|
القاهرة 14 أبريل 2026 الساعة 11:30 ص

بقلم: د. هويدا صالح
قبل أيام من رحيلها، وتحديدا يوم 23 مارس في حوالي السابعة مساء كتبت بسنت سليمان على صفحتها الشخصية منشورا يشير إلى ما سيحدث أو ما ستقوم به، كان المنشور بعنوان "خمس علامات إن الست دي مش راجعة… أبدًا".
قبل أيام من أن تفتح بسنت حسن الكاميرا في لحظتها الأخيرة، كتبت على صفحتها:
"الست بتمشي لما تفوق."
لم تكن تكتب عن امرأة أخرى. كانت تكتب عن نفسها. كانت تكتب وداعًا بلغة لم يفهمها أحد، أو ربما لم يحاول أحد أن يفهمها.
هذا هو ما يجعل قصة بسنت سليمان مختلفة عن كل ما سبقها. لم تكن امرأة صامتة غامضة لا نعرف عنها شيئًا. كانت تكتب. كانت تقول. كانت تضع كل ما بداخلها في كلمات واضحة، مُرتّبة، موجعة. وكان الناس يقرأون، ويضغطون إعجابًا، أو حتى يكتبون تعليقا مجاملا عن روعة ما خطته أناملها، ثم يمضون..
كتبت بسنت عن علامات المرأة التي لن تعود. كتبت عن الصمت الذي وراءه قرار، لا الصمت المنتظر ردًّا. كتبت عن اللحظة التي تتوقف فيها المرأة عن الشرح والتبرير وإعادة الكلام ألف مرة، لأنها أدركت أخيرًا أن صوتها لم يكن مسموعًا يومًا. كتبت:
"ولما الأمل يموت، ولا اعتذار، ولا وعود، ولا دموع متأخرة ترجّعه."
كانت تصف نفسها. كانت تُخبرنا أن الأمل مات. وقرأنا ومضينا.
هذا ما يجعل الألم مضاعفًا. لم تكن بسنت تحتاج إلى من يكشف ما بداخلها، لأنها هي من كشفته بنفسها، بكلمات لو أن أحدًا توقف عندها لحظة واحدة، لعلم أن صاحبتها تقف على حافة شيء لا رجعة منه
لو دخلتَ صفحتها قبل أيام قليلة، لما صدّقت ما حدث.
ستجد امرأة تبتسم. حيوية، نشيطة، تتحدث بثقة ودفء، كأنها تمسك بيدك وتقول لك:
"الحياة تستحق، وأنت تستطيع".
لكنها في الوقت ذاته كانت تكتب عن المرأة التي انطفأ أملها. عن المرأة التي أدركت أن المكان الذي تعيش فيه "مش آمن، ولا صالح، ولا يستاهل عمرها."
الصفحة كانت تقول: أنا بخير. والكلمات كانت تقول: أنا لستُ بخير.
وكلانا، أنت وأنا، اخترنا أن نصدّق الصفحة. ولا نحلل ما وراء الكلمات من معاني..
وهذا هو الجرح الأعمق في كل هذه القصة.
بسنت لم تكن ضحية جاهلة لا تعرف ما يحدث لها. كانت واعية، ومُعبّرة، وتفهم بدقة شديدة كل مرحلة مما تمر به. كتبت عن الصمت الذي وراءه نهاية. كتبت عن انطفاء الأمل. كتبت عن المرأة التي تخلص من علاقتها من الداخل قبل أن تغادر من الخارج. كانت تعرف. وكانت تقول. وكانت تنتظر، ربما، أن يقرأها أحد بعيون مختلفة..
لكن الوعي وحده لا يكفي حين لا يجد يدًا تمتد. وأحيانًا تكون المعرفة نفسها عذابًا، حين ترى ما يحدث لك بوضوح تام وتعجز عن إيقافه لأن من حولك لا يرون ما تراه.
تركت بسنت خلفها بنات صغيرات. وجدن أنفسهن فجأة بلا أم وبلا عائل. والأشد قسوة أن الأسرة رفضت تسلّمهن. رفضت. .
كأن المأساة لم تكتمل بالرحيل، فأُكملت بتشريد من بقين. هؤلاء الصغيرات لم يخترن شيئًا من كل هذا. وُجدن فجأة في منتصف عالم لم يرحم أمهن، ويبدو أنه لن يرحمهن هن أيضًا.
هذا هو الثمن الحقيقي للصمت. لا يدفعه فقط من يرحل، بل يدفعه من يبقى صغيرًا جدًا ليفهم ما جرى. بسنت كتبت وداعها على الملأ، ولم يتوقف أحد. .
نحن نتابع، نقرأ، نُعجب، نمضي. نستهلك المحتوى دون أن نرى الإنسان خلفه. نضغط قلبًا أحمر على منشور يصف الألم ونظن أننا فعلنا شيئًا.
المرأة التي تعلّم الناس كيف يحبون حياتهم، كانت تكره كل لحظة من لحظاتها. والناس كانوا يتابعون ويستلهمون ويمضون دون أن يسأل أحدهم::
"كيف حالكِ أنتِ؟"
هذا هو القتل الناعم الذي لا يتركه أحد في سجلات الجرائم.
في لحظتها الأخيرة، اختارت بسنت أن تفتح الكاميرا مجددًا. لكن هذه المرة ليس لتُلهم أحدًا، بل لتقول بما لا يقبل التأويل:
"هذا ما وصلتُ إليه. انظروا."
الشاشة التي كانت تُظهر للعالم امرأة سعيدة، هي نفسها الشاشة التي كشفت في النهاية عن حجم ما كان مخفيًا وراءها:
كتبت ذات يوم: "الست ما بتمشيش فجأة. الست بتمشي بعد ما تخلص منك من جواها."
هي خلصت من الداخل منذ زمن. وحين خلصت من الخارج أيضًا، لم يكن ثمة أحد يمسك بيدها.
في المرة القادمة التي تقرأ فيها منشورًا يتحدث عن الألم بلغة جميلة، توقف لحظة.
لا تضغط إعجابًا فقط..
اسأل. قد يكون هذا السؤال هو الفرق الوحيد بين أن يكمل أحدهم يومه، وبين أن يفتح الكاميرا لآخر مرة.
إذا كنت تمر بضائقة نفسية، تحدث إلى شخص تثق به. طلب المساعدة ليس ضعفًا. أنت لستَ وحدك.
|