|
القاهرة 21 أبريل 2026 الساعة 12:28 م

بقلم: د. هويدا صالح
ثمة روايات تقرأها فتظن أنك تقرأ عن شخص آخر، وثمة روايات تقرأها فتكتشف أنك كنت تقرأ عن نفسك طوال الوقت دون أن تدري. ربما يمكن أن نقول ذلك عن رواية "ملمس الضوء" للكاتبة نادية النجار. فرغم أن بطلة الرواية فاقدة للبصر، لكنني أتصور أن الرواية ليست عن العمى، بقدر ما هي عن البصيرة التي يمكن أن نرى بها العالم لو فقدنا البصر. رواية عن المرأة التي تعيش في مجتمع قرر لها كيف ترى العالم قبل أن تفتح عينيها، فجاءت شخصية نورة "العمياء" لتقول بهدوء مُحسوب: ماذا لو أن من لا يرى بعيون الثقافة السائدة، يرى أكثر منها بكثير؟
أكثر المشاهد إيلامًا وعمقًا في الرواية هو اللحظة التي تُحمّل فيها نورة تطبيقًا مُصمَّمًا للمكفوفين كي تصف لها ما تراه الكاميرا. تُصوّر غرفتها، فيخبرها البرنامج أنها في الصورة مستلقية، ومن حولها مخدات بيضاء، ثم يواصل وصف كل ما يراه البرنامج في المشهد. تخيل معي امرأة كفيفة تستعين ببرنامج من صنع الذكاء الاصطناعي يصف لها ما يحيط بها، تحتاجه لترى نفسها. لا تثق بحواسها لتعرف كيف تبدو من الخارج. تحتاج إلى وسيط تقني، بارد وحيادي، يصف لها ما تشغل من مساحة في العالم. هل هذه فقط قصة امرأة كفيفة؟ أم أنها قصة كل امرأة تعلّمت أن ترى نفسها من عيون الآخرين، حتى نسيت أن لها عيونًا تخصها؟
ما يجعل "ملمس الضوء" رواية جديرة بالقراءة والنقاش هو أنها لا تختار موقفًا واحدًا وتتمسك به. بل تُقدّم ثلاثة أنماط من النساء تعيش في داخلها وحولها، وتترك للقارئ مهمة أن يرى نفسه في إحداهن أو فيهن جميعًا.
النمط الأول هو المرأة التي قبلت. الأم، الجدة، الصمت الغامض الذي يرافق الحياة كما تُرسم من بعيد. الأم في الرواية ليست شخصية بقدر ما هي ظل، وجودها ملتصق بوجود الأب غائبًا كان أم حاضرًا. والجدة تتحرك داخل المساحات المسموح بها، تُعيد إنتاج الذاكرة الجماعية بلا سؤال، وتمثل القبول الرضي الذي يريحنا ويُقلقنا في الوقت ذاته..
النمط الثاني هو نورة نفسها، وهو النمط المهيمن على الرواية كلها. امرأة تقف على الحدود. لا ترفض تمامًا ولا تقبل تمامًا. تتكئ على "سيف" قريبها ليترجم لها الصور، لكنها في الوقت نفسه تقول بهدوء إنها تُحدد المسافات بالصوت والرائحة. لا تنكر حاجتها للآخر، لكنها لا تتنازل عن حواسها الخاصة. تكتب لأنها وجدت في الكتابة ما لم تجده في أي مكان آخر: مساحة تخصها وحدها، لا يستطيع أحد أن يُترجمها نيابة عنها.
النمط الثالث هو إيفلين، العاملة المنزلية الفلبينية، وهي أكثر شخصيات الرواية جرأة وحضورًا رغم هامشيتها الظاهرة. إيفلين لا تُداري ولا تصمت. تسمي الأشياء بأسمائها، وتسأل ما لا يُسأل، وتأبى أن تكون جزءًا من الديكور. واختيار الكاتبة أن تضع الصوت الأكثر حرية على لسان المرأة الأكثر تهميشًا ليس صدفة، بل هو أذكى قرار فني في الرواية كلها. كأنها تقول: كلما كان الإنسان أقل ما يخسره، كان أكثر قدرة على قول الحقيقة.
