|
القاهرة 10 أبريل 2026 الساعة 01:17 م

بقلم: دوينا روستي
ترجمة: د. هويدا صالح
كانت البداية وراء كنيسة القديس "سافا" حيث تتمدد هناك أرضٌ مهجورة مليئة بالأعشاب البرية الضارة، وفي المقبرة القديمة تتناثر هنا وهناك بعض الصلبان الحجرية الشامخة في صمت، كشواهد على قبور طال نسيانها.
وتحت شجيرة التوت البري، بدأت حياةٌ لا تعرف الفناء، حياة إيلينا، زوجة صانع القبعات.
لم يكن قد مضى على زواجها سوى أشهرٍ معدودة،. كانت تجوب المدينة كل يوم من أدناها إلى أقصاها دون كلل أو ملل. ستخط هذه المرأة بأفعالها يوماً ما خريطةً للمتع النادرة. زوجها صانع قبعاتٍ يُشار إليه بالبنان، مسكوناً بحرفته حدَّ الهوس، حتى أنه يصنع كل قبعةٍ بكل روحه. كان يصنع قبعاته بإتقان يجعهلها جديرة بأن تعلّق في متحف. كانت قبعاته الكروية الشكل من القماش الثقيل، بألوانٍ تبهر العين وتُثير الخيال، لكنه كان يعمل أيضاً بالجلد المصبوغ بإتقان، والحرير الفاخر، وحتى القنّب الخشن الذي كان يُليّنه، ثم يضفره بخيطٍ واحد من الحرير، فيتحوّل بين يديه إلى قبعة ناعمة كالحلم. القالب الخشبي الذي يشبه البالون المنتفخ، يشدّ عليه أي قماشٍ فيستقيم، ويكتمل، كأنه وجِد هكذا منذ الأزل.
حين كان زوجها ينتهي من قبعاته الفاخرة تُحمّلها إلينا في عربتها، وتنطلق بها إلى الزبائن في أرجاء المدينة، تجمع الأثمان بنشوةٍ لا تخفيها، بل لا تتكلّف عناء إخفاءها. تنتشي حين تتلمس أصابعها بريق العملات الفضية، وإن كانت تقبل أيضاً التالِرات( ) أو حتى العملات النحاسية البالية المتآكلة من كثرة ما تناقلتها الأيدي. كلُّ المال عندها مالٌ طيّب، تُرتِّبه بعناية صائغ حريص، وتُصنِّفه حسب قيمته في أكياسٍ من القطن أو الجلد، أو تدسه مباشرةً في جيوب تنّورتها العميقة، أو تُخبِّئه في ثنايا صدريّتها، حيث لا يصل إليه أحد.
غير أن هذه الحياة البهيّة المُحكمة كان يسري فيها شرخٌ خفيّ.
في يومٍ من الأيام، كان على إيلينا أن تُوصِل طلبيةً إلى معلّم مدرسةٍ في حي القديس "سافا". ولتقصير المسافة، أوقفت العربة بمحاذاة الكنيسة، وانطلقت تشقّ أعشاب البرية الموحشة وهي تجر سلة ترقد في قاعها قبعةً واحدة فارهة. وبطريقةٍ ما، تحت شمس يومٍ مترعة بالعطور والإغراءات، وربما بلمسةٍ خفيّة من إصبع جنيّة ماكرةـ وجدت إيلينا نفسها فجأةً وجهاً لوجه أمام رجل.
كان الرجل يرتدي ثيابا حريرية فاخرة. بدا كمن هبط توًا من السماء، وكأنه أراد أن يؤكد هذا الانطباع فراح يتكلّم بلغةٍ غامضة لا تشبه شيئاً سمعته إيلينا من قبل. وقفت في مكانها لا تتحرك، عيناها مسمّرتان على شفتي الغريب وهما تشكّلان مقاطع لا تعرف لها معنى. ثم أخرج الرجل دفتراً وأخذ يرسم. كانت خصلات شعره المربوطة خلف رأسه قد انزلقت وراء أذنه، وكانت عيناه تتوهّجان من تحت ظلّ طربوشٍ مائلٍ قليلاً. و كأن طربوشه لا يأبه بأن يقف معتدلاً.
بقيت إيلينا صامتة ومتسمّرة في مكانها، لكن حين أشار إليها الرجل بيده أقبلت نحوه دون أدنى تردد. وعلى اللوحة البيضاء كان قد رسم صورتها كما كانت تقف تماما، يدٌ واحدة مستندةٌ على السلّة. كان المشهد يبدو أسطوريا، لا ينتمي إلى عالم الحقيقة. الخطميّات الوردية العالية، والشوكران السَّام، والأدغال المحيطة من كل جانب، كلّها جعلت من تلك اللحظة جزيرةً معزولةً عن سياق الحياة العادية، كأن الزمن نفسه أسدل ستارةً حول ذلك المكان واحتفظ به لنفسه.
