسان تشكيل مصيره، وتغدو المصالحة معه هدنة مؤقتة لا تلغي حتميته، بل تكشف هشاشة الكائن أمام جريانه الدائم. هنا يبلغ التأمل الشعري درجة من النضج تجعل الخسارة ليست نهاية التجربة، بل نافذة لفهم الذات والعالم على نحو أكثر عمقًا وصدقًا.
يقول في نص "لا أدعي مجدا" عندما رأيت بروك شيلدز لأول مرة، كنت يافعا، وكنت أظنها لا تشيخ. ومرت السنوات، ثم رأيتها بعد ذلك، وكان الزمن قد غير ملامحها، وظهر بعدها أجيال من الحسناوات، اللواتي نتوقف عند جمالهن، حتى يكبرن. ودائما ما كان يصيبني ألم، كلما توقفت عند جمال نجمة، ثم رأيتها بعد عمر. بل صرت أتحاشى رؤيتها، كي لا أصدم بما يحدث لها من تغيرات. وأقدر ما تقوم به الواحدة منهن، كي تبقى على قيد الحياة"(ص13).
يشتغل الزمن في المقطع السابق بوصفه القوة المركزية التي تُعيد تشكيل الأشياء وتُسقط أوهام الثبات والخلود. فالشاعر يبدأ من لحظة ماضية مشبعة ببراءة الشباب حين رأى جمالها لأول مرة واعتقد أنه جمال عصي على التغيير، هنا يظهر الزمن غائبًا عن الوعي، أو مؤجلًا في مخيلة الفتى/الشاعر الذي يرى الجمال في صورة مطلقة لا يطالها الفناء.
لكن حركة السرد الشعري تنتقل سريعاً من وهم الثبات إلى حقيقة التحول عبر العبارة المكثفة: "ومرت السنوات"، وهي جملة قصيرة تختزل زمنًا طويًلا، وتكشف فعل الزمن التراكمي الذي لا يُدرك أثره إلا بعد انقضائه. وعندما يلتقي الشاعر بالصورة نفسها بعد سنوات، يكتشف أن الزمن قد ترك بصماته على الملامح، فتتحول الصدمة الفردية إلى تأمل وجودي أوسع..
ولا يتوقف الزمن عند حالة بروك شيلدز وحدها، بل يصبح قانوناً عاماً يحكم الجميع. فظهور "أجيال من الحسناوات" ثم أفولهن يرسّخ فكرة الدورة الزمنية التي تتكرر بلا انقطاع؛ جمال يسطع، ثم يخبو، لتحل محله وجوه أخرى سرعان ما تلحق بالمصير نفسه. وهكذا يتجاوز النص الحديث عن نجمة سينمائية إلى تأمل آلية الزمن في إنتاج الجمال واستهلاكه معًا.
والمثير أن الألم الذي يعبّر عنه الشاعر لا ينبع من شيخوخة هؤلاء النساء بقدر ما ينبع من انهيار الصورة المثالية التي احتفظ بها في ذاكرته. فالزمن هنا لا يغيّر الملامح فحسب، بل يعبث بالذاكرة أيضًا، ويجبر الإنسان على مراجعة تصوراته عن الجمال والديمومة. لذلك يعترف بأنه صار يتجنب رؤية النجمات بعد سنوات "كي لا يصدم بما يحدث لهن من تغيرات"، وكأن الامتناع عن الرؤية محاولة يائسة لتجميد الزمن داخل الذاكرة والحفاظ على الصورة الأولى من التآكل.
ومن زاوية أعمق، يمكن القول إن النص لا يتحدث عن شيخوخة النساء بقدر ما يتحدث عن شيخوخة الذات الشاعرة نفسها. فكل تجعيدة يراها على وجه نجمة قديمة هي تذكير غير مباشر بمرور الزمن عليه هو أيضاً. ولهذا يتحول الآخر إلى مرآة يرى فيها مصيره الشخصي. إن ألم التغير الذي يصيب النجمة ليس سوى ألم الإنسان أمام اكتشاف هشاشته وفنائيته.
بهذا المعنى، يؤدي الزمن في النص وظائف متعددة: فهو زمن بيولوجي يبدّل الملامح، وزمن نفسي يهزّ يقين الذاكرة، وزمن وجودي يكشف حتمية الفناء. ومن خلال هذا التشابك يتحول المقطع من ذكرى عابرة مرتبطة بممثلة شهيرة إلى تأمل شعري عميق في العلاقة الملتبسة بين الجمال والذاكرة والزمن، حيث يصبح فقدان الصورة الأولى أحد أكثر أشكال الخسارة الإنسانية إيلاماً.
