|
القاهرة 30 مارس 2026 الساعة 11:11 م

بقلم: د. هويدا صالح
لفت نظري عبارة في اعترافات "علي ونيس" من جماعة"حسم الإرهابية" التي تمّ القبض عليها منذ بومبن من قبل الشرطة المصرية، حيث قال: " هناك لجنة الإعلام والتسريبات وهدفها هو الحصول على معلومات وبيانات العاملين في الدولة، وتأليب الرأي العام من خلال إنشاء عدد من المواقع الصحفية (التي في ظاهرها تكون مؤيدة للدولة".
الأمرُ الأكثرُ إثارةً للقلق في هذا الاعتراف ليس وجود"لجنة تسريبات"، بل تلك الجملة الأخيرة: "في ظاهرها تكون مؤيدةً للدولة". هذا يعني أن الخداع ليس وسيلةً مؤقتة، بل هو جوهر العملية وهويتها الكاملة. فالعدو لا يأتي رافعًا رايته، بل يتقدّم متخفّيًا في ثوب الصديق؛ وهو ما يجعل مواجهته أشدَّ صعوبةً وأكثرَ خطورةً من مواجهة الرصاص.
لا تستهدف الجماعة الإرهابية مباني الدولة، بل من يسكنها، فجمع "معلومات وبيانات العاملين في الدولة" يعني بناء قواعد بيانات بشرية قابلة للاستخدام لاحقًا في التهديد أو الابتزاز أو حتى الاستهداف الجسدي. وهكذا يتحول الموظف العادي، والضابط، والقاضي إلى أهداف محتملة، من دون أن يدروا.
كما يكشف تعبير " تأليب الرأي العام" عن وعيٍ عميق بأن إسقاط الدولة لا يتم بالسلاح وحده، بل عبر تفتيت الثقة الشعبية فيها. فإذا نجحت الجماعة في إقناع المجتمع بأن الدولة ظالمة أو فاسدة أو عاجزة، فقد ربحت نصف المعركة قبل أن تُطلق رصاصة واحدة.
ويكشف هذا المقطع عن جماعةٍ تتبنى ما يمكن تسميته "استراتيجية التآكل من الداخل"، لا تعتمد الهجوم المباشر، بل النخر البطيء في جسد الدولة عبر ثلاثة محاور متوازية: المعلومة، والإعلام، والإنسان..
ومن ثمّ، فإن مواجهتها لا تكتمل إلا بيقظة مزدوجة: أمنية تكشف الخلايا، وإعلامية وفكرية تفضح المنصات الزائفة، وتُحصّن المتلقي من الوقوع في فخ "المؤيد الكاذب".
لم يكن ما جرى مجرد عملية أمنية اعتيادية، بل كان درساً في فن استباق الشر وقطع طريقه قبل أن تطأ قدماه أرض الفعل. فبعد مراقبة صبورة ورصد محكم، اهتدت قوات الأمن الوطني إلى وكرٍ في محافظة الجيزة، كانت تتحرك فيه خليةٌ حاقدة تُعِدّ العدة لسلسلة من العمليات الموجعة.
وحين اقتحمت القوات مكمن العناصر، استقبلها الرصاص بدلاً من الاستسلام، فاندلعت مواجهة سالت فيها الدماء من طرفين: فقد لقي مسلحان حتفهما، بينما سقط مواطن بريء كان الزمان قد أوقفه في المكان الخطأ، وأُصيب ضابط شرطة دفع ثمن الواجب من جسده.
غير أن أعمق فصول هذه العملية لم يكن في المداهمة، بل فيما تلاها. فقد أُلقي القبض على قيادي إرهابي رفيع يُدعى علي محمود محمد عبد الونيس، لتنفجر من فمه اعترافات كشفت عن حجم الهاوية التي كانت تنتظر أن تنفتح، إذ أقرّ بالتخطيط لاستهداف الطائرة الرئاسية بصواريخ محمولة — ذلك الحلم الدموي الذي تبدّد قبل أن يتحوّل إلى كارثة.
ثم جاء ما هو أكثر دلالة من الاعترافات التقنية: ندمٌ حارق، وصوتٌ مرتجف يوجّه رسالة إلى ابنه — وكأنه يكتب على جدران زنزانته وصيةً للأجيال — يناشده أن يبتعد عن الطريق الذي سلكه أبوه، ذلك الطريق الذي لا ينتهي إلا بالخسارة.
ظهرت حركة "سواعد مصر" — حسم — في منتصف عام 2016، ولداً غير شرعي للغضب الإخواني على ثورة الثلاثين من يونيو 2013. آثرت العنف منهجاً، والاغتيال أسلوباً، وزرع الرعب رسالةً، فاستهدفت رجال الشرطة والقضاء والمنشآت الحيوية، واكتسبت بذلك لقب "الإرهابية" في مصر وعواصم أخرى لم تستطع أن تغمض عيناً أمام سجلها الدموي.
من يتأمل هذه العملية يكتشف أن مصر تخوض حرباً مزدوجة: حرباً بالسلاح ضد الخلايا، وحرباً بالكلمة ضد الفكر. فاعترافات القيادي المنهار لا تُدين شخصاً بعينه فحسب، بل تهدم رواية كاملة كان التنظيم يبني عليها تجنيد الشباب وإغوائهم بأوهام المقاومة.
وقد أجمع المراقبون والخبراء على أن ما جرى يُجسّد نضجاً استراتيجياً في التعامل مع ظاهرة التطرف؛ ذلك أن الأمن الحقيقي لا يُبنى فوق أنقاض الخلايا وحدها، بل يُرسّخ في عقول الناشئة التي قد تكون فريسة الغد إن أُهملت اليوم.
تثبت مصر، بعملياتها المتكررة وانتصاراتها المتراكمة، أن الدولة حين تؤمن بنفسها وتثق في مؤسساتها، تصير قلعةً يصعب اختراقها. وفي كل ضربة استباقية تُوجَّه، رسالةٌ مضمونها: أن هذا الوطن لن يكون ساحةً للخراب، وأن من يحلم بزعزعة استقراره سيجد في مقابله يقظةً لا تنام، وإرادةً لا تُكسر.
|