ما تلا ذلك جاء عفويّاً، بل كان أقرب إلى الطقس الروحاني منه إلى أي شيءٍ آخر: لقاءٌ خاطفٌ متّحدٌ تحت أغصان التوت البري. انكسرت بعض سيقان الخطميّ، وتدحرج طربوش الرجل نحو السياج، ارتبكت إيلينا، من مشبك شعرها حتى شرابة حذائها.
حين خطت إيلينا خارج ساحة الكنيسة، كانت قد صارت كائناً آخر، وكان ذلك الحدث قد ارتفع بالفعل إلى السماء، ليستقرّ بين الأفعال التي لا تعرف الموت.
بعد أيامٍ قليلة، توقفت إيلينا لتشتري بعض الخيوط من بائعٍ متجوّل. أخبرها الرجل أن لديه مزيداً من البضاعة في نزل "خيريتسا" حيث يقيم، فعرضت إيلينا أن ترافقه. ارتبك البائع وتلعثم، غير أنه فكّر أنه ليس من حقّه أن يحكم عليها.
كانت الغرفة في النُزل كعينٍ ترتجف تحت جفنٍ رقيق. ومن خلال خصاص النوافذ كانت تُرَى قمم أشجار الزيزفون، وعلى السرير كانت الظلال تتحرك ببطء وكأنها كائناتٍ خفيّة تتسكّع بكسلٍ. ما بدأ كمهمّةٍ عادية بسيطة انقلب إلى عناقٍ مباغت لم يستأذن أحداً. وتناثرت تنانير إيلينا الكثيرة على أرض الغرفة، وانتهى المطاف بسراويل الرجل على حافة النافذة.
ما عاشته إيلينا في تلك الظهيرة لا يشبه أي لحظة عرفتها من قبل. كأنها لحظة أسطورية تحت ظل "فاون"( ) الغامض. وخلال ساعة ذاب بائع الإبر والخيوط في روحها، كما يذوب اللبن والعسل. متسربا ببطءٍ تحت جلدها، نافذا في صمت إلى أقاليم جسدها المتوهج.
في اليوم التالي، انتابت إيلينا نوبةٌ من الذعر والهلع، بدأت تطرح على نفسها أسئلة عن الواجب والذنب. وفي تلك الحال الملتبسة دخلت زقاق الحلّاقين لتوصيل بعض القبعات. وبعد أن أنجزت مهمّتها وعادت تمشي نحو العربة المنتظرة في آخر الزقاق، لاحظت أن أحدهم يرقبها: رجلٌ نحيل بعينين جاحظتين، متّكئٌ على الجدار كأنه لم يكن ينتظر شيئاً سوى هذه اللحظة.
حاولت أن تتجاهله. انتبهت على نغمة خافتة تنساب من شفتيه، تكاد أن تكون همسا، كأنما صفير الريح. التفتت إليه من جديد، فرأته يمسك بعصا ذات رأس فضي. أشار لها أن تقترب.
لم ينطق بكلمة. كان واضحا أنه صعلوك متشرد. ومع ذلك تسمّرت قدماها كأنما ربطتا بخيط.
بخطوات صغيرة، قد تبدو مترددة لمن يراقب المشهد من بعيد، لكنها في حقيقة الأمر كانت خطوات مشبوبة بالعاطفة.بلغت إيلينا البوابة. كان يتدلى من الشرفة ستار من زهر العسل المتشابك. وفي حديقة البيت كان وقواق يصيح ضجرا، كأنما هو وحده من لاحظ ما جرى.
مكثت ساعاتٍ طويلة في بيت الغريب. كانت الستائر مسدلة، وفي ذلك الضوء الخافت بدا الرجل كأنه مصنوعٌ من دخان التبغ. لاحقاً، في الليالي الكثيرة التي أعقبت تلك الساعات، لم تعد تستطيع أن تستحضر ملامح وجهه. كانت على يقينٍ تام بأن الرجل في بيت زهر العسل قد اختفى إلى غير رجعة، وأخذ معه رغباتها.
ومنذ ذلك اليوم، تغيرت جغرافيا المدينة في نظر إيلينا. فلم تعد ترى كل تلك الحشود المتدفقة من البشر. لم تعد تنتبه إلى تشابك البيوت، وإلى الشوارع التي لا تحصى. لم يعد يهمها سوى ثلاثة أماكن فقط.
التقت بالعديد من الرجال بعد ذلك. لكن أحدا منهم لم ينَل شرف الدخول إلى تلك الخريطة السرية.
في عالم عذب من المتعة والمجون واصلت الحياة نبضها الدافي عند كنيسة القديس"سافا"، وفي نزل " خيريتسا " وزقاق الحلاقين الذي لا يهدأ.

|