يحتل الزمن موقعًا محوريًا في تجربة عبد الرحمن الشهري الشعرية، حتى ليبدو أحد أهم المفاتيح لفهم رؤيته إلى الذات والعالم. غير أن الشاعر لا يتعامل معه بوصفه ذلك العنصر الرومانسي التقليدي المرتبط بالحنين والأسى على ما مضى، بل بوصفه قوة خفية وفاعلة تشارك في تشكيل الإنسان وصياغة مصيره. فالزمن عنده لا يمر فحسب، وإنما يعيد تشكيل ملامحنا الداخلية والخارجية، ويصنع منا أشخاصاً لم نخطط لأن نكونهم، ثم يتركنا في مواجهة نتائج هذا التحول دون سابق إنذار أو فرصة للاعتراض.
في قصيدة" لا أدعي مجدا" يقول الشهري:" لا أدعي مجدا في الخمسين، ولا أنوي تغيير العالم. أكبر مثلما يكبر طا\ر في قفص، ولا يدري أنه يكبر. قفصي أيامي التي أهرقها بلا طائل، وأكتشف بعدها أنني كبرت، وأن الناس الذين نشأت على وجودهم، يحملون أنفسهم ويغيبون"(ص15).
يمنح الزمن الشاعر الزمن بُعدًا أسطوريًا حين ينظر إلى عمره الذي يمر أمام عينيه. هنا لا يعود الزمن مجرد سياق تمرّ فيه الأحداث، بل يتحول إلى قوة قاهرة تُجمّد ما تمسّه، وتفرض على الإنسان مواجهة آثارها التي لا يمكن الفكاك منها. فكما كانت نظرة ميدوزا تسلب الكائن حركته وحياته، تبدو نظرة الزمن قادرة على تثبيت آثار العمر والخبرة والفقد على الجسد والروح معًا.
في المقطع السابق يتجلى الزمن ليعبر عن رؤية الإنسان وهو يواجه تقدّم العمر بعيدًا عن أوهام البطولة أو ادعاءات الحكمة المطلقة. فالشاعر يبدأ نصه بجملة تقريرية"لا أدعي مجدا في الخمسين ولا أنوي تغيير العالم"
وهي عبارة تنطوي على قدر كبير من المصارحة مع الذات، وتعلن منذ البداية انحيازه إلى صوت الإنسان العادي الذي تجاوز مرحلة الأحلام الكبرى والمشروعات الخلاصية، ليقف أمام حياته كما هي، بما فيها من نجاحات محدودة وخسارات متراكمة.
وتتجلى قوة الصورة الشعرية في تشبيه الذات بـ طائر في قفص"، وهي صورة تتجاوز معناها المباشر لتفتح أفقًا تأويليًا واسعًا. فالطائر، في المخيال الإنساني، رمز للحرية والانطلاق، لكن وجوده داخل القفص يحوّل هذه الحرية إلى إمكانية معطّلة. والأهم من ذلك أن الطائر "لا يدري أنه يكبر"، في إشارة إلى أن فعل الزمن يتم بصمت، وأن الكائن لا يشعر بتحولاته اليومية الصغيرة إلا بعد أن تتراكم وتصبح واقعاً لا يمكن إنكاره.
ثم يقدّم الشاعر تأويلاً ذاتياً للصورة حين يقول:" قفصي أيامي التي أهرقها بلا طائل"، فينتقل الزمن من زمن معيش إلى زمن نفسي، حيث تتسرب الأيام من بين يديه دون أن ينتبه إلى قيمته إلا بعد انقضائه. ويتعمق الإحساس بالزمن الوجودي حيث يقول" وأكتشف بعدها أنني كبرت، وأن الناس الذين نشأت على وجودهم يحملون أنفسهم".
الصدمة هنا ليست في الشيخوخة الشخصية وحدها، بل في تآكل العالم المألوف من حوله. الأشخاص الذين كانوا جزءًا من المشهد اليومي الثابت يرحلون واحدًا تلو الآخر، فيتحول الغياب إلى العلامة الأكثر وضوحًا على مرور الزمن..
يعتمد النص على لغة بسيطة ومباشرة تخلو من الزخرفة البلاغية المفرطة، غير أن هذه البساطة تحمل كثافة دلالية عالية. فالصور تنبع من تفاصيل مألوفة: طائر، قفص، أيام، أناس يرحلون. لكن اجتماع هذه العناصر ينتج تأملًا عميقًا في العمر والزمن والفقد.
وفي المحصلة، لا يتحدث الشهري في هذا النص عن بلوغ الخمسين بوصفه محطة عمرية فحسب، بل عن لحظة وعي حادة يكتشف فيها الإنسان أن الزمن لم يكن يمر حوله فقط، بل كان يعيد تشكيله ويعيد تشكيل العالم الذي يعرفه. إنها قصيدة عن الخسارة الهادئة التي لا تحدث دفعة واحدة، بل تتراكم في صمت حتى يستيقظ المرء ليجد أن عمره تغيّر، وأن وجوهاً كثيرة كانت تملأ حياته قد أصبحت جزءاً من الذاكرة. وهذا ما يمنح النص بعده الإنساني المؤثر ويجعله أقرب إلى تأمل وجودي في هشاشة الكائن أمام الزمن أكثر من كونه مجرد حديث عن التقدم في السن.