|
القاهرة 07 أبريل 2026 الساعة 12:01 م

بقلم د. هويدا صالح
ثمة روايات تقرأها فتشعر أنك لا تقرأ أحداثاً مضت، بل تعيش في قلب أزمنة متشابكة تشبه زمننا إلى حدٍّ يُقلق.. "غيوم فرنسية" للأديبة المصرية ضحى عاصي واحدة من هذه الروايات النادرة التي تجعل التاريخ ينبض مرة أخرى، لا بوصفه سجلاً للوقائع، بل بوصفه مرآةً للإنسان في أشد لحظاته هشاشةً وتعقيداً.
تنطلق أحداث الرواية من رحم الحملة الفرنسية على مصر بين عامَي 1798 و1801، تحديداً من اللحظة التي أدار فيها نابليون ظهره لمصر تاركاً قيادته لكليبر. غير أن ضحى عاصي لا تحكي التاريخ كما يحكيه المؤرخون. فهي لا تعنيها معارك القادة بقدر ما تعنيها أرواح المهمشين الذين طحنتهم رحى تلك الأحداث الكبرى.
في قلب الرواية يقف "فضل الله الزيات"، شاب قبطي يعمل نجاراً في ورشة "أبينا عبد الملك"، يتزوج "محبوبة بنت جرجس غزال" التي أحبته بكل ما تملك. لكن الحملة الفرنسية تفعل في فضل ما تفعله الحروب في كثير من الرجال: تقنعه بأن ثمة قضية أكبر من الحب وأكبر من البيت. فينضم إلى فيلق المعلم يعقوب القبطي الذي درّبه الضابط الفرنسي فابيان، آملاً أن يجد في الفرنسيين حليفاً ضد ظلم المماليك العثمانيين الذي طال أبناء ملّته.
يغادر فضل مصر مع الفرنسيين تاركاً محبوبة وحيدة. ويمضي عشرون عاماً لا يسأل خلالها عنها مرة واحدة، حتى يلقى حتفه متجمداً في نهر تريزينا أثناء الحملة الروسية الكارثية لنابليون. وفي مصر، كانت محبوبة تربّي وحيدةً ابنه الذي لم يعرفه، وأسمته باسمه.
ما يميّز الكاتبة في هذا العمل هو إدراكها العميق لطبيعة الرواية التاريخية في صيغتها الأرقى. فالتاريخ هنا ليس متحفاً نزور معروضاته، بل خلفية حيّة يتشكّل أمامها تاريخ اجتماعي متخيَّل لم يدوّنه أحد. فكتب التاريخ، كما تشير الرواية بصوت أبطالها، ما هي في الغالب إلا سِيَر المنتصرين، أما حيوات المهمشين وأحلامهم ومخاوفهم فتذهب مع الريح دون توثيق.
من هذه الزاوية تلتقي ضحى عاصي بأسلافها الروائيين الكبار، كرضوى عاشور وأمين معلوف ومحمد المنسي قنديل، الذين اتخذوا من التاريخ مادة خام يصهرونها في بوتقة المخيلة لينتجوا حقيقة إنسانية أعمق مما في الوثائق.
من أبرز المزايا الفنية للرواية أن السرد لا يقع على عاتق صوت واحد. فضل الله يسرد أربعة عشر فصلاً، وأبونا عبد الملك ثمانية، ومنصور حنين أربعة، فضلاً عن مصطفى وجين وفرانسواز وغيرهم. أما الراوي العليم فيتدخل في أحد عشر فصلاً. هذا التوزيع لا يُربك القارئ بل يمنحه ما هو أثمن: أن يرى الأحداث ذاتها من عيون مختلفة، فتتسع الصورة ويغدو التاريخ بشرياً متعدد الأوجه لا أحادياً مسطحاً.
وعبر هذا التعدد تقدّم الكاتبة مجتمعاً بكامل تناقضاته: المسلم والقبطي الأرثوذكسي والكاثوليكي، المصري والفرنسي والمملوكي، الثائر على الدين والمتمسك بامتيازاته، المرأة الوفية والرجل الهارب، المثقف الباحث عن معنى واللاهوتي الساعي إلى عدالة.
لعل أكثر ما يبقى في الذاكرة بعد إغلاق الرواية هو شخصية محبوبة. فهي ليست مجرد امرأة تركها زوجها، بل هي الرمز الذي تختاره الكاتبة للتعبير عن وجه مصر الصامد. عانت من وحشية المماليك حتى أذاقوها أشد صنوف التعذيب. وعاشت على صدقات أهل ملّتها بعد وفاة أبيها. لكنها رفضت المغادرة حين عرض عليها ضابط فرنسي اصطحاب ابنها إلى فرنسا على خطى أبيه. فمصر، في نظرها، لا تُترك، مهما كان الثمن.
في مقابل فضل الذي جرفه حلم الخلاص عبر القوة الأجنبية، تجسّد محبوبة خياراً آخر: البقاء والإيمان بأن التحرر الحقيقي لا يأتي إلا من الداخل. وهو ما يلمّح إليه ختام الرواية حين تقرر البقاء في مصر التي باتت تحت حكم محمد علي وبدأت تبني جيشها من أبنائها.
لا يسعنا أن نقرأ "غيوم فرنسية" دون أن نحسّ بثقل حاضرنا فوق صفحاتها. فالرواية تذكّرنا بأن التفرقة الدينية كانت أداةً في يد المتسلطين لإشغال الناس بأعدائهم الوهميين، وبأن الانقسام الداخلي كان دائماً مدخل الغزاة. وهذه الدروس لا تبدو تاريخية منتهية بقدر ما هي صدى يتكرر في عالم اليوم.
في نهاية المطاف، "غيوم فرنسية" رواية تفعل ما يجب أن يفعله الأدب الحقيقي: تجعلك تعيش في زمن آخر وتفهم زمنك أكثر، وتخرج من صفحاتها الأخيرة وأنت تحمل أسئلة لم تكن تحملها حين بدأت. وهذا، في حد ذاته، إنجاز لا يتحقق إلا للروايات الكبيرة.
|