|
القاهرة 17 مايو 2026 الساعة 11:44 ص

كتبت: نضال ممدوح
* محمد الباز: الفساد الثقافي في مصر أخطر من السياسي.. وبعض الجوائز تروج لروايات بلا قيمة
بحضور الكاتبة الإعلامية الكبيرة، فريدة الشوباشي، شهدت دار بتانة للنشر، أمسية ثقافية لمناقشة وتوقيع أحدث إبداعات الكاتب الصحفي، الإعلامي الدكتور محمد الباز، رئيس مجلسي إدارة وتحرير جريدة الدستور، رواية “المهلكة” في ثاني تجربة سردية روائية له.
وقد شارك في مناقشة الندوة كلا من، الناقد الدكتور هيثم الحاج علي، والدكتور يسري عبد الله.
* محمد الباز: الفساد الثقافي في مصر أخطر من السياسي.. وبعض الجوائز تروج لروايات بلا قيمة
وحول تجربة الكتابة الروائية، أشار “الباز” في مستهل حديثه عن الرواية مشيرا إلي أنه بدأ في كتابتها كمقال صحفي ثم فيما بعد تطور إلى رواية المهلكة.
وعرج خلال الأمسية إلي الحديث عن الجوائز الأدبية لافتا إلي:"في الحقيقة فكرة الجوائز لا تشغلني. ولا يشغلني أن أُضع ضمن قائمة الروائيين، أو أن أصنف ككاتب روائي. فكل ما يهمّني أن يكون هناك جزء في مشروعي الكتابي روائي أو أدبي.
لكن هناك جزئية تكشف عن العقل النمطي للمتلقي في مصر؛ أنه عندما تعرض عليه رواية فهو يبدأ أن يعلق عليها بعبارات كلاشية. كأن يقول لك النص واللغة وبناء الشخصية.. وهكذا، ثم يقول لك أن الحوار في الرواية لا توجد به القدرة على التعبير عن بعض الأجزاء، وعندما يعلم أنك صحفي فيقول أشعر أن اللغة صحفية أكثر مما ينبغي.
فمثلًا عندما أقرأ روايات إحسان عبد القدوس وهو صحفي بالأساس، وعندما كان قديمًا يرى أن توزيعات روز اليوسف ليست كما هو متوقع، فيبدأ يكتب رواية ينشر فيها الفصل الأول مثلًا وبينما هو لا يعرف كيف سيكملها فيما بعد. وأعتبر أن عبد القدوس الصحفي الوحيد الذي كتب رواية، وأيضا الروائي فتحي غانم.
كما أوضح “الباز” أن هناك العديد من الصحفيين الذين كتبوا الرواية، وبعضهم تحولت أعماله إلى نصوص سينمائية أو أعمال درامية، ما أقصده هنا أن الصحفيين الذين كتبوا الروايه كثيرين.
ثم تطرق “الباز” إلي المشهد الثقافي الراهن، قائلا: "هناك ظاهرة في الوسط الأدبي، وهي أن المثقفين يستبيحون الحديث عن الفساد السياسي، والفساد الديني، والفساد الثقافي. ورغم ذلك فأن الفساد الثقافي في مصر أكثر من الفساد السياسي، وربما يكون الفساد الثقافي هو السبب.
حتى أنه حاليًا خرج علينا نقاد وكتاب وأسماء غريبة غير الجيل القديم الذين يمتلكون أدواتهم سواء اختلفنا أو اتفقنا معهم وذلك بسبب أننا لا نفسح المجال لبعضنا بعضًا، فعلي سبيل المثال أحيانًا ما أشعر أن الجوائز العربية تمنح لأعمال مصرية بلا قيمة حتى تصدر الصورة أن هذا هو الأدب المصري.
تمامًا كما أن يبرز البعض النوع الجديد من الموسيقى المسمى بالمهرجانات، وهو نوع من أنواع الموسيقى، فيأتي البعض ويبرزون هذه الموسيقى ويقولون أن هذا هو الفن المصري. وعلى هذه الطريقة يعطون الجوائز لبعض الروايات التي ليست لها قيمة ليقولوا أن هذا هو الأدب والثقافة المصرية، بينما نحن نقرأ هنا تلك الروايات التي حصلت على الجوائز ونعرف أنها بلا قيمة.