يتكرر في الرواية سؤال واحد بأشكال مختلفة: ما الذي يمكن أن نراه وراء الصورة؟
نورة لا تريد أن ترى الصورة فحسب، بل تريد أن تعرف ما خلفها. من هم هؤلاء الناس؟ ما قصتهم؟ ما الذي لا تقوله الصورة؟
وهذا بالضبط هو جوهر التمرد في الرواية. ليس تمردًا صاخبًا يكسر الأثاث ويرفع الأصوات، بل تمردا هادئا معرفيًّا يرفض الاكتفاء بالسطح. المجتمعات المُحكمة تطلب منك أن تقبل الصورة كما هي، أن ترى ما يُراد لك أن تره فحسب. ونورة، بعماها الذي جعلها تبني عالمها من الداخل لا من الخارج، تُعيد طرح السؤال باستمرار: ماذا يوجد خلف ما رأيت؟
من أكثر المقاطع دلالة في الرواية تلك اللحظة الصباحية حين تنزل نورة قدميها من السرير وتمشي نحو الحمام. ثلاث خطوات يسارًا، عشر يمينًا، تكبس زر الإنارة عادةً لا تفهمها، ثم تدخل. جسدها يُطيع قبل أن تُسأل. قدماها تعرفان الطريق دون أن يأمر العقل. وهذا الطقس اليومي الصامت يُلخّص شيئًا عميقًا: كثير مما نفعله كنساء ورجال في هذه المجتمعات هو طاعة مُبرمجة مسبقًا، نؤديها لأننا تعلمناها حتى صارت جزءًا من خطواتنا، لا نسأل عنها لأننا نسينا أننا كنا يومًا لا نعرفها.
ما يُميّز "ملمس الضوء " عن كثير من الروايات التي تتناول قضايا المرأة هو أنها لا تطلب منك أن تختار فريقًا. لا تقول لك هذه امرأة مظلومة يجب أن تثور، ولا تقول لك هذه امرأة راضية يجب أن تقتدي بها.تقول لك: هذه امرأة، وهذا هو العالم الذي تعيشه، والتأرجح بينهما ليس ضعفًا في شخصيتها بل هو الشخصية نفسها. نورة تتمرد تمردًا متأرجحا لا هي بالثائرة تماما، ولا هي بالصامتة التابعة للثقافة الذكورية التي تقصي النساء، وتختصرهن في صور نمطية، ولا تترك لهن مساحات كبيرة للتمرد..
بُنيت الرواية بأسلوب هندسي دقيق ومنظم يتوافق مع الحالة الجسدية والنفسية للبطلة. فقد قسمت نادية النجار عملها إلى أربعة أبواب رئيسية تحمل أسماء الحواس الأربع المتبقية لدى نورة: (باب الصوت، باب الرائحة، باب المذاق، وباب اللمس).
. من خلال هذا التقسيم، يعيش القارئ تجربة "العمى" بشكل غير مسبوق؛ حيث تصف الكاتبة تنقلات نورة وحركاتها اليومية بدقة بالغة، وتحول الأشياء العادية إلى تجارب حسية مكثفة. هنا يصبح الضوء ليس مجرد موجة فيزيائية تُرى بالعين، بل كياناً يُمكن استشعار ملمسه وإدراك أثره، ومن هنا جاء العنوان المبتكر "ملمس الضوء".
في النهاية، ملمس الضوء رواية تفعل ما لا تفعله كثير من الروايات: تجعلك تُشكّك في ما ظننت أنك تعرف كيف تراه. نورة العمياء التي تبني عالمها من الداخل بالصوت والرائحة واللمس والكتابة، تُقدّم نموذجًا للوعي الذي لم يكتمل بعد، لكنه يبحث. لا تعرف كيف تنظر إلى نفسها دون وسيط، لكنها على الأقل تعرف أنها تحتاج أن تتعلم.
وربما هذا هو أصدق وصف للحظة التي تعيشها المرأة العربية اليوم في كثير من تجلياتها: وعي لم يكتمل، لكنه لم يستسلم. وعي يمشي في الظلام، لكنه يعرف اتجاه النور..
|