|
القاهرة 19 مايو 2026 الساعة 01:13 م

بقلم: د. هويدا صالح
يأتي كتاب "سر المعبد: الأسرار الخفية لجماعة الإخوان المسلمين" للكاتب ثروت الخرباوي بوصفه شهادةً من داخل عالمٍ شديد الانغلاق والتعقيد؛ فهو لا يقدّم دراسة أكاديمية باردة، بقدر ما يكتب سيرة مواجهة مع تنظيم عاش المؤلف في قلبه سنوات طويلة قبل أن يغادره محمّلًا بأسئلة الشك والصراع. ولهذا يبدو النص أقرب إلى رحلة داخل دهاليز معتمة، تتداخل فيها الذاكرة الشخصية بالتحليل السياسي، ويتحوّل فيها السرد إلى محاولة لكشف ما يراه الكاتب الوجه الخفي لجماعة الإخوان المسلمين.
يرسم الخرباوي صورة للجماعة باعتبارها كيانًا مزدوج البنية؛ وجه علني يتحدث بلغة الدعوة والإصلاح، وآخر داخلي تحكمه السرية والتراتبية الصارمة وثقافة الطاعة. ومن خلال هذه الثنائية يبني الكاتب أطروحته الأساسية، التي ترى أن الجماعة لا تتحرك باعتبارها حركة دينية تقليدية، بل باعتبارها تنظيمًا سياسيًا طويل النفس يسعى إلى "التمكين" التدريجي داخل المجتمع والدولة. لذلك يصبح الخطاب الديني – وفق رؤيته – جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى بناء سلطة ذات مرجعية تنظيمية مغلقة.
ويتتبع الكاتب الجذور الفكرية لهذه البنية من خلال قراءة أفكار حسن البنا، ثم تحولات الخطاب لدى سيد قطب وبعض منظّري الجماعة، محاولًا الكشف عن العلاقة بين الفكر العقائدي والبناء التنظيمي. كما يتوقف عند شخصيات ومحطات مؤثرة في تاريخ الجماعة، مثل مرحلة عمر التلمساني، والعلاقة المركبة مع نظام حسني مبارك، ثم صعود مصطفى مشهور وما ارتبط به من تشدد فكري وتنظيمي، إضافة إلى الصدامات الفكرية مع التيارات السلفية وقضايا التكفير والولاء والبراء.
ويولي الكتاب اهتمامًا خاصًا بالبنية الداخلية للجماعة، بدءًا من "نظام الأسرة" وآليات اختيار الأعضاء، وصولًا إلى مكتب الإرشاد في قمة الهرم التنظيمي. ويصف الخرباوي "البيعة" باعتبارها رابطة تتجاوز الطابع الرمزي إلى التزام نفسي وتنظيمي عميق، يرسّخ الولاء للقيادة ويعيد تشكيل وعي العضو داخل الجماعة. كما يتناول ثقافة السرية بوصفها عنصرًا بنيويًا في تكوين التنظيم، تظهر في التدرج المعرفي، والكتمان، والمراقبة الداخلية، وشبكات الاتصال المغلقة، إلى جانب ما يسميه «النظام الخاص» المرتبط تاريخيًا بالعمل السري والعنف السياسي.
ولا يقتصر الكتاب على الجانب الفكري والتنظيمي، بل يقدّم مادة توثيقية تتعلق بالمحاكمات العسكرية التي تعرّض لها أعضاء الجماعة في تسعينيات القرن الماضي، وآليات إدارة الملفات القانونية والسياسية داخل التنظيم، فضلًا عن وصف دقيق للاجتماعات الداخلية وطبيعة صناعة القرار.
كما يرصد الصراعات بين الأجنحة المختلفة داخل الجماعة، والتوتر القائم بين جيل الشباب والقيادات التقليدية، بما يكشف عن بنية ليست متجانسة تمامًا كما تبدو في خطابها العلني.
ومن الأفكار اللافتة في الكتاب حديثه عمّا يسميه "تشويه الذاكرة"، حيث يرى أن الجماعة تعيد صياغة تاريخها الداخلي بصورة تخدم تماسكها التنظيمي، عبر إخفاء الوقائع المحرجة وإعادة إنتاج الروايات بما يعزز صورة الجماعة لدى أعضائها. ويستند في ذلك إلى خبراته الشخصية كمحامٍ حضر بعض القضايا المرتبطة بالتنظيم، ليؤكد أن ثمة فجوة بين الخطاب المعلن وما يجري داخل الدوائر المغلقة.
وعلى المستوى الفني، يكتب الخرباوي بلغة تجمع بين التحليل والسرد الدرامي؛ إذ يعتمد على استعادة الحوارات وبناء المشاهد واستحضار الرموز والاستعارات، ومن أبرزها استعارة "إيكاروس" التي يشبّه بها الجماعة، باعتبارها كيانًا دفعه الطموح السياسي إلى التحليق عاليًا حتى اقترب من لحظة السقوط. هذه اللغة المشبعة بالإيحاءات تمنح النص طابعًا روائيًا، وتجعل القارئ يشعر أنه أمام عالم سري تتكاثر فيه الظلال والولاءات المتشابكة أكثر من كونه أمام دراسة سياسية تقليدية.