وللأسف هناك بعض الناس يعتبرون أن الرواية طالما فازت بجائزة إذاً فهي رواية جيدة، ويهاجمون وينتقدون من يقول عكس ذلك.
* الحاج علي: "المهلكة".. رواية أصوات متعددة
ومن جانبه توقف الناقد د. هيثم الحاج علي أمام البنية السردية الخاصة التي شيدها الكاتب محمد الباز، معتبرًا أن الرواية تقوم على "بنية حلزونية" تدور حول مركز حدثي واحد، حيث يتحرك السرد في دوائر متصاعدة تجعل القارئ نفسه يدور حول هذا المركز، لا بوصفه متلقيًا خارجيًا، بل كجزء من التجربة السردية ذاتها.
وأوضح أن الرواية نجحت في خلق بناء متعدد الأصوات، إذ تتحدث كل شخصية من زاويتها الخاصة، حاملة رؤيتها للعالم وموقفها من الحدث المركزي.
ومن خلال هذا التعدد، تتكشف المآلات المأساوية للشخصيات، سواء بالموت أو باكتشاف الحقيقة، وهي نهايات رأى أنها جاءت منطقية ومتسقة مع المسار النفسي والفكري لكل شخصية.
وأشار إلى أن شخصيات الرواية، على اختلاف خلفياتها الاجتماعية والثقافية، يجمعها خيط واحد يتمثل في "العقل النقدي" والقدرة على مساءلة الواقع وتمييز الحقيقة، مستشهدًا بشخصية الفتاة الصعيدية، وغيرها من النماذج التي حملت وعيًا حادًا بأزماتها الفردية والجماعية.
ورأى أن الرواية تطرح فكرة جوهرية تتعلق بثورة يناير، إذ لا تقدم المشاركين فيها باعتبارهم "ثوريين" بالمعنى الأيديولوجي المنظم، بل "ثائرين" على أوضاع اجتماعية وإنسانية مأزومة، فكل شخصية دفعتها معاناتها الخاصة إلى الاقتراب من مركز الحدث، وهي تدرك بدرجات متفاوتة أنها تسير نحو مصير قاسٍ أو المهلكة، كما يعكس عنوان الرواية نفسه.
وأضاف أن الشخصيات تعرف ما ترفضه أكثر مما تعرف ما تريده، وهو ما يمنح العمل بعدًا تأمليًا في طبيعة الحركات الاحتجاجية الكبرى، وكيف يمكن أن يجتمع المختلفون حول لحظة تاريخية واحدة، بينما يحمل كل منهم دوافعه الخاصة ورؤيته الفردية للواقع.
وتوقف “الحاج علي” عند معالجة الشخصيات داخل الرواية، مشيرًا إلى أن لكل شخصية "لغتها" وصوتها المستقل، وهو ما منح النص حيوية واضحة، فكل فصل يكشف الدوافع الشخصية والواقع الذي تحاول الشخصية الهروب منه أو تغييره، وكيف انجذبت إلى مركز الثورة، ثم كيف جرى استهلاكها تدريجيًا حتى الوصول إلى النهاية.
وأكد أن هذا التنوع بين شخصيات متعلمة وأخرى بسيطة، وبين من يسعى إلى الهروب من واقعه ومن يحاول بناء واقع جديد، منح الرواية مساحة واسعة لرصد التناقضات الاجتماعية والإنسانية التي صاحبت تلك المرحلة.
واختتم حديثه بالتأكيد أن روايات محمد الباز لا تكتفي بتقديم الحدث في صورته المباشرة، بل تسعى دائمًا إلى كشف ما وراءه، عبر قراءة واقعية وإنسانية عميقة.
من هنا تأتي أهمية "المهلكة" باعتبارها رواية تطرح إشكاليات التاريخ والذاكرة ورؤية الأفراد للحدث الواحد، إذ تجمع داخلها زوايا نظر متعددة لثورة اجتمع حولها الجميع، لكن كلًّا منهم رآها بطريقته الخاصة.
تبقى الإشارة إلى الاحتفاء بتجربة الباز السردية، تجلي في حضور حاشد للعديد من الكتاب والمثقفين، من بينهم، الكاتبة الروائية سعاد سليمان، الكاتب الناشر عاطف عبيد، الباحث في الشئون الإيرانية د. أحمد لاشين، الكاتب أكرم القصاص، الكاتبة صفاء النجار، الشاعر د. مسعود شومان وغيرهم العديد.







|