|
القاهرة 31 مارس 2026 الساعة 11:07 ص

بقلم: د. هويدا صالح
على الرغم من انتماء فيلمي "برشامة" و"السادة الأفاضل" إلى فضاء الكوميديا الاجتماعية الساخرة، فإن كلاً منهما يتبنى استراتيجية سردية مغايرة تنمّ عن رؤية مختلفة لطبيعة الحكاية وغايتها.
يرتكز "برشامة" على وحدة الحدث الدرامي؛ إذ يستمد طاقته من موقف بعينه هو موقف امتحان الثانوية، ذلك الاختبار السنوي الذي يتحول في الفيلم إلى استعارة شاملة لحال منظومة اجتماعية تعاني من اختلال عميق في منظومة القيم. تمنح هذه الوحدة الفيلمَ اتساقاً أسلوبياً واضحاً، وتجعل الكوميديا نابعةً بشكل عضوي من صميم تجربة جمهور يعيش هذا الواقع أو يتذكره.
في المقابل، ينفتح "السادة الأفاضل" على بنية درامية أكثر تشعباً وتعقيداً؛ فحادثة وفاة الأب التي تستهل أحداثه ليست إلا مدخلاً لكشف طبقات متراكبة من الأسرار والمصالح المتضاربة داخل منظومة عائلية تبدو متماسكة في ظاهرها بينما تنخرها التناقضات من الداخل. يمنح هذا البناء المتشعب الفيلمَ عمقاً دلالياً أكثر ثراءً، وإن كان يُرهق المشاهد أحياناً بتعدد الخيوط وتزاحم الشخصيات.
يؤدي كل فيلم رهانه السردي بطريقته الخاصة: الأول يروي قصة واحدة ويسبر غورها، والثاني يروي قصصاً متعددة في آنٍ واحد. وكلٌّ منهما يتحمل التبعات الفنية لهذا الاختيار.
الرؤية الإخراجية في كلا الفيلمين:
يُلقي خالد دياب كاميرته في قلب الواقع اليومي للمشاهد، فتنشأ الكوميديا من تلقاء نفسها دون افتعال. تكشف رؤيته الإخراجية عن إيمان راسخ بمبدأ أن المفارقة الكامنة في الواقع اليومي هي المادة الكوميدية الأصدق والأشد تأثيراً، ومن ثَمَّ يُحكم ضغطه الدرامي على شخصيته المحورية حتى تنفجر في مواقف تجمع بذكاء بين الطرافة والمرارة.
أما كريم الشناوي في "السادة الأفاضل" فيخوض تجربته الكوميدية الأولى قادماً من سجل درامي رصين، وهو ما يتجلى في أسلوبه الإخراجي الذي يوازن بحرص بين متطلبات الإضحاك ومقتضيات التشريح الاجتماعي. لا تكتفي الكاميرا هنا بتصوير المواقف الكوميدية، بل تغدو أداةً رقابية تتأمل الشخصيات وتُحلل دوافعها. ويبقى التحدي الإخراجي الأبرز في هذا الفيلم هو ضبط إيقاع عمل يجمع بين خطوط درامية متوازية وجماعة ممثلين غنية بأصوات متباينة، وهو تحدٍّ أدّاه الشناوي بقدر لافت من الكفاءة والانضباط..
الأداء التمثيلي:
يُؤسَّس "برشامة" على نموذج البطولة الفردية، إذ تُبنى الأحداث حول هشام ماجد بطلاً محورياً تتقاطع عنده كل خيوط الفيلم. يعتمد هذا النموذج اعتماداً جوهرياً على مقدرة الممثل في التنقل بين المستويات الكوميدية المتعددة دون أن يفقد مصداقيته الإنسانية، وهو ما يحققه ماجد بموهبة واضحة وتوقيت كوميدي نادر.
في المقابل، يرسّخ "السادة الأفاضل" نموذج البطولة الجماعية التي يُسهم فيها عدد من الممثلين بشخصيات مكتملة الأبعاد، وفي مقدمتهم محمد ممدوح الذي يُقدم أداءً يتجاوز حدود الدور الكوميدي ليبلغ مستوى الاشتباك الحقيقي مع الشخصية. هذا التوزيع يُضفي على الفيلم ثراءً في مستويات الأداء، غير أنه يُفضي أحياناً إلى تفاوت في الحضور الدرامي، حين لا تنال بعض الشخصيات حقها الكافي من العمق والمساحة.
كما يتبنى "برشامة" استراتيجية بصرية قائمة على القرب والتعرف؛ فالأماكن المختارة هي الأماكن الأكثر حضوراً في الذاكرة الجمعية للمشاهد المصري. هذا الاختيار ليس افتقاراً إلى الطموح البصري، بل هو موقف فني مدروس: كلما ضاقت المسافة بين صورة الفيلم وتجربة المشاهد، كانت الكوميديا أشد إيلاماً وأعمق صدى.
أما "السادة الأفاضل" فيشيّد عالماً بصرياً أكثر تنوعاً وثراءً، إذ يغدو البيت الريفي بتفاصيله المعمارية وتراكماته الزمنية شخصيةً درامية قائمة بذاتها. تتضافر الإضاءة والديكور والأزياء في بناء بيئة بصرية تُغذّي الإحساس بعالم يحمل تاريخاً وتناقضات، وهو ما يخدم بدقة طبيعة قصة تتمحور حول الإرث والهوية والأسرار المدفونة.
يمثّل الفيلمان مسارين فنيين متمايزَين لكوميديا اجتماعية مصرية تبلغ في لحظاتها الأكثر نضجاً مستوى النقد الثقافي الحقيقي. "برشامة" يُحكم أدواته ويعمّق مرآته في واقع يعرفه المشاهد حق المعرفة، بينما "السادة الأفاضل" يُعقّد الصورة ويفضح ما يكمن خلف الأقنعة الاجتماعية. وإذا كان المعيار الفني الرفيع يقتضي أن يُضيف الفيلم إلى وعي المشاهد لا أن يُسلّيه فحسب، فإن كلا العملين يؤديان هذا الدور، وإن اختلفت الطريق.
|