ولا يمكن فصل الكتاب عن السياق الذي صدر فيه عام 2012، في ذروة صعود جماعة الإخوان إلى السلطة بعد وصول محمد مرسي إلى الحكم. ففي تلك اللحظة كانت الجماعة تحاول تقديم نفسها بوصفها نموذجًا للإسلام السياسي القادر على التعايش مع الديمقراطية، بينما جاء الكتاب ليقدّم سردية مضادة ترى أن البنية الداخلية للجماعة ما تزال قائمة على السرية والطاعة والتنظيم الموازي، وهي – بحسب رؤية المؤلف – مبادئ تتعارض مع قيم الشفافية والمساءلة في الدولة الحديثة.
ومع ذلك، يبقى "سر المعبد" نصًا يقع في منطقة وسطى بين الشهادة الشخصية والتحليل السياسي؛ فقيمته الكبرى تنبع من كونه شهادة عضو سابق يمتلك معرفة نادرة بخفايا التنظيم، غير أن هذه الشهادة نفسها تحمل أثر الموقف الشخصي والانحياز الفكري. لذلك يظل الكتاب مرجعًا مهمًا لفهم البنية التنظيمية لجماعة الإخوان وآليات عملها، لا بوصفه حقيقة نهائية مكتملة، بل باعتباره رواية داخلية تكشف جانبًا معقدًا من تاريخ الجماعة وصراعاتها الفكرية والسياسية.
-
المقارنة بين الإخوان والماسونية:
يقارن الخرباوي بين جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات الماسونية من حيث السرية والطقوس التنظيمية والتدرج الهرمي ونظام البيعة والرموز، والعمل "الشبكي" العبر للحدود، وأخيرا فكرة" النخبة المختارة"، وربما هذا هو المحور الأكثر إثارة للجدل، حيث يرى أن تشابهًا بنيويًا بين الطرفين، لا بالضرورة تطابقًا فكريًا أو عقائديًا. ويستشهد بتصريحات محمد الغزالي حول ماسونية حسن الهضيبي، وكتابات سيد قطب في صحيفة "التاج المصري" المرتبطة بالماسونية.
وتنهض رؤية الخرباوي على عدة مرتكزات أساسية هي:
1ـ أن جماعة الإخوان ليست مجرد حركة دينية إصلاحية، بل تنظيم سياسي عقائدي مغلق.
2ـ إن التنظيم يعتمد على هندسة نفسية وفكرية لإعادة تشكيل وعي الأعضاء.
3ـ إن الخطاب المعلن يختلف أحيانا عن الأهداف الحقيقية للتنظيم.
4ـ إن الجماعة تستخدم الدين كإطار تعبوي لتحقيق مشروع سياسي.
5ـ إن خطر الجماعة ـ في نظره ـ يكمن في قدرتها على الاختباء داخل المجتمع والدولة.
يلحظ القارئ أن المؤلف يتعامل مع الإخوان وصفهم مشروعا سلطويا أكثر من كونهم حركة دعوية.
ولعل ما يميز الكتاب عن غيره من الكتب التي تناولت البنية الفكرية للتنظيم السري للإخوان المسلمين أنها كتابة تأتي من الداخل، من الخبرة الداخلية لرجل كان عضوا بارزا في التنظيم لسنوات طويلة، فاطلع على تنفاصيل تنظيمية دقيقة، واصفا للثقافة الداخلية للتنظيم، ومحللا لآليات التربية والطاعة، وهذا يمنح الكتاب قيمة توثيقية مهمة.
كذلك نجح الكاتب في توضيح كيف يمكن للتنظيمات الأيديولوجية المغلقة أن تبني شبكات نفوذ طويلة الأمد عبر التربية الفكرية، والتضامن الداخلي، والانضباط التنظيمي.
كما أن الكاتب أفلح في نقد فكرة" التنظيم المقدس" حيث طرح سؤالا مهما حول مخاطر التنظيمات التي تضع نفسها فوق النقد أو فوق الدولة.
- الكتاب وثيقة مهمة لفهم الصراعات الداخلية للإخوان، وأساليب عملهم، وعلاقتهم بالدولة المصرية، لكنه ليس عملاً أكاديميًا حياديًا.
- يظل الكتاب مفيدًا للباحثين في حركات الإسلام السياسي، بشرط التعامل معه نقديًا، وموازنته بمصادر أخرى من داخل التنظيم وخارجه.
- الإخوان ليسوا جماعة دعوية فحسب، بل تنظيم سياسي عسكري سري يهدف إلى الاستيلاء على الحكم بكل الوسائل.
- التنظيم يفتقر إلى الشفافية والديمقراطية الداخلية، ويُخضع أعضاءه لولاء أعمى للقائد، مستخدمًا الدين كغطاء للسيطرة.
- الجماعة تعاني من أمراض نفسية وفكرية مثل الشوفينية، والتكفير، والتعالي على الآخرين، واستباحة المحظورات باسم المصلحة.
