|
القاهرة 10 مارس 2026 الساعة 04:16 م

بقلم: د. هويدا صالح
كثيرًا ما استوقفني ذلك التناقض الكامن في خطاب بعض العلمانيين العرب؛ إذ يخلطون بين العلمانية والإلحاد، ويقيمون بينهما علاقة تكاد تبدو حتمية. وفي ضوء هذا الخلط ينظر بعضهم إلى المثقفين الذين يمارسون شعائرهم الدينية نظرةً دونية، توحي بأن التدين علامة على الجهل أو التخلف، أو أنه ينتقص من أهلية صاحبه للانتماء إلى الحقل الثقافي. غير أن هذه المفارقة تطرح سؤالًا أعمق من مجرد الجدل الأيديولوجي المعتاد بين أنصار الدين وخصومه؛ فهي تفتح باب التأمل في طبيعة العلمانية ذاتها، وفي الكيفية التي جرى بها استقبالها وتمثّلها داخل المجال الثقافي العربي.
فالإشكال، في كثير من الأحيان، لا يكمن في مفهوم العلمانية نفسها بقدر ما يكمن في طرائق تمثّلها وتطبيقها، وفي التحولات التي تطرأ عليها حين ينتقل من سياقه التاريخي الغربي إلى سياقات ثقافية مغايرة. ومن هنا تبدو مسألة الازدواجية المعيارية في بعض تجليات الخطاب العلماني العربي مسألةً جديرة بالتأمل؛ لأنها تكشف عن توترٍ خفي بين المفهوم في ذاته، بوصفه إطارًا نظريًا لتنظيم العلاقة بين الدين والدولة، وبين الممارسة الخطابية التي تُنتَج باسمه داخل المجال الثقافي.
العلمانية في أصلها التاريخي ليست موقفًا ميتافيزيقيًا من وجود الله أو عدمه، وليست فلسفة إلحاد بالضرورة، كما يتصور بعض خصومها أو حتى بعض أنصارها. إنما هي، في معناها الكلاسيكي، تنظيم للعلاقة بين المجالين السياسي والديني، بحيث تُفصل سلطة الدولة عن سلطة المؤسسة الدينية، وتُترك مسألة الاعتقاد في نطاق الضمير الفردي. لقد نشأت العلمانية في أوروبا بوصفها حلًا تاريخيًا لصراعات طويلة بين الكنيسة والسلطة السياسية، وكانت تهدف أساسًا إلى منع احتكار الحقيقة الدينية من قبل مؤسسة واحدة، وإلى حماية المجال العام من هيمنة التأويل اللاهوتي.
لكن حين انتقلت هذه الفكرة إلى الفضاء الثقافي العربي، لم تنتقل دائمًا في صورتها المفهومية الدقيقة، بل كثيرًا ما وصلت بوصفها حزمة من المواقف الثقافية الجاهزة. وهنا ظهر ما يمكن تسميته بـ"العلمانية الأيديولوجية"، أي تلك التي تحوّل العلمانية من إطار تنظيمي سياسي إلى موقف معرفي شامل من الدين نفسه. وفي هذه الحالة يغدو الإلحاد أو اللاأدرية شرطًا ضمنيًا للانتماء إلى معسكر "التقدم" أو "التحضر"، وكأن الحداثة لا تتحقق إلا بالتخلص من الإيمان الديني.
هذا الخلط بين العلمانية بوصفها نظامًا سياسيًا، وبين الموقف الشخصي من الدين، هو أحد أبرز مظاهر التناقض في بعض الخطابات العلمانية العربية. فالعلمانية، في تعريفها الدقيق، لا تفرض على الفرد أن يكون مؤمنًا أو ملحدًا؛ إنها تكتفي بضمان حياد الدولة تجاه الأديان. غير أن بعض المثقفين يحوّلونها إلى معيار ثقافي يقيس درجة "تحضر" المجتمعات والأفراد، فيصبح التدين علامة على التخلف، بينما يُنظر إلى الإلحاد باعتباره دليلًا على العقلانية. وهنا يتحول خطاب التحرر من الوصاية الدينية إلى نوع آخر من الوصاية المعرفية.
