|
القاهرة 18 مايو 2026 الساعة 11:25 ص

متابعة: سماح ممدوح حسن
أكدت الناقدة هدى أبو زيد، خلال مشاركتها في احتفالية صالون الدستور الثقافي بالروائي أشرف العشماوي، أن مشروعه الروائي نجح في تحقيق معادلة نادرة تجمع بين جذب القارئ العادي والقارئ المتخصص في آن واحد. موضحة أن أعماله تسمح بقراءات متعددة ومتنوعة، فهناك من ينجذب للحكاية البسيطة والمشوقة، بينما يجد النقاد والباحثون داخل النصوص مستويات أعمق من التأويل والتحليل، وهو ما انعكس، بحسب قولها ، في كثرة رسائل الماجستير والدكتوراه التي تناولت أعماله.
وأشارت إلى أن من أبرز خصائص كتابة العشماوي «المشهدية»، إذ تبدو الروايات وكأنها تتحرك بصريًا أمام القارئ، فضلًا عن مهارته في بناء الاستهلالات والبدايات والإيقاع السردي المتماسك، مؤكدة أن بعض الفصول لديه تحمل من الأحداث والتفاصيل ما يمكن أن يشكل روايات كاملة لدى كتاب آخرين.
وأضافت أن العشماوي استطاع تطوير القالب الروائي الكلاسيكي دون أن يفقد القارئ العادي قدرته على التفاعل مع النص، إلى جانب براعته في توظيف تعددية الأصوات داخل أعماله.
وتوقفت أبو زيد عند «المكان» بوصفه أحد الأبطال الرئيسيين في عالم العشماوي، موضحة أن الأمكنة في رواياته لا تؤدي دور الخلفية فقط، بل تتحول إلى عنصر حي يؤثر في الشخصيات ويتأثر بها.
واستشهدت برواية «البارمان»، حيث يعكس البار رغم وجوده في منطقة راقية، التناقض بين المظهر الخارجي والحقيقة الداخلية لشخصياته، ليصبح المكان نفسه كاشفًا لزيف العالم المحيط.
كما تناولت رواية «صالة أورفانلي»، مشيرة إلى أن الصالة تتحول من مجرد مكان للمزادات إلى فضاء يكشف ضعف الإنسان وتحوله إلى سلعة معروضة.
أما في «سيدة الزمالك»، فرأت أن الحي العريق بدا شاهدًا على التحولات الاجتماعية والسياسية التي غيّرت ملامح المجتمع المصري، من زمن الفيلات القديمة إلى العمارات الحديثة، فضلًا عن رمزية «البدروم» الممتلئ بالكراكيب بوصفه صورة لتحولات المجتمع نفسه.
وتطرقت كذلك إلى رواية «تذكرة وحيدة إلى القاهرة»، معتبرة أن انتقال البطل بين النوبة والإسكندرية والقاهرة وجنيف لم يكن مجرد انتقال جغرافي، بل تعبيرًا عن فقدان الاستقرار وتآكل الهوية الإنسانية مع كل محطة جديدة. كما رأت أن رواية «بيت القبطية» جعلت المكان معادلًا رمزيًا للفتنة الطائفية.
وفي حديثها عن رواية «كابينة لا ترى البحر»، أكدت أن المكان يمارس نوعًا من الاختناق المستمر على الشخصيات، بدءًا من غرفة الجد الضيقة وحتى الكابينة التي لا ترى البحر رغم وجودها في الساحل، بما يجعل المكان نفسه أداة للقهر النفسي والإنساني.
* أدب أشرف العشماوي يطرح أسئلة كبرى عن الإنسان والمصير
من جانبه، تحدث الكاتب والناقد أشرف الصباغ عن مفهوم «الكتابة الكبرى» في أعمال العشماوي، مؤكدًا أن مشروعه الروائي يطرح أسئلة إنسانية وفكرية عميقة تتجاوز القراءة التقليدية للأدب.
وقال الصباغ إن أعمال العشماوي تثير أسئلة تتعلق بمنظومة القيم والعدسات التي نقرأ من خلالها الأدب، سواء كانت أخلاقية أو جمالية أو اجتماعية، معتبرًا أن الانشغال المستمر بالبحث عن «البطل الأخلاقي» قد يعيق فهم الأدب الحقيقي.
وأضاف أن الأدب الكبير لا يُختزل في تصنيفات أخلاقية من نوع «خادش» أو «غير خادش»، ولا يقوم على إصدار الأحكام أو تقديم المواعظ، بل على قدرة الكاتب في بناء عالم إنساني معقد ومتعدد التناقضات، مشددًا على أن السؤال الأهم ليس «ماذا كتب الكاتب؟» بل «كيف كتب؟»
وانتقد الصباغ الحالة النقدية الراهنة في مصر، معتبرًا أنها وصلت أحيانًا إلى تفريغ العمل الأدبي من جوهره الإنساني، عبر تجاهل الأسئلة الكبرى المتعلقة بالمصير الإنساني والهموم المشتركة.
وأشار إلى أن عالم العشماوي الروائي يتحرك دائمًا على خلفيات تاريخية واجتماعية واقتصادية واسعة، لكنه لا ينغلق داخلها، بل يجعلها مساحة لطرح سؤال أساسي حول ما يحدث للإنسان وسط كل هذه التحولات.
وأكد أن شخصيات العشماوي تبدو شديدة الإنسانية بما تحمله من تناقضات وضعف وأزمات، دون أن يسعى الكاتب إلى إدانتها أو منحها أحكامًا جاهزة، وهو ما يمنح القارئ فرصة لفهم نفسه عبر هذه الشخصيات.
ورأى الصباغ أن رواية «كابينة لا ترى البحر» تمثل واحدة من أهم أعمال العشماوي، لأنها تضع القارئ أمام شخصيات تشبهنا جميعًا بأزماتها وتناقضاتها، معتبرًا أن هذا العمق الإنساني هو ما يجعل كتابته تنتمي إلى «العيار الثقيل» من الأدب.
وفي ختام كلمته، أشار الصباغ إلى أهمية الجوائز التي حصل عليها العشماوي، مؤكدًا أن نجاحه في الجمع بين القيمة الأدبية والانتشار الجماهيري، وتصدره قوائم الأكثر مبيعًا لسنوات، يعكس قوة مشروعه الروائي وقدرته على الوصول إلى جمهور واسع دون التفريط في عمقه الفني والفكري.

|