- التنظيم متغلغل في بعض مؤسسات الدولة وخاصة النقابات من خلال "قسم الوحدات" السري.
- الكاتب كان عضوًا فعليًا في التنظيم لسنوات، ووصل إلى مواقع قيادية، مما يمنحه معرفة داخلية لا تتوفر للباحثين الخارجيين.
- يعتمد على وثائق ورسائل وتسجيلات يصفها بأنها حقيقية، ويذكر أسماء وأحداثًا وتواريخ محددة، مما يضفي طابعًا توثيقيًا على روايته.
- يُظهر تناقضات حقيقية داخل التنظيم مثل التزويرالانتخابي، والانشقاقات، والخلافات بين الأجيال القديمة والجديدة.
"سر المعبد" كتاب جدلي ومؤثر، يقدّم رؤية نقدية حادة لجماعة الإخوان المسلمين من داخل التجربة التنظيمية نفسها. قوته الأساسية تكمن في شهادته التفصيلية عن آليات العمل الداخلي، لكنه ليس نصًا محايدًا بالكامل، بل يحمل موقفًا سياسيًا وفكريًا واضحًا ضد الجماعة.
ومن أكثر المحاور إثارةً للجدل في كتاب "سر المعبد: الأسرار الخفية لجماعة الإخوان المسلمين" المقارنة التي يعقدها ثروت الخرباوي بين جماعة الإخوان وبعض التنظيمات الماسونية. فالكاتب لا يذهب إلى القول بوجود تطابق عقائدي أو فكري بين الطرفين، بقدر ما يشير إلى تشابهات بنيوية تتعلق بطبيعة التنظيم المغلق، مثل السرية، والتدرج الهرمي، ونظام البيعة، والاعتماد على شبكات ولاء ممتدة تتجاوز الحدود الجغرافية، إضافة إلى فكرة "النخبة المختارة" التي تمتلك معرفة خاصة لا تُتاح للعامة. ويستند في هذا السياق إلى إشارات تاريخية وتصريحات منسوبة إلى بعض الشخصيات المرتبطة بتاريخ الجماعة، مثل محمد الغزالي، فضلًا عن كتابات سيد قطب المبكرة في صحيفة "التاج المصري" المصري التي حسبت على المحفل الماسوني.
وتنبني رؤية الخرباوي على اعتبار الجماعة تنظيمًا سياسيًا عقائديًا مغلقًا، يعتمد – بحسب تصوره – على إعادة تشكيل وعي أعضائه عبر التربية الفكرية والانضباط التنظيمي، بحيث يصبح الانتماء للجماعة إطارًا نفسيًا وفكريًا شاملاً. ومن هنا يذهب إلى أن الخطاب العلني للجماعة لا يكشف دائمًا عن أهدافها الكاملة، بل يقدّم صورة تتكيف مع السياقات السياسية والاجتماعية المختلفة، بينما يظل المشروع التنظيمي العميق قائمًا على فكرة التمكين وبناء النفوذ داخل المجتمع والدولة.
ويلاحظ القارئ أن الخرباوي يتعامل مع الإخوان باعتبارهم مشروعًا سلطويًا أكثر من كونهم حركة دعوية تقليدية؛ فهو يركّز على آليات الانضباط والطاعة، وعلى قدرة التنظيمات الأيديولوجية المغلقة على بناء شبكات طويلة الأمد من النفوذ، مستندة إلى التضامن الداخلي والتربية الحركية الصارمة. كما يثير سؤالًا محوريًا حول مخاطر "التنظيم المقدس"، أي التنظيم الذي يضع نفسه فوق النقد أو يقدّم ولاءه الداخلي على مفهوم الدولة الحديثة ومؤسساتها.
وتزداد أهمية الكتاب – في نظر كثير من القرّاء – بسبب طبيعة مصدره؛ فمؤلفه لم يكن مراقبًا خارجيًا، بل عضوًا سابقًا وصل إلى مواقع متقدمة داخل الجماعة، ما أتاح له الاطلاع على تفاصيل تتعلق بالبنية التنظيمية، والخلافات الداخلية، وآليات اتخاذ القرار، والعلاقة بين الأجيال المختلفة داخل التنظيم. ويعتمد الخرباوي في عرضه على وثائق ورسائل وشهادات وأحداث محددة يمنحها طابعًا توثيقيًا، محاولًا من خلالها الكشف عن تناقضات داخلية تتعلق بالصراع على القيادة، والانشقاقات، وأزمات الديمقراطية الداخلية.
ومع ذلك، يظل "سر المعبد" كتابًا جدليًا بامتياز؛ فقيمته الأساسية تكمن في شهادته التفصيلية عن العالم الداخلي للجماعة، لكنه في الوقت نفسه نص يحمل موقفًا سياسيًا وفكريًا واضحًا ضد الإخوان المسلمين. لذلك تبدو أهميته الحقيقية في كونه مادة ثرية لفهم آليات التنظيم وخطابه الداخلي، شريطة قراءته قراءة نقدية وموازنته بمصادر أخرى من داخل الجماعة وخارجها، حتى لا تتحول الشهادة الشخصية إلى حقيقة مطلقة غير قابلة للمراجعة.
|