ومع ذلك، فإن نقد هذا التناقض لا ينبغي أن يتحول إلى رفض شامل للعلمانية ذاتها. فثمة فرق كبير بين المبدأ النظري وبين النسخ المشوهة أو الناقصة منه. إن العلمانية، في صيغتها المتماسكة، ليست معادية للدين، بل على العكس من ذلك، هي إطار يضمن حرية الاعتقاد ويحمي التعددية الدينية. ولذلك فإن المشكلة الحقيقية ليست في العلمانية بوصفها فكرة، بل في الاستخدام الانتقائي لها.
ويظهر هذا الاستخدام الانتقائي بوضوح في الطريقة التي يُنظر بها إلى الظواهر السياسية في الغرب. فحين يُوظَّف الدين في المجال السياسي الأمريكي، كما يحدث في بعض الخطابات الدينية المرتبطة باليمين المحافظ، فإن ذلك يُعدّ نموذجًا واضحًا لتسييس الدين. وهذا التوظيف هو بالضبط ما تنتقده العلمانية في أصلها. لكن الخطاب العربي، في كثير من الأحيان، يتعامل مع هذه الظاهرة بطريقة انتقائية: فخصوم العلمانية يستخدمونها دليلًا على فشل النموذج العلماني، بينما يتجاهل بعض أنصار العلمانية النقد الجذري الذي يوجّهه مفكرون غربيون لهذه الظاهرة نفسها.
وينطبق الأمر ذاته على النقاشات المثيرة للجدل حول بعض النخب الغربية، وما يُتداول بشأنها من اتهامات تتعلق بطقوس غامضة أو شبكات نفوذ خفية، كما في الجدل الذي أثير حول جزيرة إبستين وما نُسب إليها من ممارسات وطقوس يختلط فيها الواقعي بالأسطوري. غير أن التعامل مع مثل هذه القضايا يقتضي قدرًا كبيرًا من الحذر المنهجي؛ إذ تتراوح المعطيات المتداولة حولها بين وقائع موثقة قانونيًا وأخرى تحيط بها التكهنات والمبالغات. ومن ثمّ يصبح من الضروري مقاربتها بعين نقدية متأنية تميز بين ما ثبت بالدليل وما يظل في نطاق الادعاء أو الجدل العام، لأن الانزلاق إلى السرديات التآمرية لا يعزز التفكير العقلاني بقدر ما يربكه ويضعف حجته.
لكن جوهر المشكلة لا يكمن في هذه الأمثلة الجزئية، بل في معيار النقد نفسه. فالعقلانية النقدية، إذا كانت صادقة مع نفسها، ينبغي أن تطبق المعيار ذاته على جميع الظواهر، سواء تعلقت بالمؤسسات الدينية التقليدية أو بالنخب السياسية والاقتصادية الحديثة. فإذا كان النقد موجَّهًا إلى الدين لأنه يوظف الميتافيزيقا في المجال العام، فإن النقد ذاته ينبغي أن يطال كل أشكال السلطة التي تستخدم الرموز أو الأساطير أو الطقوس لإضفاء الشرعية على نفوذها.
ومن هنا يمكن القول إن المسألة الأساسية ليست صراعًا بين الدين والعلمانية، بل صراع بين الاتساق والانتقائية في التفكير. فالإنسان المتسق فكريًا لا يطبق معيارًا على خصومه ويستثني منه حلفاءه، ولا يقبل النقد حين يوجه إلى الآخرين ويرفضه حين يقترب منه. إن معيار العقلانية الحقيقي هو القدرة على إخضاع جميع الأفكار والمؤسسات للمساءلة ذاتها.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام الخطاب الثقافي العربي اليوم ليس الدفاع الأيديولوجي عن العلمانية ولا الهجوم عليها، بل إعادة التفكير فيها بوصفها مفهومًا سياسيًا يضمن التعددية والحرية. فالعلمانية التي تُفهم على هذا النحو لا تتناقض مع الإيمان الديني، كما لا تتعارض مع النقد العقلاني. إنها ببساطة إطار يسمح بوجود الاثنين معًا.
في النهاية، يمكن القول إن الازدواجية المعيارية هي العدو الحقيقي لأي مشروع فكري، سواء كان دينيًا أو علمانيًا. فحين يتحول الفكر إلى أداة للانتقاء الأيديولوجي، يفقد قدرته على الإقناع، ويتحول إلى خطاب دفاعي. أما الفكر الذي يلتزم معيارًا واحدًا في النقد، فإنه يظل قادرًا على مساءلة نفسه قبل مساءلة الآخرين، وهذه هي العلامة الأولى لأي موقف فكري ناضج.
|